اتفاق الطائف Archives - 180Post

800-56.jpg

لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.

813.jpg

لم يأتِ التحوّل في بنية التمثيل السياسي السنّي في لبنان من فراغ، ولم يكن مجرّد نتاج كاريزما فرد أو ظرف عابر، بل جاء نتيجة مسار الدولة بعد اتفاق الطائف، ونتاج تزاوجٍ معقّد بين إعادة هندسة النظام السياسي وصعود المال السياسي بوصفه لغة الحكم الجديدة.

790-2.jpg

يتخيَّل إلينا، عندما نستمع اليوم إلى بعض الحديث الدّائر لا سيّما ضمن أوساط رسميّة (أو "سياديّة") لبنانية معيّنة، كما إلى أغلب خطابها السّياسيّ المتجلّي في المرحلة الرّاهنة بشكل خاصّ: يتخيّل إلينا، إلى حدّ كبير نسبيّاً، وربّما يكون ذلك مقصوداً.. وكأنّ مشروع "بناء الدّولة" في لبنان، يتمحور حول نقطةٍ واحدةٍ فقط عمليّاً أو ضمنيّاً، ألا وهي مسألة "حصر السّلاح" كما تُسمّيها الحكومة اللّبنانيّة الحاليّة، أو مسألة ما يُشار إليه أحياناً "باحتكار العنف".

801-5.jpg

بلغنا في لبنان أدنى دَرَكٍ. الحقيقة هنا جارفة وجارحة. أصبحنا نخشى الحديث عن الوَحدة الوطنية. كدنا نصل إلى شبهِ يقينٍ بأنها شبهُ مستحيلة. تلك هي الكارثة التي لا يعترف بها، ويعلن عنها إلَّا قليلون. وتلك هي التي يجب أن تكون محور حياتنا كي لا تتحوَّل إلى عبارة جوفاء، وقالبٍ لفظيٍّ مَيْتٍ، وشعار اِستلابيٍّ يُستدعى للاستهلاكِ في المناسبات والتصريحات. كلمات مُحنَّطة أمستْ تُستخدَمُ للتكاذُبِ الطائفي المتبادل، ولسدِّ فراغٍ سياسيٍّ وجوديٍّ وإنسانيّ.

800-13.jpg

في القاعة المكتظة داخل المجلس النيابي، لم يكن النقاش حول قانون العفو العام مجرد سجال قانوني تقني، بل بدا أقرب إلى مشهد مكثف عن لبنان نفسه. دولة تحاول أن تُعرّف العدالة، فيما تتنازعها جماعات تُعرّفها كلٌ على قياسها. ارتفعت الأصوات، تعطلت الجلسات، وتحوّل بند تشريعي إلى اختبار عميق، ليس فقط ما إذا كان لبنان قادراً على إصدار قانون، بل ما إذا كان قادراً على أن يكون دولة بالمعنى الحديث.

800-7.jpg

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول سلاحٍ أو تفاوضٍ أو حدودٍ فحسب، بل حول سؤالٍ أبعد وأخطر: أيّ دولة يريدها اللبنانيون، وأيّ دولة يمكن أن تُؤتمن على قرار الحرب والسلم؟ في لحظةٍ تختلط فيها نار الجنوب بانقسام الداخل، ويعلو فيها صوت التفاوض مقابل صوت المقاومة، تتكشف أزمة أعمق من كل العناوين المعلنة: أزمة ثقة بدولةٍ لم تُستكمل شروطها، وبنظامٍ لم يُطبّق عقده المؤسس إلا على نحوٍ انتقائي. من هنا، يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة، لا بوصفه نصًا يُستدعى عند الحاجة، بل بوصفه وعدًا مؤجّلًا لدولةٍ لم تولد بعد.

1-1.jpg

يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.

759.jpg

في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.

800-27.jpg

يُقدَّم النظام السياسي اللبناني، منذ نشأته، بوصفه تجربة فريدة في إدارة التعدّد والتنوع الطائفي، غير أنّ هذا الوصف، على جاذبيته النظرية، يخفي واقعاً أكثر تعقيداً؛ هذا النموذج فشل في إنتاج سلطة قابلة للمساءلة أو للتداول الفعلي للسلطة، بل استُخدم، في معظم المراحل التاريخية، وسيلة لإعادة إنتاج وتدوير النخب نفسها بأشكال مختلفة. هكذا بدا التغيير في لبنان مؤجَّلاً باستمرار، لا بسبب عجز المجتمع، بل بسبب وجود بنية طائفية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب نفسها من دون المس بجوهرها.