لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
في ظل هدنة الأسبوعين التي أبرمتها باكستان بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يبرز سؤال جديد في أروقة التحليل الاستراتيجي: لماذا تتقدم باكستان اليوم كأبرز وسيط بين الطرفين؟ وهل يعكس ذلك تحولاً في خريطة الوساطات الإقليمية، أم أنه استجابة لظروف استثنائية فرضتها طبيعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران؟
ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة على الأرض، ولا بما تُظهره شاشات المعارك من تقدم أو تراجع. فبعض الحروب تكشف ما هو أعمق من ذلك بكثير: تُسقط صورًا راسخة، وتعيد ترتيب المعاني، وتفتح الباب أمام تحولات تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى بنية النظام الدولي نفسه.
الحرب العسكرية الدائرة اليوم في منطقة الخليج انتهت ولو لم يُعلن وقف النار رسمياً. انتهت بمعناها السياسي والاستراتيجي. العجز عن الحسم العسكري (لا إيران قادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل ولا يبدو حتى الآن أن الأخيرتين قادرتان على اسقاط النظام الإيراني وهزيمته) يُحيلنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التي ستتشكل بعد توقف المواجهة المباشرة.
في الحروب الكبرى، لا تكمن الخطورة في بدايتها بقدر ما تكمن في نهايتها. وعندما تدخل المواجهات طور الاستنزاف من دون أفق سياسي واضح، تتحوّل من أدوات ضغط إلى مسارات مفتوحة على المجهول. هذا ما يبدو أنه يحكم مسار العدوان الأميركي–"الإسرائيلي" على إيران، حيث تتقاطع رهانات الحسم السريع مع واقع ميداني معقّد، يفرض إيقاعًا مختلفًا ويعيد طرح سؤال: كيف تنتهي هذه الحرب؟
بعد أسابيع خمسة من الحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد لبنان، ما رُوّج له في الأيام الأولى كعملية عسكرية واسعة لإعادة رسم المشهد العسكري والأمني في الجبهة الشمالية، أخذ يتراجع تدريجيًا أمام واقع ميداني أكثر تعقيدًا. وبين خطط كمّاشة لم تكتمل، وتوغلات لم تُحسم، وخسائر فرضت إيقاعها، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه في الجنوب اللبناني أمام معادلة مختلفة: توغلات برية محدودة، وأهداف تتقلّص، وحرب مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها بسهولة.
بعد شهر من قتال المقاومين على الحافة الأمامية من الحدود مع لبنان، خرج بنيامين نتنياهو من جحره تحت سابع أرض، ليعلن من وراء ملجأٍ نقالٍ أنّه وجّه "بتوسيع المنطقة العازلة وتغيير جذري للوضع في الشمال"، كأن هذا التوسيع طوع بنانه، وكأن التغيير الجذري بمقدور جيشٍ أعلن رئيس أركانه إيال زامير أنه "على وشك الإنهيار"، أو كأن هذه المنطقة أرض سائبة أو مشاع مهجور، بعد خمسة أسابيع من الالتحام من مسافات صفرية.
لا تُقاس الحروب الحديثة بنتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل أيضًا بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الرواية السياسية والإعلامية التي تُفسّر مسارها ونتائجها. وفي هذا السياق، برزت محاولة واضحة لتقديم العمليات العسكرية باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا للتحالف الأميركي–الإسرائيلي في حربه التي دخلت أسبوعها السادس ضد إيران، برغم وجود مؤشرات ميدانية وسياسية معقدة تُظهر أن مسار الحرب ونتائجها لا يمكن حسمها بهذه السهولة.
في ظلّ الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وما تعكسه من انقسام داخلي حادّ، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل بنيوياً يتعلّق بالمجتمع نفسه. ومع اقتراب الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال مهدي عامل (الشهيد حسن حمدان)، في 18 أيار/مايو 1987، يستعيد مشروعه النقدي أهميته اليوم، لا بوصفه تفسيراً لمرحلة مضت، بل أداة لفهم كيفية اشتغال هذا الواقع واستمراره.
تختبىء السلطة في لبنان وراء نفسها. ليست خجولة أبداً. زحفت نحو التفاوض غير المشروط فلم يرُدَّ عليها أحد من الأميركيين الذين لبَّت كلَّ شروطهم، ولا من الإسرائيليين الذين يواصلون عدوانهم بالاتفاق مع واشنطن. وتتذرَّع السلطة بأنَّ الدبلوماسيَّة هي الحل، لكنَّها لا تقول ما هو الحلّ. وهذه ثغرة يستفيد منها العدوّ الإسرائيلي وحده. ولا تريد أن تعترف بأنَّ التخفّي وراء الأقنعة لم يكن مجدياً ولن يكون. ولا تملك الجرأة للقول أمام الرأي العام إنَّ الدبلوماسيَّة فشلت.