ماذا عن العلاقة العقائديّة بين الباحث والوجود والنّص الإسلامي (3)؟
P

ما رأيناه حتّى الآن يمكن وضعه، في الأعم الأغلب، ضمن نقاش نظريّة المعرفة، أو نقاش الأبستيمولوجيا، وهي فرع من فروع الفلسفة الكبرى يهتمّ بالسؤال الأساسي الذي انطلق منه عمانوئيل كانط: "ماذا يمكنني أن أعرف؟".

كما فصّلنا في ما سبق (مقالتان أولى وثانية)، فبسبب طبيعة الثقافة الإسلامية، وبالتالي، بسبب طبيعة ما سمّيناه بـ”العقل الإسلامي التّأويلي الطّابع”، صار السؤال عندنا هو: “ماذا يمكنني أن أؤوّل؟”. ولا بدّ من وضع السؤال الأخير هذا، أيضاً، ضمن بحث الموقف الأبستيمولوجي فيما يخص دراستنا (وقد سبق وناقشنا هذه النّقطة). السؤال المعرفي المركزي بالنّسبة إلى العقل الإسلامي المذكور يصبح إذن: ماذا يمكنني أن أؤوّل؟ لأنّ بيني وبين الحقائق الأخيرة: نصّ، على اختلاف طبيعته ونوعه وشكله، وبالتالي، “معانٍ” عليّ أن أحاول انتزاعها منه.

إنّ جوهر طرح كانط حول نظريّة المعرفة يكمن برأينا في تأكيده على أنّ العقل (راجع تعريف الجزء السابق) لا يمكنه أن “يعرف” إلا ضمن حدود تفرضها طبيعته (لا سيّما القوالب والقواعد الفطريّة القَبليّة كما سبق). لذلك، فقد أخرج كانط من نطاق ما يمكن معرفته: “الأشياء في ذواتها” (وقد سمّاها بالنومينات، Noumènes[1])، وكما قلنا، فقد أخرج أيضا من هذا النّطاق “الأفكار المطلقة” (العزيزة على النظرة الأفلاطونية والدّيكارتية واللايبنيزيّة). وتراه يعبّر في نقد العقل الخالص بطريقة شاعريّة نادرة عنده، بعد عرضه وشرحه للمقولات والقواعد القَبليّة الكبرى:

“لم نقطع الآن فقط بلد الإدراك [أو الذهن] الخالص، مع تفحّصنا لكلّ جزء منه بعناية، ولكنّنا قمنا أيضا بقياسه، معطين داخله لكلّ شيء مكانه. ولكنّ هذا البلد جزيرة، مسجونة من الطبيعة نفسها ضمن حدود ثابتة. إنّه بلد الحقيقة (…)، المحاصر بمحيط واسع وهائج، هو [أي المحيط] دار المظهر [أو الوهم]، حيث أبسطة الضباب، وصروح الثلج على وشك الذوبان، توحي بالصورة الخدّاعة لبلاد جديدة (…).”[2]

إنّ بلد العقل الخالص – بلد العقل الذي يمكنه أن “يَعرف” – هو جزيرة، ضمن محيط من أوهام معرفة الأشياء في ذواتها ومعرفة الحقائق المطلقة. الإدراك (أو الذهن) الخالص، وهو ذاك الجزء من العقل الذي يمكنه أن يعرف من خلال التجربة الحسّيّة، حدوده مرسومة من الطبيعة نفسها. وادّعاء العقل الإنساني أنه قادر على المعرفة ما وراء ذلكم: هو وهم في وهم، وسراب في سراب. لقد قام عمانوئيل كانط بثورة حقيقيّة في عالم الفلسفة، عندما طرح وجود هذه الجزيرة الأبستيمولوجيّة. وقد قام بثورة لا تقلّ أهميّة عن الثورة الأولى عندما قال إنّ أقصى ما يمكن لهذا الإدراك (أو الذهن) الخالص أن يقوم به، هو بناء تصورات (أو مفاهيم) عن الأشياء. أي، حتّى ضمن الجزيرة المذكورة، لا يمكنك معرفة الحقيقة بشكل كامل، أي معرفة الأشياء في ذواتها كما قلنا: إنّك قادر، فقط، على بناء تصوّرات ذهنيّة وعقليّة عنها. إنّه عالم كانط في فلسفة المعرفة: لا تبحث عن الحقائق الميتافيزيقية الأخيرة والأفكار المطلقة من خلال عقلك، فهذا وهم. قد تكون معرفة تلك الحقائق وتلك الأفكار ممكنة، لكن بغير العقل الدّنيوي المحدود هذا: أي حسب كانط، ربّما في العالم الآخر، بعد الموت.

والعالم الجديد الذي نطرحه على المستوى المعرفي الإسلامي يشبه عالم كانط إلى حدّ بعيد. بل، لا أتردّد في اعتبار أنّه، ببساطة: عالم وتموضع أبستيمولوجي كانطي لكن مطبّق على الإسلاميّات. فما يمكن تأويله من خلال العقل – كما عرّفناه سابقا – هو، في حالتنا أيضا: جزيرة معرفيّة محاصرة بمحيط واسع وهائج، يتكوّن بشكل أساسي من معانٍ وحقائق أخيرة لا يمكن الوصول إليها من خلال هذا العقل (والحواس) وحده. وضمن هذه الجزيرة، أيضا، فإنّ أقصى ما يمكننا فعله هو بناء تخطيطات ذهنية وتصوّرات عقليّة عن المعاني التي نبحث عنها، وعن الحقائق التي تدلّ هذه المعاني عليها. ولكن: هل نتّفق مع الشيخ الأكبر للمدرسة النقديّة المتعالية، عمانوئيل كانط (ت. ١٨٠٤ م.)، على القول باستحالة الوصول إلى المعاني (خلف النصوص) والحقائق (وهي خلف المعاني بطبيعة الحال) مُطلقاً؟ هل نتّفق معه على القول باستحالة الوصول إلى معرفة الأشياء في ذواتها، وإلى إدراك الحقائق الماورائية، مطلقاً (مطلقاً، لكن في حدود هذه النشأة الدّنيويّة طبعا)؟

إنّ الهدف من هذا الجزء والذي يليه، هو تحديد التّموضعات المسمّاة ب”ما-قبل-المنهجيّة” قدر الإمكان، قبل الولوج في الأمور الميتودولوجيّة والتّقنية البحتة: أي تحديد التّموضعات الوجوديّة (الأنطولوجيّة) والأبستيمولوجيّة (المعرفيّة)، التي من دونها لا يمكن الحديث لا عن منج علمي، ولا عن طرح منهجي جديد بطبيعة الحال. وسنرى في هذا الجزء، وبوضوح أكبر ممّا سبق، كيف أنّ مقاربتنا تجعل من الممكن اعتماد تموضعينا المعرفي والمنهجي، غالباً، ولو اختُلف مع تموضعنا الوجوديّ.

نحن، في هذه الدنيا، في عالم الحجاب عمليّا. ولا يمكن بالتالي الوصول إلى هذه الحقائق إلا بعد إزالة الحُجب، ويكون ذلك من خلال تزكية النّفس والتأمّل، لا من خلال الجهد الذّهني والتفكّر

 السؤال الوجودي (أي الأنطولوجي) صعبٌ وشائكٌ ولكنّه ضروري

فلنبدأ إذن بنقاش هذا الأخير، ضمن حدود قدراتنا وحدود هذا البحث طبعاً. وهو نقاش قلّ ما وجدناه في الأدبيات الإسلاميّة المعاصرة، ضمن هكذا دراسات. ما هو موقفنا من الوجود والحقيقة، وبالأخص، ما هو موقفنا ممّا يسمّى بالواقع الخارجي (بما فيه النصوص موضوع الدراسة)؟ وبطبيعة الحال: ما هو موقفنا من الحقائق الميتافيزيقيّة التي يتحدّث عنها كانط، ومن الأفكار المُطلقة؟ يقول لنا هذا الأخير، مع التبسيط، إنّه لا يمكننا أن نحسم خيارنا فعليّا فيما يخص هذه الأسئلة كلّها من خلال ملكات عقلنا الإنساني فقط. وبالتالي، فهذه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بشكل نهائي، مع أنّه يعترف بوجود واقع خارجي (نعرفه لذاتنا لا في ذاته كما أشرنا)، مع عدم حسم موقفه فيما يخصّ العوالم الميتافيزيقيّة (قد تكون موجودة، لكن كيف أُثبت ذلك مع قصور ملكات عقلي، الكانطي التّعريف؟).

أمّا كاتب هذه السّطور، فلا يرى نفسه مُلزماً بالأخذ بكلّ ما يقوله كانط حول هذه القضيّة. فهو، من جهة، يؤمن بوجود عوالم ميتافيزيقيّة وغيبيّة؛ ومن جهة أخرى، يؤمن – على غرار كانط – بوجود واقع دنيوي خارجي، لكنّه بمثابة عالم بين مُجمل العوالم الظاهرة والباطنة. ولكنّه، أي كاتب هذه السّطور، يتّفق مع كانط أبستيمولوجيّا، أي تحديدا: في القول إنّ هذه الحقائق والعوالم (بما فيها الأشياء والمعاني في ذواتها) لا يمكن أن تُدرك من خلال العقل الإنساني (أي “العقل المفكّر” كما سمّيناه) والحواس وحدهما.

لكنّنا نؤمن، أيضا، بوجود عقل “فوق” العقل الذي يتكلّم عنه كانط: هو قريب من الحدس البيرغسوني (من هنري بيرغسون، الفيلسوف الفرنسي المتوفي سنة ١٩٤١ م.)، ولكنّه يتخطّاه إلى “الحدس الصّوفي” كما يعرّفه أهل التّصوّف والعرفان في الثقافة الإسلاميّة (اقرأ ما سيلي). على المستوى المعرفي، يختلف صاحب هذه السّطور مع كانط، إذن، بالأخص: (١) في قضية إيقاف المعرفة المعترف بها عند حدّ “العقل المفكّر”، مطلقاً؛ و(٢) في نفي أيّ إمكانيّة لمعرفة الأشياء في ذواتها أو في معرفة الحقائق الماورائيّة، مطلقاً أيضا.

لكن، حيث أنّ العلم – بالمعنى الحديث – يطلب منّا (حتى الآن) أن نستعمل العقل المفكّر حصرا، وأن نبقى ضمن إطار الموضوعيّة (أقلّه بالمعنى الذي اعتمدناه في هذه الدراسة)؛ وحيث أنّ عمليّة التأويل (تأويل النًصوص المكتوبة) قيد الدراسة، أيضا، تتطلب البقاء ضمن الموضوعيّة (لأنها تبتغي القبول من جميع الأفراد): لكلّ هذه الأسباب.. نرى أنّنا، عمليّا وحُكما، نتّفق مع كانط على المستوى المعرفي، ونتّفق مع الفرضيّات المعروضة في الجزء السابق. باختصار: انطلاقا من قرارنا اعتماد العقل المفكّر حصرا، دون الحدس الصّوفي والمكاشفات، لا بدّ من الاتفاق على المستوى الأبستيمولوجي (المعرفي) مع فرضيّاتنا المعروضة في الجزء السّابق. وهي نقطة شديدة الأهميّة للبرهان على الطابع العملي السّلس للمنهجيّة المقترحة.

الحدسُ الصّوفي في مقابل العقل الكانطي

لنتوقّف، في سبيل جعل هذه المباني أكثر واقعيّةً وعذوبة وسلاسة بالنسبة إلى القارئ، مع بعض من المقتطفات البليغة في هذا المجال. المقتطف الأول هو للشيخ “العارف” المذكور آنفاً، محي الدين ابن عربي الأندلسي (ت. ١٢٤٠ م.)، شيخ الصوفيّة الأكبر، وهو يتحدّث عن كيفيّة تلقّيه للمعارف والحقائق الوجوديّة (في كتاب مشاهد الأسرار القدسيّة ومطالع الأنوار الإلهيّة[3]):

“أشهدني الحقّ [أي أشهده الله سبحانه، مشاهدةً بغير وسائط اللغة والتفكّر(!)، بعضا من الحقائق] بمشهد نور الألوهيّة، وطلوع نجم (لا) [رموز لها علاقة بعقيدة ابن عربي]. فلم تسعها العبارة، وقصرت عنها الإشارة، وزال النعتُ والوصف، والاسمُ والرسم. وقال وقُلت. وائتِ، وأقبلْ، وأدبرْ، وقمْ، واقعدْ. وبدا لي كلّ شيء، ولم أر شيئا. ورأيت الأشياء، ولم أر رؤية [هنا إشارة إلى معنى نجم (لا)]. زال الخطاب وانعدمت الأسباب وذهب الحجاب، ولم يبقَ إلا البقاء (…).”

 نحن في هذه الدّنيا، حسب ابن عربي وأمثاله، قاصرون عن إدراك الحقائق الأخيرة للأشياء (المادّية والرّوحية) من خلال الحواس والعقل المفكّر وحدهما، بسبب الحجاب (مجدّدا: لاحظ بعض الاتفاق الأبستيمولوجي الضمني مع كانط!). إذ نحن، في هذه الدنيا، في عالم الحجاب عمليّا. ولا يمكن بالتالي الوصول إلى هذه الحقائق إلا بعد إزالة الحُجب، ويكون ذلك من خلال تزكية النّفس والتأمّل، لا من خلال الجهد الذّهني والتفكّر.

نرى بوضوح لا ريب فيه أنّنا أمام نظرة إلى المعرفة (وإلى الوجود طبعا) مختلفة جذريّا عن نظرة كانط (ما عدا: حول حدود الحواس والعقل). فابن عربي يتحدّث في كتاباته عن “مشاهدته” للحقائق من المصدر المباشر لها، وهو “الحقّ” (بمختلف مستويات تجلّياته في الوجود). فهناك، عند ابن عربي وأمثاله، “عقلٌ” ليس كالعقل الذي نتحدّث عنه في العلوم الحديثة، وإدراك ليس كالإدراك الذي يتحدّث عنه كانط. بل قد يصل هذا الأخير إلى اعتبار نصوص كهذه على أنّها وليدة خرافات وهذيان ميسطيقي (أي صوفي). لكنّ المقتطف التّالي لأبي حامد الغزالي (ت. ١١١١ م.) يتحدّث بوضوح أكبر عن هذا العقل الأعلى (أو الحدس الصّوفي)، والذي يوصل إلى معرفة طبعاً.. بل هي المعرفة الحقّ عند أهل التّصوّف والعرفان؛ يقول:

إقرأ على موقع 180  إيران.. لا بد من مأرب ولو طالت فيينا!  

“اعلم أنّ ميلَ أهل التّصوف إلى العلوم الإلهيّة دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم (…) بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصّفات المذمومة وقطع العلائق كلّها والإقبال بكنه الهمّة على الله تعالى (…) وإذا تولّى الله أمر القلب فاضت عليه الرّحمة وأشرق النّور في القلب [من هنا تسمية “التصوف الإشراقي”] وانشرح الصّدر وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرّة بلطف الرّحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهيّة (…)؛ فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النّور لا بالتّعلّم والدّراسة والكتابة للكتب بل بالزّهد في الدّنيا (…).”[4]

إنّنا بلا شكّ أمام طائفة من النّاس والحكماء تدّعي بأنّه يمكن الوصول إلى الحقائق الماورائية والرّوحيّة المطلقة من جهة، وإلى الأشياء (في عالم المظاهر الدّنيوي) في ذواتها (ليس فقط لذواتنا)، لكن من خلال عقل (وإدراك) ليس هو العقل الذي عرّفناه سابقا. وخصوصا: ليس هو العقل الكانطي بالتأكيد. نحن أمام طائفة تأخذ إذن: موقفا ً معيّنا من الوجود والواقع الخارجي والحقيقة (تحت تسمية “وحدة الوجود” في أغلب الأحيان)، وموقفا معيّنا من طريقة معرفة هذه الأخيرة. لكن، هل يختلف التّموضع الكانطي معها كلّيّا، إذا ما أخذنا العقل ضمن حدود التعريف السّابق (والذي سمّيناه بـ”العقل المفكّر” للتّبسيط”)؟ نكرّر اعتبارنا أنّ الموقف من الوجود والواقع الخارجي والحقيقة، لا يقف عائقا أمام طرحنا المعرفي (وبالتالي المنهجي)، طالما التزمنا – جميعنا – بحدود العقل الكانطي وملكاته. ولذلك شدّدنا على أنّ تقييم طرحنا العام يجب أن يحصل من زاوية فائدته ودقّته العمليّة والمنهجيّة. إنّها الفكرة المركزية لهذا الجزء من السلسلة.

نؤمن بوجود الواقع الخارجي الدّنيوي وبحقيقته – بمعزل عن رتبته في الوجود – وبوجود الحقائق (أو الوقائع والموجودات) الميتافيزيقيّة-الرّوحيّة، وبوجود الحقائق البرزخيّة بينهما أيضا (هو “عالم المثال” عند ابن عربي مثلا)؛ ولو أنّنا نؤمن بأنّ الوصول إليها جميعا “في ذواتها” (أي في حقيقتها الكاملة)، لا يمكن إلا من خلال الحدس-القلب الصّوفي

وفي الكشف والمكاشفة والمشاهدة للحقيقة، يقول صاحب موسوعة التصوّف الميسّرة (مادّة “الكشف”)[5]:

“عند الصّوفيّة أن يتمكّن المؤمن المتقرّب من بلوغ مرتبة يمنحه فيها الله تعالى معرفة بالحقيقة من طريق العلم اللّدني غير الكسبي (…).

أمّا الغزالي فقد قال في الكشف والمشاهدة: (ومن أول الطريقة تتبدّى المكاشفات والمشاهدات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثمّ يترقّى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النّطق).”

إنّه عالمٌ أنطولوجي (وجودي) وأبستيمولوجي (معرفي) مختلف جدّا – على الأقل في ما يظهر لنا – عن عالم عمانوئيل كانط السالف الذكر. وكما سبق وأشرنا، فإنّنا قد نتبنّى ثوابت هذه الطائفة من الحكماء عن الوجود والحقائق “بما هي هي”، وعن الإدراك الحقيقي والقلب والحدس والبصيرة (هي مرادفات عندهم)، ولكنّ تعريفنا للعقل في إطار موضوعنا، وهو موضوع بناء المفاهيم، لا يمنع من أن نتقبّل التموضع الكانطي المطروح على المستويين المعرفي والمنهجي.

نواة تموضع أنطولوجيّ مقترح 

في الخلاصة؛ ما هو موقفنا (أو تموضعنا) الأنطولوجي (أو الوجودي)، نحن كاتبو هذه السّطور، ومقدّمو هذا الطّرح المنهجي العام؟ لقد وصلنا تدريجيّا، في الفقرات السّابقة، إلى تكوين تصوّر تقريبي عن هذا التّموضع، ونحن لا نتحدّث عنه فقط لإعلانه أو لتحليله على المستوى الفلسفي البحت. وإنّما نعتبر أنّ أي منهجيّة علميّة لا بدّ من أن توضح الأبعاد الثلاثة الضروريّة لجهدها، وبدقّة ووضوح (قدر الإمكان طبعاً): التّموضع الأنطولوجي (الموقف من الوجود والحقيقة والواقع الخارجي)، التّموضع الأبستيمولوجي (الموقف من نظريّة المعرفة، راجع الأجزاء السّابقة)، التّموضع الميتودولوجي (الزاوية المنهجيّة المتّبعة وأدواتها ومراحلها الأساسيّة).

باختصار؛ إنّنا، على المستوى الشخصي، نؤمن بوجود وقائع مادّية ووقائع روحيّة (كلّها “حقيقيّة”، مع اعتبار الأولى مجرّد تجلّياتٍ ومظاهر للثّانية، أي أدنى منها في مرتبة الوجود؛ ولكنّها تبقى “حقيقيّة”) ضمن عوالم وأبعاد متعدّدة. منها العوالم الدّنيوية الظّاهرة لحواسّنا في هذه الدّنيا (عالم المُلك والنّاسوت في مصطلح مدرسة “وحدة الوجود” الصّوفيّة برئاسة محي الدّين ابن عربي). ومنها عوالم غير ظاهرة لحواسّنا الدّنيويّة (ومنها العوالم البرزخيّة والملكوتيّة المتعدّدة التي يتحدّث عنها أهل المدرسة نفسها، وصولا إلى العوالم الرّوحيّة الجبروتيّة واللاهوتيّة الأعلى[6]).

ولذلك، فنحن بالتّالي نؤمن بوجود الواقع الخارجي الدّنيوي وبحقيقته – بمعزل عن رتبته في الوجود – وبوجود الحقائق (أو الوقائع والموجودات) الميتافيزيقيّة-الرّوحيّة، وبوجود الحقائق البرزخيّة بينهما أيضا (هو “عالم المثال” عند ابن عربي مثلا)؛ ولو أنّنا نؤمن بأنّ الوصول إليها جميعا “في ذواتها” (أي في حقيقتها الكاملة)، لا يمكن إلا من خلال الحدس-القلب الصّوفي (أو “العقل الأعلى”) كما شرحنا في الفقرات السّابقة. أي أنّنا نؤمن بإمكانيّة الوصول إليها في ذواتها، لكن ليس من خلال الحدس الحسّي و/أو العقل الكانطي (أو “العقل المفكّر”).

بتعبير آخر؛ هذه الموجودات (أو الوقائع) المادّية والرّوحيّة موجودة وحقيقيّة، ولكنّها محجوبة عنّا في الأعم الأغلب. ونملك، كبشر، في هذه الدّنيا، طريقين للوصول إليها: (١) إمّا بشكل واضح وكامل (أو شبه كامل) ومباشر، لكن عبر المكاشفة والمشاهدة القلبيّتين (أي بما هو فوق العقل المفكّر)؛ أو (٢) بحدود عقلنا المفكّر، قدر الإمكان، وبما تبدو لنا، أو كما يقول كانط “لذواتنا وليس في ذواتها”.

وكذلك الأمر بطبيعة الحال بالنّسبة إلى المعاني الحقيقيّة خلف النّصوص التي هي موضوع التأويل والفَهم: فإمّا أن تحاول الوصول إليها، في حقيقتها الأخيرة، بالكشف والمشاهدة؛ أو تحاول الوصول إليها، بشكل غير كامل، من خلال الاكتفاء بالعقل المفكّر. وبما أنّنا، لأسباب سبق وفصّلناها، نلتزم بحدود هذا الأخير ضمن دراستنا، فالمعنى الذي سوف نصل إليه ضمن عمليّتنا التأويليّة لا يمكن أن يكون “المعنى في ذاته”، وإنّما “تصوّر ذاتي عن المعنى الموضوعيّ المُمكن”. وهذه الجملة الأخيرة تختصر لبّ نظريّتنا المنهجيّة العامّة المقترحة، وهي تشكّل بالنّسبة إلينا نواة ثورة معرفيّة محتملة ضمن التّفكير الإسلامي.

يبقى في الختام أن نشدّد على نقطتين:

النقطة الأولى أنّ وجود المعاني بيننا وبين الحقائق، سببه وجود النّص؛ ووجود النّص سببه الطّبيعة النّبويّة-الرّساليّة للدين الإسلامي. لذلك نقول إنّ البحث عن المعنى خلف النّصوص، في مقصده الأخير، هو بحث عن الحقائق التي خلف هذه المعاني. ولذلك أيضا، لا يمكن أن يكون بحث نظريّة المعرفة هنا بعيدا عن زاوية بحث كانط.

النّقطة الثّانية هي اعتقادنا بأنّ الموقف الأنطولوجي هو إيمانيّ بشكل أساسي، ولو استطعنا الدّفاع عنه فلسفيّا ومنطقيّا. حتى عند كانط: ما الذي يمكنه، لديه أو لدى غيره، إثبات حقيقيّة الأفكار الميتافيزيقيّة أو عدمها؟ وما الذي يمكنه إثبات وجود الأشياء في ذاتها من عدمه، لدى كانط أيضا؟ إذن، فالأمانة العلميّة تقضي بأن نعترف بأنّ التموضع الأنطولوجي فيه جانب إيمانيّ لا يمكن إلّا الاعتراف به، على الأقل بالنّسبة إلى زاوية الحواس والعقل المفكّر (أي بمعزل عن تجاربنا الكشفيّة الشّخصيّة المحتملة). وما يقرّبنا في النهاية من الحقيقة هو: أولاً، الأمانة في الاعتراف بما سبق عن الجانب الإيماني الشخصي؛ وثانياً، دقّة التموضعات والمنهجيّة والعمليّة البحثيّة ككل. (يتبع)

 المصادر والمراجع:

[1]  ديكنز، ٢٠١١، مصدر مذكور، ص. ٦٠-٦٢.

[2]  منقول ومترجم من قبلنا، عن ديكنز: مصدر سابق، ص. ٦٠-٦١؛ عن نقد العقل الخالص.

[3]  ابن عربي، محي الدين محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي، ٢٠٠٥، مشاهد الأسرار القدسيّة ومطالع الأنوار الإلهيّة، تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح، ط.١، بيروت: دار الكتب العلميّة، في “مفتتح” الطبعة المذكورة وص. ٨٤.

[4]  عن كتاب إحياء علوم الدّين للإمام الغزالي، ط. مصر ١٩٥٦، ج. ٣، ص. ١٦-١٧؛ منقول هنا عن: بن عامر، توفيق، ٢٠١٧، التصوف الإسلامي إلى القرن السّادس الهجري: رؤية نقديّة ونماذج منتخبة، ط.١، بيروت: كنز ناشرون، ص. ١٢٢.

[5]  السحمراني، أسعد، ٢٠١٥، موسوعة التصوّف (الميسّرة)، تأليف جماعة من المختصّين، ط.١، بيروت: دار النفائس، ص. ١٢٦.

[6]  لا لزوم هنا للدّخول في تفاصيل هذه العوالم والأبعاد الوجوديّة، ولكنّنا نحيل إلى دراسة نصر حامد أبو زيد حول ابن عربي والمذكورة أعلاه: أبو زيد، ١٩٨٣، مصدر مذكور.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

باحث، خبير مالي وإقتصادي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إيران.. لا بد من مأرب ولو طالت فيينا!