هذه ليست مجرد قراءة سياسية، بل استدعاء لفهم العمق الأنطولوجي للحظة العالمية الراهنة؛ لحظة تفكك “المعنى” نفسه، حيث يصبح السؤال الأكبر ليس من سيقود النظام القادم، بل هل يمكن لهذا النظام أن يوجد أصلاً.
في الجزء الأول من هذا المقال، قدّمنا قراءة موضوعية في أزمةٍ يتفكك فيها النظام العالمي القائم منذ انتهاء الحرب الباردة، لكننا أبقيناه في حدود توصيف تداعيات الصراع على النفوذ في لحظة انتقالية تفصل بين نظامين؛ أحدهما يتهاوى، والآخر تتعثر ولادته. أما هذا الجزء الثاني، فيتقدّم في تلك القراءة ليقترب من لحظة أكثر حرجًا: لحظة يُختبر فيها العالم على حافته التاريخية، لا بوصفه ساحة صراع فحسب، بل بوصفه بنية إدراك تتصدّع، وعجزًا متناميًا عن إنتاج “معنى” مشترك يمكن أن ينظّم هذا الصراع ذاته. وفي هذا السياق، يصبح صعود الصين والولايات المتحدة، وتفاعل روسيا معهما، أكثر من مجرد صراع نفوذ؛ بل اختبار لقدرة العالم على إعادة بناء أفق مشترك يمكن أن يمكّن هذه القوى من ضبط النظام بدلاً من تحريكه نحو الانزلاق.
***
لم يعد التحدي في إدارة التوازنات، بل في فهم ما يحدث حين تفقد التوازنات معناها؛ فالعالم اليوم لا يقف على حافة صراع بين قوى، بل على حافة انكشاف في شروط الفهم التي تجعل من النظام ممكنًا أصلًا. إنها لحظة لا تُختبر فيها شرعية النظام الدولي بوصفها وظيفة سياسية، بل بوصفها قدرة معرفية: قدرة على تعريف القواعد، وإنتاج أفق مشترك تُفهم ضمنه هذه القواعد.
لم يعد السؤال ما الذي ينهار اليوم، بل ما الذي يُمكن أن يولد بعده. غير أن هذا السؤال يفترض ضمنًا أن العالم يتحرك من نظام إلى آخر، كما لو أن التحول مجرد انتقال في موازين القوة. لكن الواقع أعمق من ذلك؛ فالعالم لا يعيش انتقالًا واضحًا، بل يدخل في ديناميكية تاريخية مألوفة في ظاهرها، مختلفة في بنيتها، حيث تتقدم قوة صاعدة بسرعة، فيما تجد القوة القائمة نفسها أمام تحوّل لا تملك أدوات تفسيره. في مثل هذه اللحظات، لا يبدأ التوتر من النوايا، بل من الإدراك، فحين يُقرأ صعود قوة جديدة بوصفه “تهديدًا وجوديًا”، يتحول كل فعل إلى إشارة خطر، وكل خطوة إلى احتمال تصعيد. وهنا لا يتشكل الصراع بوصفه قرارًا، بل بوصفه انزلاقًا داخل أفق إدراكي مغلق، حيث تفقد القوى قدرتها على رؤية البدائل، لا لأنها غير موجودة، بل لأنها لم تعد مفهومة ضمن الإطار الذي تُفكّر من خلاله.
وفي قلب هذا الانزلاق، تلعب الولايات المتحدة والصين وروسيا دورًا محورياً؛ ليس كجهات متنافسة فقط، بل كعوائق ومرتكزات لإمكانية أي نظام جديد، أو كما يمكن أن نسميه في رمزية السياسة الدولية “نموذج يالطا 2”.
***
العالم لا يعيش انتقالًا طبيعيًا بين نظامين، بل لحظة انكشاف بينهما؛ نظامٌ يتفكك دون أن يختفي تمامًا، وآخر لم تتبلور شروطه بعد. وما يميز هذه اللحظة، مقارنة بتحولات سابقة، هو أنها لا تُدار ضمن أفق زمني قابل للاحتواء. فإعادة التشكّل لم تعد نتيجة تلقائية لإعادة توزيع القوة، بل عملية معقدة تتداخل فيها ديناميات الخوف، وسوء التقدير، وتضارب التصورات حول شكل النظام نفسه.
وهنا تتكثف المفارقة: فكلما تعاظمت الحاجة إلى نظام جديد، تراجعت القدرة على تصوّره، وكلما تسارع التحول في موازين القوة، تباطأت القدرة على تحويل هذا التحول إلى قواعد مستقرة. فالعالم لا يفتقر إلى عناصر التأسيس، بل إلى الإطار الذي يمنح هذه العناصر معنى مشتركًا؛ وبدون هذا الإطار، لا تتقدم عملية البناء، بل تتراكم عناصرها ضمن مسار متعرّج، تحكمه الصراعات بقدر ما تحكمه محاولات احتوائها.
ما يبدو على السطح مسارًا متعثرًا لإعادة التشكّل، يخفي في عمقه بنية أكثر رسوخًا؛ فالعالم لا يفشل فقط في بناء نظام جديد، بل يدخل في لحظات يصبح فيها هذا البناء نفسه رهينةً لتفاعلات لا يمكن التحكم بها بالكامل. وحين تتقاطع ديناميات الخوف مع تحولات القوة، لا يعود الصراع نتيجة قرار عقلاني، بل محصلة تراكم إدراكات متوترة تدفع الأحداث نحو مسارات لم تكن مقصودة بالضرورة.
في هذه اللحظات، لا يكون الخطر في نوايا القوى بقدر ما يكمن في تصوراتها المتبادلة. فالقوة الصاعدة لا تحتاج إلى أن تكون عدوانية كي تُقرأ كتهديد، كما أن القوة القائمة لا تحتاج إلى أن تكون توسعية كي تُفسَّر خطواتها كمساعٍ للاحتواء. هنا يتكوّن توتر ذاتي: كل طرف يتصرف دفاعيًا، لكن النتيجة تبدو هجومية. فلا ينشأ الصراع من قرار بالحرب، بل من سلسلة قرارات عقلانية ضمن أفق إدراكي غير عقلاني.
هذا النمط من التفاعل لا يُنتج انفجارًا فوريًا، بل تصعيدًا بطيئًا ومتدرّجًا، تتراكم فيه الأزمات دون أن تبلغ نقطة الحسم، وتُدار فيه التوترات دون أن تُحلّ. وهنا، لا يغيب النظام كليًا، بل يتحول إلى إطار هش لإدارة التوتر بدل احتوائه، وتصبح القواعد نفسها موضوعًا للصراع.
بهذا المعنى، يدخل العالم في حالة انزلاق منضبط: لا يبلغ حد الانفجار، ولا يستقر. وتتكوّن بؤر التوتر – من شرق أوروبا إلى شرق آسيا – دون أن تتحول إلى حرب شاملة، ودون أن تنجح في إنتاج تسويات مستقرة.
ومع ذلك، الولايات المتحدة والصين وروسيا، بصفتهم المحركين الرئيسيين لهذه التوترات، يشكلون أيضًا مفتاحًا لإعادة ضبط النظام، إذا توفرت إرادة للتوافق، فكل تفاعل بينهم اليوم يرمز إلى محاولة تجسير أو ضبط الانزلاقات ضمن “نموذج يالطا 2” محتمل.
***
لم يعد الصراع حدثًا استثنائيًا، بل أصبح النمط الطبيعي لاشتغال النظام في حالته الراهنة. وفي هذا السياق، يكتسب الزمن دورًا حاسمًا؛ فكلما طال أمد هذه الحالة، لا يتسع فقط هامش الخطأ، بل تتراكم طبقات من الإدراك السلبي المتبادل، بحيث لا تعود الأفعال تُقرأ في سياقها، بل ضمن تاريخ متراكم من الشك. ومع كل أزمة تُدار دون حل، يصبح أي حدث لاحق أكثر قابلية لأن يُفهم بوصفه تهديدًا مقصودًا، ما يُضاعف احتمالات الانزلاق غير المقصود.
لكن ما يضاعف تعقيد هذه اللحظة هو أن هذا الانزلاق لا يحدث داخل نظام مستقر، بل في سياق تفكك الإطار الذي كان يضبطه. وهنا، لا يكون الخطر فقط في الصراع، بل في غياب اللغة المشتركة التي تسمح بإدارته. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة التصعيد المرتبط بإيران بوصفه أزمة إقليمية معزولة، بل كإشارة مكثفة على طبيعة المرحلة نفسها: مرحلة تتقاطع فيها خطوط التوتر، بحيث يصبح أي احتكاك موضعي قابلًا للامتداد خارج حدوده، ما يكشف اقتراب النظام من نقطة تتجاوز فيها آليات الاحتواء قدرتها على الضبط.
غير أن هذا الانزلاق، على خطورته، يكشف حدوده القصوى: اللحظة التي لا يعود فيها ممكنًا إدارة التوتر دون إطار أعلى يعيد ضبطه. وهنا يعود إلى الواجهة، لا كنموذج قابل للتكرار، بل كضرورة تاريخية، ذلك النمط من التوافقات الكبرى التي تنظّم الصراع ضمن توازن معترف به. فلم تكن يالطا انسجامًا، بل إدراكًا بأن الصراع، إذا تُرك دون إطار، سيتجاوز قدرة الجميع على التحكم به.
بهذا المعنى، لا يظهر الحديث عن “يالطا جديدة” كتكرار للتاريخ، بل كاستجابة لبنية تتكرر: لحظة تصل فيها التفاعلات إلى حدّها الذي لا يمكن إدارته دون اتفاق ضمني على قواعد دنيا، لا تُنهي التنافس، لكنها تمنع تحوّله إلى انفجار شامل. واليوم، ضمن نموذج “يالطا 2″، تشكل الولايات المتحدة والصين وروسيا محورًا محتملاً لإيجاد هذا الحد الأدنى من الاتفاق، ليس لإنتاج نظام مكتمل، بل لإبقاء إمكانية النظام نفسه قائمة.
غير أن استدعاء نموذج يالطا يصطدم بتحول أكثر عمقًا؛ فالعالم الذي أنتج تلك اللحظة لم يعد قائمًا بالشروط نفسها. لم تعد المشكلة في غياب الإرادة فقط، بل في تآكل الأرضية التي تجعل هذا التوافق ممكنًا من حيث المبدأ. واليوم، لم يعد هذا الحد الأدنى نفسه مضمونًا؛ إذ لم تعد القوى الكبرى تختلف على توزيع النفوذ فقط، بل على تعريف النظام ذاته، ما يحوّل الخلاف من تنافس داخل نظام إلى تنازع على تعريفه.
***
في ظل هذا المشهد، تلعب روسيا دورًا مركبًا؛ فهي لا تطرح نفسها كبديل مكتمل، بقدر ما تُسرّع تفكك الإطار القائم، وتمنع في الوقت نفسه استقرار بديل جديد، ما يوسّع حالة التعليق بدل أن يحسمها. وفي موازاة ذلك، تتكاثر أطر بديلة – اقتصادية وأمنية – تحاول إعادة تنظيم التوازنات خارج المركز التقليدي، غير أنها لا تزال تعكس تعددية في القوة أكثر مما تعبّر عن تعددية في النظام. فهي تُضعف احتكار الهيمنة، لكنها لم تنتج بعد معنى مشتركًا يصلح أساسًا لنظام بديل.
وهنا تتشكل المفارقة الحاسمة: كلما أصبح الاتفاق الشامل أصعب، ازدادت الحاجة إلى حدٍّ أدنى من الاتفاق. ليس نظامًا مكتملًا، بل إطارًا ناقصًا وضروريًا يمنع انهيار إمكانية النظام أصلًا. وقد لا يكون هذا الإطار اتفاقًا معلنًا، بل يتشكل عبر تفاهمات ضمنية: خطوط حمراء، وتوازنات واقعية، وآليات لضبط الاحتكاك. ليس نظامًا بالمعنى الكلاسيكي، بل هندسة دنيا لإدارة التعدد. وفي كل ذلك، تبقى الولايات المتحدة، الصين، وروسيا لاعبين أساسيين في ضبط هذا الإطار، حيث تتقاطع مصالحهم بشكل يحافظ على الحد الأدنى من النظام ويمنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى.
في النهاية، لا يقف العالم أمام سؤال من سيقود النظام، بل أمام سؤال أكثر جذرية: هل لا يزال النظام نفسه ممكنًا؟
هنا تتكشف حقيقة اللحظة الراهنة: فالعالم لا يتعثر في ولادة نظام جديد فحسب، بل يقترب – من حيث لا يقصد – من إعادة إنتاج شروط إمكانه. فحين يبلغ تآكل المعنى حدَّه، يُعاد تشكّله تحت ضغط الضرورة؛ وحين تستنفد الأزمات مساراتها، لا يستمر التاريخ في الانفلات، بل يُجبر الفاعلون على إعادة ضبط التوازن – لا خيارًا، بل مخرجًا وحيدًا من مسار فقد قابليته للاستمرار. عندها، لا تولد الأنظمة بقرار أو توافق، بل حين تُغلق البدائل، فلا يبقى سوى صيغة – ناقصة أو مؤقتة – تصبح وحدها القابلة للحياة، بوصفها الشرط الضروري لمنع الانزلاق إلى ما يتجاوز قدرة العالم على الاحتمال. وفي هذه اللحظة النهائية، يظهر دور الولايات المتحدة والصين وروسيا مجددًا، ليس كقوى متنافسة فحسب، بل كمكونات ضرورية لإبقاء النظام ممكنًا ضمن “نموذج يالطا 2″، حيث لا توجد بدائل متاحة، ويصبح أي توافق بينهم شرطًا لإمكانية استمرار العالم في التوازن.
(*) راجع الجزء الأول: تفكك النظام العالمي: إيران وانهيار الشرعية
