هل تطلق الصين “طريق الحرير الصحّي”؟

بعد 76 يوماً من العزل، سمحت السلطات الصينية لسكان ووهان بالخروج من منازلهم أو مغادرة المدينة، كما سمحت للمطاعم والمقاهي في بكين وشنغهاي وشينينغ باستقبال الرواد، فيما أعلنت الحكومة المركزية أن طلاب المدارس عادوا إلى مقاعدهم في 10 مقاطعات من أصل 30. وفي وقت تحاول الصين جني ثمار إجراءاتها الاستثنائية لمحاربة الفيروس، تتّهمها بعض الدول بتصدير الفيروس والمرض الناتج عنه، وباستغلال المساعدات الطبية لأغراضٍ دعائية. ويشتبه البعض في أنها تلجأ إلى "الدبلوماسية الطّبيّة" لإحياء مشروع الحزام والطريق بعدما عطّلته إجراءات العزل.

الخوف على السّمعة  

لم يُخفِ بعض المسؤولين الأوروبيين استياءهم من دخول الصين في علاقات وُصفت بالمشبوهة مع عدد من الدول الأوروبية وعلى رأسها إيطاليا، من باب “المساعدات الطبية والانسانية”.

وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل انتقد إقدام الصين على “تشويه سمعة أوروبا” عبر التركيز في وسائل الإعلام على حاجة إلى بعض الدول الأوروبية إلى المعدات الطبية والأدوية والطواقم الطبية، كما انتقد لجوء الصين إلى سياسة السخاء لتلميع صورتها، بعدما صدّرت الفيروس إلى مختلف أنحاء العالم.

بوريل اتهم مسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني بإخفاء معلومات أساسية عن الفيروس للتقليل من حجم المشكلة، ما أدى إلى “تضليل الأوروبيين في كيفية التعامل معه”.

“الاتهام بالتضليل وبإخفاء المعلومات لا يرقَ إلى المنطق”، بحسب ما قال الباحث في الشؤون الآسيوية د. جاد رعد لـ”180”. وأضاف أن الإحصاءات والدراسات كانت تُجرى في الصين وفي خارجها بنحو متزامن ومتوازٍ وأن النتائج تقاطعت وتشابهت مرات عديدة ما يدحض المزاعم بأن الصين نشرت معلومات مغلوطة للتخفيف من وقع الأزمة.

رعد الذي يقيم في مدينة شينيانغ الصينية، أكّد أن السلطات الصينية تعاملت بشفافية مع المنظمات الطبية الدولية والمؤسسات التي طلبت منها معلومات، لكنّها احتاجت إلى بعض الوقت لتكتشف خصوصية هذا الفيروس وخريطته وكيفية التعامل معه، كما أنها أوقفت الكشف عن البيانات الاقتصادية للتأكيد على أن أي رقم يصدر عن الإعلام الغربي ليس منقولاً عنها، ولا يمكن نسبه إليها، وذلك بعدما عمّم الإعلام الأميركي معلومات خاطئة أبرزها يتعلق ببنك الشعب الصيني (البنك المركزي الصيني) ومفادها أنه طبع 2 تريليون دولار (ألفَي مليار دولار) وضخها في السوق المحلية.

الخارجية الصينية ردّت على الاتهامات الأوروبية بوصفها “مثيرة للضحك”، ودعت إلى احترام الجهود الجبارة التي يبذلها العاملون الصينيون في مصانع المستلزمات الطبية لتأمين الكميات اللازمة من المعدات التي باتت مطلوبة في كل أنحاء العالم. وسألت الخارجية الصينية على لسان المتحدثة باسمها “هل تريدون من الصين أن تقف مكتوفة الأيدي أمام انتشار هذا الوباء الخطير؟”.

مشكلة الأوروبيين مع الصين لم تقتصر على هذا الجانب، بل تعدّتها إلى ما يتعلق بالدعاية و”بناء الصورة” في الإعلام. فقد اتهمت الوزيرة الفرنسية للشؤون الأوروبية أَمِلي دو مونشالان بكين باستغلال المساعدات الإنسانية و”إبرازهها للدعاية”، وقالت في مقابلة مع إذاعة “فرانس إنتر” وصحيفة “لوموند” ومحطة “فرانس تلفزيون”، إن “التضامن لا يمكن أن يُستخدم أداة للوصول إلى غايات أخرى”، مشيرة إلى أنّ “الاتحاد الأوروبي أرسل 56 طناً من المساعدات إلى الصين، عندما كانت منكوبة، من باب التضامن لا من باب الدعاية”.

أما الباحث في الشؤون الاستراتيجية أنطوان بونداز فقال إن بكين التي طلبت من الاتحاد الأوروبي التكتم عندما قدّم لها المساعدة في المرحلة الأولى من انتشار الفيروس، تقوم بعكس ذلك الآن، وتنفذ “حملة إعلامية غير مسبوقة” للتسويق لنفسها على أنها “الطبيب” الذي سيشفي العالم من “كوفيد-19″، لافتاً إلى أن “الصين تستند في ذلك إلى سلسلة مبادرات من بينها إرسال خبراء في الطب إلى الدول الأكثر حاجة للمساعدة وبناء المختبرات فيها وتجهيزها بالمعدات الحديثة، كما تستند إلى تقديم هبة قدرها 20 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية”.

وعن دور منظمة الصحة العالمية، كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” في افتتاحيتها يوم الاحد 5 نيسان/ابريل أن المنظمة ضلّلت الرأي العام عندما تأخّرت في إعلان “كوفيد-19” وباءاً عالمياً وقلّلت من شأنه لأكثر من شهرين للتسترِ على حجم التهديد الذي يمثله. الصحيفة دعت إلى إلغاء منظمة الصحة العالمية أو إصلاحها بعد الخطأ الذي اقترفته “بالتواطؤ مع الصين”.

يُذكر أن العلاقة بين صحيفة “وول ستريت جونيور” والسلطات الصينية مضطربة من مطلع شباط فبراير الماضي بعدما نشرت إفتتاحية بعنوان China Is the Real Sick Man of Asia  (الصين هي الرجل المريض الفعلي في آسيا) ورأت الصين في هذا العنوان توصيفاً عنصرياً وقررت على خلفيته سحب بطاقات ثلاثة مراسلين لـلصحيفة في بكين، علماً أن الخارجية الصينية أكدت أنها أبلغت احتجاجها للصحيفة التي لم تُبدِ أيّ تجاوبٍ ولم تعتذر.

تصدير الفيروس

تتهم الدول والشعوب الغربية الصين بتصدير الفيروس بعدما لازمها فِعلُ “التصدير” منذ ثمانينيات القرن الماضي حين كرّست نفسها أكبر مُصدّر للسّلع في العالم. لكنّ تصدير الأوبئة والفيروسات، لم يكن في حسبان الدولة المُنشغلة في كيفية ضمّ أكبر عدد من البلدان إلى مشروعها الضخم للتجارة والبنية التحتية المُسمّى “مبادرة الحزام والطريق” وهو يقوم على تطوير “طريق الحرير” للتّجارة الذي أطلقته الصين في القرن التاسع عشر. ويشتبه البعض في أن تكون القوة الآسيوية العظمى، التي يبدو أنها أحسنت احتواء الفيروس على أراضيها، تستغلّ “الدبلوماسية الطّبيّة” لتحقيق أهدافها التوسّعية والاستمرار بمشروعها لإحياء طريق الحرير من باب المساعدات الطبية.

تتهم الدول والشعوب الغربية الصين بتصدير الفيروس بعدما لازمها فِعلُ “التصدير” منذ ثمانينيات القرن الماضي حين كرّست نفسها أكبر مُصدّر للسّلع في العالم

مبدئياً، إنطلق فيروس كوفيد-19 من مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي الصينية، واجتاح القارات الخمس بفضل حركة السفر وربما بفضل السلع.

فعلياً، لم يتسنّ التأكّد بعد من أن الفيروس نشأ في الصين أم انتقل إليها من الخارج قبل أن تكون له هوية، أي قبل أن يُعرف أن المصابين بالتهاب رئوي حادّ وحرارة يحملون هذا الفيروس المستجد دون سواه، علماً بأن أحدث الدراسات العلمية أكدت أن مصدره الأصلي هو الخفاش، وقد انتقل منه إلى الإنسان عبر وسيط، ولكن ليس من خلال الطعام، فلو كان كان الطعام سبب انتقاله إلى جسم الإنسان لضرب جهاز الهضم قبل جهاز التنفس، وبالتالي ليس حتمياً أن يكون الفيروس قد جاء من الأطعمة التقليدية في سوق الأسماك في ووهان حيث تفشى في المراحل الأولى.

الخبير في الشؤون الآسيوية د. جاد رعد أوضح أن جنديّين أميركيين وصلا إلى مدينة ووهان قبيل انتشار الفيروس فيها، للمشاركة بدورة الألعاب الرياضية الدولية، وبدت عليهما عوارض المرض بالفيروس، لكنّ السلطات الأميركية لم تفصح عن أي معلومات تتعلق بهما للتأكد من تاريخ الإصابة وأسبابها ونتائجها.

وأكد رعد أن الباحثين الصينيين استبعدوا فرضية أن يكون الفيروس ناتجاً من حربٍ بيولوجية لكنّ هذا لا ينفي إمكانية أن يكون قد ورد من الخارج. وأضاف أن الباحثين أثبتوا أن الفيروس انتقل من الخفافيش عبر وسيط وهذا الوسيط لا يؤكل بل يختلط نفَسُه بنفَس الإنسان والعمل جارٍ للتثبت من خمسة وسائط مُحتملة هي القطط والكلاب والخنازير والدجاج والبط.

وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت عن عالم الأوبئة وأستاذ الإحصائيات الطبية في جامعة ميلانو، أدريانو ديكارلي قوله “نريد أن نعرف ما إذا كان الفيروس قد وُجد هنا في إيطاليا في نهاية عام 2019”. ووفقاً لرويترز، يبحث علماء إيطاليون في ما إذا كانت حالات الالتهاب الرئوي الحاد المسجلة في لومبارديا خلال الربع الأخير من عام 2019 أعلى من المعتاد، باعتبار أن ذلك قد يكون مؤشرا على انتشار فيروس كورونا الجديد خارج الصين، قبل انتشاره داخل حدودها.

ويُذكر أن العدوى بفيروس “كوفيد-19” سهلةُ جداً وتتم ببساطة وسرعة إستثنائيتين خلافاً لسائر الفيروسات من الفصيلة نفسها. إذ يمكن للفيروس أن يعيش نحو 4 أيام على الخشب و3 أيام على البلاستيك والستاينلس ونحو 5 ساعات على الزجاج و4 ساعات على النحاس و24 ساعة على الكرتون كما يمكن أن ينتقل من إنسان إلى آخر بالرذاذ الذي يخرج من الفم عند الكلام أو التثاؤب أو العطس وقد يعلق في الهواء لمدة 3 ساعات. الفيروس يدخل جسم الإنسان من الأنف أو الفم عند التنفس وبسبب التهاباً رئوياً حاداً وارتفعاً في الحرارة وشعوراً دائماً بالإرهاق، وقد يفاقم حالة ذوي المناعة الضعيفة إلى حدّ الوفاة.

اليسار كرم

صحافية لبنانية متخصصة في الاقتصاد

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course