“رحم أزرق”.. حين يكتب الروائي عبد الحليم حمود بريشة فنان وقلق مفكّر

أجزم أن عبد الحليم حمود وهذه الرواية توأمان. أديبنا، ليس من الكتّاب الذين يكتفون بصناعة الحكاية، بل من أولئك الذين يحاولون بناء عالم كامل داخل اللغة؛ ففي كتاباته، تتجاور حساسية الفنان مع قلق الفيلسوف، فتتحول الجملة إلى مساحة تأمل، ويغدو السرد رحلةً في التصدعات الخفية للنفس والذاكرة والوجود الإنساني.

يمتلك عبد الحليم حمود قلمًا يعرف كيف يخلق المناخ قبل الحدث، وكيف يجعل القارئ يشعر بأنّه لا يقرأ رواية فحسب، بل يدخل تجربة ذهنية وشعورية كثيفة.

وفي “رحم أزرق” تتجلّى بوضوح قدرته الروائية حين يغامر بالدخول إلى المناطق المعتمة في الإنسان، دون خوف من الأسئلة الثقيلة أو من تعقيد النفس البشرية، ليقدّم نصًا يمتلك لغته الخاصة، واختناقه الخاص، ورؤيته الخاصة للعالم.

هذه الرواية لا تُقرأ بوصفها حكاية تقليدية عن جريمة أو فقدان ذاكرة أو غموض بوليسي، بل كنصّ يفتح أبوابه منذ الصفحة الأولى على هاوية وجودية عميقة، حيث يتحوّل الإنسان نفسه إلى لغز، وتصبح الهوية موضع شك، والذاكرة أرضًا رخوة، والوعي عبئًا يكاد يفوق قدرة الكائن على الاحتمال.

***

منذ الافتتاحية، لا يدخل الكاتب إلى عالمه السردي بهدوء، بل يقتحم وعي القارئ اقتحامًا. فالنص يبدأ من منطقة الانهيار لا من منطقة البناء؛ من التصدع الداخلي لا من الحدث الخارجي. البطل لا يستيقظ داخل قصة، بل يستيقظ داخل اغترابه؛ داخل شعور مرعب بأنّه يعيش حياة لا تخصّه بالكامل، وأنّ هناك شيئًا ما قد اختلّ في العلاقة بينه وبين ذاته والعالم. وهنا تتجلّى إحدى أهم نقاط قوة الرواية:

إنّ سؤالها الحقيقي ليس “ماذا حدث؟”، بل من أنا أصلًا؟

هذا التحول من الحدث إلى الكينونة هو ما يمنح الرواية ثقلها الفلسفي والنفسي. فالنص لا يستخدم فقدان الذاكرة كخدعة سردية سطحية، بل كأداة لتفكيك الإنسان الحديث، ذلك الإنسان الذي لم يعد واثقًا من صورته، ولا من ذاكرته، ولا حتى من حقيقة وجوده الخاص.

***

في “رحم أزرق” يبدو الجسد كأنّه مساحة مستعارة، أو غرفة مؤقتة أُلقيت الذات داخلها بلا إرادة. البطل لا يشعر بأنّه يسكن جسده، بل بأنّه محاصر فيه. ولهذا تتكرر في الرواية صور:

الازدواج، الانقسام، الوجوه غير المألوفة، الصور التي تشبه صاحبها ولا تشبهه، الأسماء المرتبكة.. والإحساس المستمر بأنّ شخصًا آخر قد عاش هذه الحياة مسبقًا.

هذه الثيمات لا تعمل فقط على خلق التوتر النفسي، بل تكشف رؤية الرواية للهوية بوصفها بناء هشًا، قابلًا للتفكك وإعادة التشكيل.

هنا تقترب الرواية من الأدب الوجودي الكبير؛ من ذلك السؤال الذي طارد روائيّين كبار أمثال كافكا وسارتر ودوستويفسكي:

هل الإنسان ذات ثابتة فعلًا، أم مجرد سردية مؤقتة تنهار عند أول تصدع عميق؟

الرواية تميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني، ولعلّ هذا ما يمنحها شيئًا من قسوتها الواقعية.

***

الأمكنة في “رحم أزرق” لا تُكتب بوصفها فضاءات محايدة، بل بوصفها امتدادات للنفس المضطربة. البيت، الممرات، الضوء، المقهى، المرحاض، الكرسي المتحرك، الستائر، كلها تبدو وكأنّها تشارك في صناعة القلق، لا مجرد احتضانه.

المكان هنا ليس خلفية للحدث، بل جزء من بنيته النفسية والرمزية.

ولهذا يشعر القارئ أحيانًا أنّ الرواية تتحرك داخل عالم ميتافيزيقي، أو فوق خشبة مسرح أُعدّت تفاصيله بعناية مقلقة. الأشياء موضوعة في أماكنها كما لو أنّ يدًا خفية رتّبت المشهد سلفًا، والشخصيات تظهر كأنّها تعرف أكثر مما تقول، فيما يتحرك البطل داخل عالم يبدو مألوفًا وغريبًا في آن واحد.

هذا الحس المسرحي المتكرر ليس تفصيلًا جماليًا عابرًا، بل جزء من الفكرة الأساسية للنص:

الإنسان لا يعيش حياته بحرية كاملة، بل يتحرك داخل بنية أكبر منه، داخل نص مكتوب سلفًا، لا يدرك قواعده إلا متأخرًا.

***

اللغة في “رحم أزرق” ليست مجرد أداة للسرد، بل هي العمود الفقري للتجربة كلها. عبد الحليم حمود يكتب بجمل كثيفة، مشبعة بالشعرية والتوتر والانزياح، بحيث تتحول العبارة نفسها إلى مساحة شعورية وفكرية.

النص لا يصف الاضطراب النفسي، بل يتعمّد إنتاجه لغويًا.

فهناك قدرة واضحة على صناعة الصورة، وعلى خلق إيقاع داخلي يجعل القراءة أقرب إلى الانغماس في تيار وعي متشظٍ، حيث تختلط الحواس، وتتداخل الأفكار بالكوابيس والذكريات والهلوسات.

ولئن منحت هذه الكثافة اللغوية الرواية خصوصيتها الجمالية، فإن بعض المقاطع تميل إلى التأمل الفلسفي المكثف على حساب الإيقاع السردي أحيانًا، غير أنّ ذلك يظل منسجمًا إلى حد بعيد مع طبيعة العالم النفسي القلق الذي تتحرك داخله الرواية.

قد تبدو الرواية، للوهلة الأولى، غارقة في التشكيك بكل شيء: الحب، الأسرة، الهوية، الحقيقة، الذاكرة، وحتى فكرة الشفاء نفسها. غير أنّها، في عمقها، لا تنطلق من تمجيد العدمية بقدر ما تنبع من الإحساس الموجع بانهيار المعنى وتصدّع اليقين الإنساني.

فالعدمية هنا لا تبدو موقفًا فكريًا باردًا، بقدر ما تبدو أثرًا لوعي مثقل بالخذلان والاغتراب. ولهذا لا تبدو الشخصيات شريرة بقدر ما تبدو مكسورة من الداخل، كما لا يبدو العالم مظلمًا لأنه جحيم مقصود، بل لأنه فقد توازنه الأخلاقي والوجودي، وترك الإنسان وحيدًا في مواجهة فراغه الداخلي.

إقرأ على موقع 180  واشنطن والرياض.. التطبيع مع إسرائيل ليس ثالثهما!

حتى الجنون نفسه لا يُقدَّم كخلل طبي، بل كوعي مؤلم بهشاشة الواقع.

وهنا تكتسب الرواية بعدها الثقافي الأعمق؛ فهي ليست فقط نصًا عن فرد مضطرب، بل عن إنسان معاصر يعيش بعد سقوط اليقينيات الكبرى، بعد تحوّل الحقيقة إلى احتمال، والهوية إلى قناع، والعلاقة مع الذات إلى حرب داخلية لا تنتهي.

***

رحم أزرق“، يحمل هذا العنوان، واحدًا من أكثر الرموز كثافة في الرواية.

فالرحم، بوصفه رمزًا للبداية والأمان والتكوين الأول، يقترن هنا باللون الأزرق، لا بوصفه لون الطمأنينة، بل لون البرودة والعزلة والمستشفيات والاختناق الروحي.

وكأن الرواية تعيد تعريف الولادة نفسها: لسنا أبناء يقين مطمئن، بل أبناء “رحم وجودي” بارد، يُلقي بنا في العالم دون أن يمنحنا مفاتيح فهمه.

ولهذا تبدو الشخصيات كلها وكأنّها تبحث عن عودة مستحيلة: عودة إلى ذات مستقرة، إلى معنى ثابت، إلى أصل لم يعد موجودًا أو إلى يقين لم يكن موجودًا أصلًا.

لكن الرواية، بقسوتها الفكرية، لا تمنح هذا الخلاص.

***

رحم أزرق” ليست نصًا سهلًا، ولن تكون رواية جماهيرية بالمعنى الاستهلاكي للكلمة. إنّها عمل يطلب قارئًا مستعدًا للدخول في المتاهة، لا البحث عن طريق مختصر للخروج منها.

قيمتها الحقيقية تكمن في أنّها لا تكتفي بالحكاية، بل تمتلك رؤية كاملة للعالم والإنسان.

وهذا ما يميّز الأعمال الأدبية التي تبقى، عن النصوص التي تُقرأ ثم تُنسى سريعًا.

لقد نجح عبد الحليم حمود في كتابة رواية تمتلك: لغتها الخاصة، إيقاعها النفسي الخاص، مناخها الوجودي الخاص ونظرتها القلقة إلى الإنسان الحديث.

إنّها رواية عن الإنسان حين يصبح غريبًا داخل نفسه، وعن الوعي حين يتحوّل من أداة للفهم إلى متاهة بلا قاع.

وفي النهاية، لا يخرج القارئ من “رحم أزرق” وفي ذهنه حلّ لغز، بل يخرج وهو يشعر بأنّ الرواية وضعت إصبعها على الجرح الأعمق في الإنسان المعاصر:

الخوف من أن تكون حياتنا كلها نصًا كُتب قبلنا.. وأن نكتشف ذلك متأخرين جدًا.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لبنان "الحديدان".. و"حارة كِل من إيدو إلو"