التصوف Archives - 180Post

750-16.jpg

لا يلمس زائر باكستان، أو "الأرض المباركة"، كما شاء مؤسسوها الأوائل أن تكون صفة لموصوف، أي أثر لنزاعات تأخذ طابعًا مذهبيًا، لا في العلاقات الاجتماعية ولا في الدورة الاقتصادية ولا في المؤسسة العسكرية التي تحتوي الدولة وتقدّم نفسها حامية لها، وبالطبع لا تلغي هذه الصورة العامة نتوءات دموية تحصل بين حين وآخر، إلا أنها لا تنقض ولا تفسخ البنية الوطنية الباكستانية التي اكتملت بعد مسار يقارب ثمانية عقود.

09090909090909090.jpeg

يشهد المشرق، اليوم، انهياراً في البنية التاريخية التي كانت تنظّم عيشه المشترك أكثر مما تنظّم عباداته. فالمشكلة لم تعد في اختلاف المذاهب بحدّ ذاته، بل في غياب «سعة التصوّر» التي شكّلت عبر القرون الإطار السياسي والفلسفي لإدارة هذا الاختلاف. ومع تراجع دمشق عن دورها كمركز لهذا الأفق الواسع، تتقدّم في المنطقة خطاباتٌ متشدّدة ومتقابلة لتجعل الدين أداة صراع على السلطة والهوية.

750-4-rotated.jpg

في الجزء السّابق، اقترحنا توسيع الزّوايا التّأمّليّة والتّفكّريّة التي يُمكن استخراجها من كتاب "العِلم والعَولمة: قراءة في الأزمة من منظور اقتصاديّ ومعرفيّ"، لكاتبه الدّكتور عبد الحليم فضل الله.. حتّى تشمل عدداً من الأسئلة الأساسيّة والكبرى على مستوى الانسانيّة والعقل الانسانيّ- والذّهن الانسانيّ- ككلّ. ولكي نُراعيَ المساحة المُتاحة لنا، ولكي نُراعيَ المقام كما يُقال، فسنركّز في هذا الجزء الثّاني على الأسئلة المرتبطة بعالم التّأمّل والتّفكّر في الوجود وفي طبيعته. يُمكننا بالطّبع الحديث عموماً عن العَالَم- أو البُعد- الأنطولوجيّ (Ontologique).

one-1.jpg

ليس ذا نبوءة مادّيّة-تاريخيّة ماركسيّة أو ما شابه ذلك أبداً، ولا هو منظّرٌ إلحاديّ، ولا حتّى علمانيّ متطرّف، ولا من تلامذة البروفسور خزعل الماجديّ ونظراء هؤلاء العلماء المعاصرين (على سبيل المثال لا الحصر بالطّبع). بل هو سالكٌ "صوفيٌّ" (Mystique) كما يُقدّم نفسه، مغربيُّ الأصل، وعربيُّ الثّقافة بشكل أساسيّ، واسلاميّ البُعد الحضاريّ إلى حدّ ما.

slider-6.jpg

في خضمّ الأزمة السّياسيّة والثّقافيّة والهويّاتيّة والاجتماعيّة (والانعزاليّة) الحاليّة.. قد يعتقد البعض أنّ بلداً كفرنسا، وأنّ ثقافةً كالثّقافة الفرنسيّة: لا يمكن أن يكونا قد حافظا على بُعدٍ روحيّ أو "روحانيّ" ذي عُمق أو ذي فعاليّة حقيقيّة في الواقع المُعاش بعد كلّ هذا التّاريخ الظّاهريّ أو المادّيّ أو اللّاييكيّ-العلمانيّ المُبين (إن صحّت هذه التّعابير كلّها وما يشبهها مقصداً، ضمن الاطار العامّ نفسه).

arabjpg.jpg

في الجزء السّابق، بدأنا بتناول بعض الجوانب العقلانيّة-المفاهيميّة في ما يخصّ ما سمّيناه بعالميّة "الرسّالة الإسلاميّة" من خلال عالميّة المعاني والحقائق التي أرادت وتريد أن تدلَّ علَيها. وقد رأينا أنّ "رسالةَ مُحمَّدٍ رسولِ الله" تُوافق الأغلبيّة العظمى من الأديان والمذاهب الرّوحيّة في ما يخصُّ المعاني والحقائق الكونيّة الجوهريّة الباطنيّة الكبرى، مع تشديدٍ على توحيدِ الذّات (Substance) الإلهيّة وتنزيهِها بلا شوائب (ذهنيّة ومفاهيميّة وعقائديّة بشكل خاصّ).

whirling-dervish-painting-sadia-butt.jpg

نُكمل في هذا الجزء حديثنا السّابق عن أنّ البُعد الصّوفي-العرفاني للدّين هو البُعد الأهمّ والأرقى، مركّزين فيما يلي، وبشكل خاص، على مسألة: السّعادة. فكما يشدّد فيلسوف الأديان والطّرق الرّوحيّة المعاصر، الكاتب الفرنسي فريديريك لونوار[1]، إنّ السّعادة الصّوفيّة هي أقرب إلى التذوّق منه إلى التفكّر (بل ذهب الشّيخ الأكبر ابن عربي، إلى أنّ التفكّر لا يعوّل عليه في مسائل كهذه، وكما رأينا في الجزء الأوّل).

photo_2022-10-25_18-12-18.jpg

إنّ الفكرة الأساسيّة لهذا المقال تقوم على نقاط ثلاثة رئيسيّة. الأولى، وهي أنّ البُعد الصّوفي-العِرفاني (بالفرنسيّة: La Dimension Mystique) - النّظري والعملي - للإسلام وللأديان والمدارس الرّوحيّة كلّها: كان ولم يزل البُعدَ الأهمّ والأرقى لهذه الأديان والمدارس (بما فيها الإسلام طبعاً)، والحجرَ الأساسَ لما تقدّمه للإنسان-الفرد وللبشريّة من أجوبة ومن طُرُق.

balla-800x450-1.jpg

فتحت "شطحات" أهل التصّوف في العصر الكلاسيكي الباب واسعاً من أجل معرفة "الخالق" وتفادي عنجهيّة الفكر الديني المتزمّت. لذلك يمكن أن نصف "شطحاتهم" بالأحلام التي يمكن أن تساعد في الهروب من الواقع إلى الكمال، لعلّ الكمال يصبح واقعاً.