التنافس الإيراني الخليجي.. شرعية ونفوذ وثورة وحماية وتنمية واستقرار؟

لم يكن التوتر بين إيران ودول الخليج العربي خلال العقود الأربعة الماضية مجرد خلاف سياسي تقليدي بين دول متجاورة. هو خلافٌ يعكس تنافسًا أعمق بين نموذجين مختلفين لبناء الشرعية السياسية والحضور الإقليمي في الشرق الأوسط. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، برزت إيران بوصفها دولة تحمل مشروعًا عقائديًا ثوريًا يتجاوز حدودها الوطنية، بينما سلكت دول الخليج مسارًا مختلفًا يقوم بدرجة كبيرة على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والحماية الخارجية والانخراط في الاقتصاد العالمي، بوصفها مصادر أساسية لاستقرارها.

تُعد مسألة الشرعية السياسية عنصرًا محوريًا في فهم طبيعة الأنظمة السياسية وأنماط استقرارها. فالأدبيات السياسية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الشرعية باعتبارها مجرد امتداد تاريخي للسلطة أو نتيجة لترتيبات دستورية، بل بوصفها عملية مركبة تتشكل من خلال تفاعل عوامل متعددة، تشمل الخطاب السياسي، والأداء الاقتصادي، والقدرة على بناء سردية مقنعة حول دور الدولة ووظيفتها داخل المجتمع وفي النظام الدولي. ومن هذا المنظور، يصبح تحليل مصادر الشرعية مدخلًا مهمًا لفهم السياسات الداخلية والخارجية للدول.

يُقدّم الشرق الأوسط مثالًا واضحًا على هذا التباين في أنماط بناء الشرعية السياسية. فقد اعتمدت بعض الدول في المنطقة على الأيديولوجيا السياسية والتعبئة الثورية بوصفهما مصدرين أساسيين للمشروعية، في حين فضّلت دول أخرى الاعتماد على الأداء الاقتصادي والإنجاز التنموي لتعزيز استقرارها الداخلي. وتبرز المقارنة بين إيران ودول الخليج العربي بوصفها إحدى الحالات الأكثر وضوحًا في هذا المجال، إذ تعكس اختلافًا بنيويًا في تصور الدولة لمصدر شرعيتها ولطبيعة دورها الإقليمي.

شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 لحظة مفصلية في التاريخ السياسي لإيران والمنطقة، إذ لم تؤدِ فقط إلى تغيير شكل النظام السياسي، بل أعادت أيضًا تعريف هوية الدولة وموقعها في الإقليم. فقد تأسس النظام الجديد على مفهوم الشرعية الثورية، الذي يقوم على فكرة أن السلطة السياسية تستمد مشروعيتها من قدرتها على تجسيد أهداف الثورة والحفاظ على مبادئها. وفي هذا السياق، أصبح الخطاب الثوري عنصرًا أساسيًا في بنية النظام السياسي، حيث تُوظَّف مفاهيم مثل الاستقلال السياسي، ومقاومة الاستعمار، والدفاع عن قضايا المستضعفين في صياغة سردية تمنح النظام شرعيته السياسية.

غير أن هذا النوع من الشرعية يتطلب استمرار إنتاج الخطاب الأيديولوجي وتجدده، لأن الشرعية الثورية تعتمد إلى حد كبير على الحفاظ على حالة من التعبئة السياسية التي تربط بين بقاء النظام واستمرار المشروع الثوري. وقد انعكس ذلك بوضوح في السياسة الخارجية الإيرانية، حيث أصبح البعد الأيديولوجي جزءًا من تعريف الدور الإقليمي لإيران، إذ تسعى طهران إلى تقديم نفسها بوصفها فاعلًا سياسيًا يواجه الهيمنة الخارجية ويسعى إلى إعادة تشكيل توازنات الإقليم.

في المقابل، سلكت دول الخليج العربي مسارًا مختلفًا في بناء شرعيتها السياسية. ولادة مجلس التعاون الخليجي كانت ردة فعل على انتصار الثورة الإيرانية. استشعرت دول الخليج “الخطر الإيراني” مع سقوط نظام الشاه العلماني وولادة نظام سياسي ديني جديد جاهرَ بمقولة “تصدير الثورة”. ارتكزت الشرعية الخليجية بدرجة كبيرة على طلب الحماية الخارجية والإنجاز الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وبفضل الموارد النفطية التي تمتلكها هذه الدول، تمكنت من بناء نماذج تنموية حقّقت معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، إضافة إلى تطوير بنية تحتية متقدمة وتحسين مستويات المعيشة.

وغالبًا ما جرى تفسير هذا النموذج الخليجي في سياق مفهوم الدولة الريعية، أي مقايضة الولاء السياسي بالرفاه الاقتصادي المتأتي من اقتصاد النفط. إلا أن هذا التفسير لم يعد كافيًا لفهم التحولات الاقتصادية التي شهدتها دول الخليج في العقود الأخيرة، إذ بدأت العديد من هذه الدول في تبني استراتيجيات اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. شملت هذه الاستراتيجيات الاستثمار في قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والسياحة والصناعات المتقدمة. ومن خلال هذه التحولات، تسعى دول الخليج إلى الانتقال تدريجيًا من نموذج الاقتصاد الريعي التقليدي إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعًا واندماجًا في الاقتصاد العالمي.

في المقابل، لا يمكن فهم السياسة الإقليمية الإيرانية بمعزل عن البعد التاريخي المرتبط بما يمكن تسميته الذاكرة الإمبراطورية الفارسية. فإيران، بوصفها وريثة لتقاليد سياسية تمتد لقرون طويلة، تحتفظ في مخيلتها السياسية بإرث تاريخي لدولة لعبت أدوارًا مركزية في المجال الجغرافي الممتد بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وقد أسهم هذا الإرث في تشكيل تصور لدى بعض النخب السياسية الإيرانية بأن لإيران موقعًا طبيعيًا في قيادة المجال الإقليمي المحيط بها.

ومع قيام الثورة الإيرانية، تمت إعادة صياغة هذا التصور ضمن إطار أيديولوجي جديد، حيث أصبح الحديث يدور حول رسالة الثورة و”مواجهة الاستكبار العالمي”. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية بوصفها مزيجًا من الدوافع الجيوسياسية والتصورات الأيديولوجية، حيث يمتزج السعي إلى تعزيز النفوذ الإقليمي مع خطاب سياسي يضفي على هذا الدور بعدًا رساليًا.

أما دول الخليج، فقد قدّمت مقاربة مختلفة للأمن الإقليمي تقوم على ما يمكن وصفه بمنطق الأمن الوجودي. فالدول الخليجية، بحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية، تميل إلى تبني سياسات تهدف إلى الحفاظ على توازن القوى في المنطقة ومنع بروز قوة إقليمية مهيمنة. وقد أدى ظهور النظام الثوري في إيران إلى تعزيز هذا الإدراك، حيث رأت دول الخليج في الخطاب الثوري الإيراني عاملًا قد يسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

إقرأ على موقع 180  هل على المواطن أن يختار بين المقاومة والديموقراطية؟

نتيجة لذلك، تبنت دول الخليج استراتيجيات متعددة لتعزيز أمنها الإقليمي، شملت تطوير قدراتها الدفاعية وبناء شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة. وقد سمح هذا التوجه لهذه الدول بالحفاظ على مستوى مرتفع من الاستقرار النسبي في علاقاتها الدولية، وهو ما ساعدها في الوقت نفسه على تعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي.

ويبرز البعد الاقتصادي بوصفه أحد أهم أوجه الاختلاف بين النموذجين الإيراني والخليجي، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي. ففي حين سعت دول الخليج إلى توسيع اندماجها في الاقتصاد العالمي عبر الشراكات التجارية والاستثمارية، واجهت إيران منذ عقود نظامًا معقدًا من العقوبات الاقتصادية الدولية، وهو ما أثر بشكل واضح على قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية والانخراط الكامل في الأسواق العالمية.

وقد أدت هذه العقوبات إلى ضغوط اقتصادية داخلية في إيران انعكست على معدلات النمو والاستقرار الاقتصادي. كما ساهمت في تقييد قدرة الاقتصاد الإيراني على التوسع والاندماج في الاقتصاد الدولي مقارنة بالاقتصادات الخليجية التي تمكنت من تطوير مراكز مالية وتجارية ذات تأثير إقليمي ودولي.

أدى هذا التباين بين النموذجين إلى ظهور نمط من التنافس الإقليمي يقوم على أدوات مختلفة للقوة والنفوذ. فإيران تميل إلى الاعتماد بدرجة أكبر على أدوات النفوذ السياسي والأمني لتعزيز حضورها في المنطقة، بينما تعتمد دول الخليج بدرجة أكبر على القوة الاقتصادية والتنموية من جهة وشراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة من جهة ثانية، لأجل تعزيز مكانتها الإقليمية.

ويعكس هذا الاختلاف وجود تصورين مختلفين لمصادر القوة في النظام الدولي. ففي حين ترى إيران أن النفوذ يمكن تحقيقه من خلال التحالفات السياسية وشبكات النفوذ الإقليمي، تميل دول الخليج إلى الاعتقاد بأن التنمية الاقتصادية والاندماج في الاقتصاد العالمي والحماية الأميركية يوفرون أساسًا لاستقرار أكثر استدامة.

في الخلاصة، لا يقتصر التنافس بين إيران ودول الخليج على النفوذ السياسي أو الموارد الاقتصادية أو الحماية الخارجية فحسب، بل يعكس أيضًا صراعًا أوسع بين نموذجين مختلفين. فبينما تراهن إيران على الخطاب الثوري والهوية الأيديولوجية لتعزيز حضورها الإقليمي، تستند دول الخليج إلى نموذج يقوم على التنمية الاقتصادية والانخراط في النظام الدولي بكل أبعاده السياسية والعسكرية والأمنية. هذان النموذجان سيستمر التنافس بينهما في المرحلة المقبلة إلى أن تستقر صورة النظام الإقليمي الذي سيكون مدخلًا لارساء نظام دولي جديد.. وحتمًا ثمة أسئلة كثيرة ستكون مطروحة أمام إيران ودول الخليج في ضوء مآلات الحرب التي يشهدها الشرق الأوسط، وهي الأكبر والأوسع منذ أكثر من نصف قرن من الزمن.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  باكستان.. هل تبقى "دولة مواجهة" مع اسرائيل؟