التّصوّف المسيحيّ الفرنسيّ لم يمت.. Jean Prieur نموذجاً (1)

في خضمّ الأزمة السّياسيّة والثّقافيّة والهويّاتيّة والاجتماعيّة (والانعزاليّة) الحاليّة.. قد يعتقد البعض أنّ بلداً كفرنسا، وأنّ ثقافةً كالثّقافة الفرنسيّة: لا يمكن أن يكونا قد حافظا على بُعدٍ روحيّ أو "روحانيّ" ذي عُمق أو ذي فعاليّة حقيقيّة في الواقع المُعاش بعد كلّ هذا التّاريخ الظّاهريّ أو المادّيّ أو اللّاييكيّ-العلمانيّ المُبين (إن صحّت هذه التّعابير كلّها وما يشبهها مقصداً، ضمن الاطار العامّ نفسه).

نحن هنا أمام وهمٍ بالتّأكيد في ما يخصّ واقع الشّعب الفرنسيّ المعاصر “على الأرض”.

فالبُعد الرّوحيّ لا يزال موجوداً ضمن حياة كثيرٍ من الفرنسيّين، بعيداً عن ضجيج السّياسة واضطرابات الهويّات والخوف والتّعصّب وما إلى ذلك. وقد عايشت ذلك على المستوى الشّخصيّ واقعاً: إنّما “أهلُ اللهِ” في فرنسا متواجدون.. وفي جميع أحياء باريس والمدن الكبرى تقريباً، كما وفي مناطق مُدنيّة وريفيّة واسعة.. أكثر بكثير ممّا يُمكن تخيّله من الخارج أو في ظاهر الأمور.

تبيّن تجربتي الخاصّة أنّ على المراقب والمتابع أن ينظرا جيّداً، وبالعينِ البَصيرة لا بمجرّد العينِ الباصرة. إنّ هؤلاء من “أهلِ الله” متواجدون بقوّة. وهم أحياء بكلّ ما للكلمة من معنى ونبض: يتفكّرون، ويتأمّلون، ويعشقون بلا شرط، ويسبّحون، ويذكرون في الغُدوّ والآصال.. حتّى تكاد تظنّ أنّ الرّوحيّين والرّوحانيّين هم أشدّ صفاءً وبصيرةً، وأرقّ قلباً، في الدّول ذات الهيمنة “المادّيّة” أو “الإلحاديّة” الظّاهرة!

وقد تحدّثتُ في السّابق من القَول والمَقال عن الفيلسوف الفرنسيّ الوجوديّ-الرّوحيّ الكبير: المفكّر، والكاتب المسرحيّ، والسّالك الصّوفيّ المسيحيّ غابرييل مارسيل (ت. ١٩٧٣ م). ومن يقترب من عالم مارسيل وعوالم أمثاله في فرنسا.. تتجلّى له بوضوح وجمال كبيرَين، وبصفاء قلّ نظيره، ما يُمكن تسميتها “بفرنسا العميقة” أو “بفرنسا الباطنيّة”.

نعم، أشهدُ أمامَك أيّها القارئ العزيز: أنّ فرنسا الباطنيّة لم تمُت يوماً، ولكنّ أكثر النّاس لا يشعرون!

أدعوك مثلاً إلى مشاهدة أي مقابلة مع غابرييل مارسيل حتّى تفهم ماذا يعني الكلام هذا تذوّقاً وحدساً[1]. ومن زاوية الثّقافة الإسلاميّة، من المرجّح أن تتذكّر فوراً، عند مشاهدة هؤلاء والاستماع إليهم، وعند قراءة أعمالهم.. من المرجّح أن تتذكّرَ آياتٍ بَيّناتٍ مُنزَلاتٍ هادِياتٍ مُرشِداتٍ منقِذاتٍ مُلهِماتٍ من الذِّكر (الإسلاميّ-العالميّ) الحكيم. ومن مثل ذلك، قولُه سبحانَه جلَّ من قائِل:

“رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙيَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار”. (النّور، ٣٧)

***

لم يكن بريور مسيحيّاً تقليديّاً، ولم يكن أصلاً “مُتديّناً” تقليديّاً، أبداً كغيره من أهل مدرسة التّصوّف والعرفان: لأنّه بالتّأكيد صاحب تصوّف يؤمن بنظريّة وحدة الوجود كما نعبّر عنها اليوم في اللّغة العربيّة. عندما تقرأ يوحنّا المُصلّي أو تسمعه: تكاد تشعر وكأنّك تقرأ أو تسمع أحد علماء الصّوفيّة المسلمين

نعم، في فرنسا، ظاهراً وباطناً، وفي بيوتٍ حجريّة ومعنويّة “أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكَرَ فِيها اسمُهُ”.. نساءٌ ورجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ ولا انتخاباتٌ ولا أحزابٌ ولا فلسفاتٌ مادّيّة ولا فلسفات ظاهريّة، ولا حتّى أغلب “رجال الدّين” الظّاهريّين.. لا يُلهونَهم جميعاً عن التّطلّع الدّائم إلى معرفة بواطن أنفسهم ومجاهدتِها وتزكيتِها: على قاعدة أن “من عرفَ نفسَه، فقد عرَف ربَّه”.

وقد يكون أهمّ نموذجٍ عن هذا الصّنف من “أهل الله” الفرنسيّين المعاصرين: تابع مارسيل وصديقه، الكاتب والفيلسوف الفرنسيّ، وأحد أعمدة “الفلسفة الرّوحانيّة” في فرنسا المعاصرة بلا شكّ.. أقصد بالطّبع السّالك المسيحيّ، والمتصوّف العالميّ، والتّرجمان الملكوتيّ: جان بريور أو “يوحنّا المُصلّي” كما أحبّ أن أسمّيه (ت. ٢٠١٦ م).

مدوّنة جان بريور الرّسميّة تحت ادارة بعض مريديه (عائلته تبرّأت منه حتّى قبيل وفاته على الأرجح – راجع ما يلي في مقالنا):

Jean Prieur (1914-2016) – Jean Prieur a étudié les doctrines ésotériques et les phénomènes paranormaux à la fois en tant qu’historien et philosophe. (over-blog.com)

***

من زاوية: لُغة فرنسيّة قلّ نظيرُها أسلوباً وبلاغةً. لم يشتهر الرّجل بعدُ – فرنسيّاً – كما ينبغي بسبب تبنّيه نظريّات الرّوحانيّين عموماً (Les spiritistes) بقيادة أحد شيوخهم الكبار: أبي البرزخ والأرواح، وطالب الصّباحِ قبل المصباح، آلان كارديك (ت. ١٨٦٩ م؛ شاهد فيلم Kardec على Netflix لتقريب الصّورة والمعنى). الانتماء إلى كارديك (أو نظيره السّويديّ العجيب سويدنبرغ المتوفّى سنة ١٧٧٢ م).. مسألة شائكة جدّاً في بلد “العقلانيّة” (الظّاهريّة) المتطرّفة. الدّولة الظّاهرة في فرنسا.. لا تُحبّ عوالم الأرواح والملكوت.. حتّى الآن. ولكنّ ذلك لا يُزعج أتباع كارديك العجيب والمُصليّ المُنيب، أبداً. فهم يُكملون تأمّلاتهم ومشاهداتهم وتواصلهم مع عوالم المَلَكوت والجَبَروت واللّاهوت بعيداً عن ضوضاء يعاقِبة (Jacobins) الثّورة الفرنسيّة المتطرّفين، وبعيداً عن أهل الظّاهر والمادّيّة أجمَعين.

من زاوية ثانية: طبعاً، مدرسة روحيّة قلَّ نظيرها، صدقاً وصفاءً وتعالياً واخلاصاً. مهنيّاً، كان جان بريور متخصّصاً في تعليم اللّغة والأدب الفرنسيَّين. وُلد عام ١٩١٤ في مدينة لِيل الشّماليّة، وهو ابنُ عائلة بروتستانتيّة. ومع ذلك، وقع خلافٌ كبيرٌ بينه وبين عائلَتِه (ومن ثمّ أولاده حسبما فهمت): بسبب تبنّيه لفرضيّة عالم الأرواح، أو عالم البرزخ باللّغة الإسلاميّة. وهي فرضيّة أقرب إلى الكاثوليكيّة حسب الفهم العامّ والطّاغي، ومع ذلك لم يأبه الرّجل بهذا الخلاف واستمرّ في الغوص في استكشاف المدرسة الرّوحانيّة كما سمّيناها آنفاً.. وفي التّقدّم ضمن عوالم التّصوّف والمَلَكوت.

إقرأ على موقع 180  من "العيون الخمس" إلى "أوكوس".. أميركا تقرر هوية "العدو"!

بقيَ بريور مسيحيّاً على ما نعرفه عنه، ولكن لم يكن “مسيحيّاً” كالآخَرين. فقد بدأت حياتُهُ الرّوحيّة بشكل خاصّ خلال رحلة سياحيّة يونانيّة حصلت في شبابه الأوّل كما يروي. وبينما كان يمشي في أرض الاغريق “سمعَ” صوتاً عظيماً ومُلحّاً وعميقاً وطاغياً يخرج من صدره.. أن: يا أيّها الفرنسيّ! “ليسَ مِن إلَهٍ إلّا الله”! وهي عبارةٌ تُذكّر بالعبارة التي سمعها محمّد بن عبد الله القُريشيّ من المصدر (Source) نفسه: “واعلمْ أنَّهُ: لا إلهَ إلّاْ الله!” (محمّد، ١٩).

ألحَّ الصّوتُ هذا على المُصلّي، وقلَبَ روحَه وجسدَه.. وحياتَه إلى حينِ وفاته (هل “مات” بريور فعليّاً؟ هذا بحثٌ خطير آخر، ستفهم خطورَته في ما سيلي).

فهمَ من حينها أنّه مكلّفٌ بشكل أو بآخر برسالة مُعيّنة، لازمت سَيرَه وسلوكَه وأبحاثَه وأعمالَه وخطابَه وحياتَه كلّها إلى حينِ “وفاته”: تذكير المسيحيّين، والغربيّين عموماً، بأهمّيّة التّركيز على عبادة “الآب” ضمن ثالوث الآب والابن وروح القُدُس. كما سبق وأشرنا: بقيَ بريور “مسيحيّاً”، ولكن لم يكن مسيحيّاً كالآخرين. فهو كان ناقداً للعقيدة السّائدة حول الثّالوث المُقدّس، دون أن يرفضها كلّيّاً. آمن بالثّالوث، لكن من خلال تصوّر خاصّ.

من السّمات الطّاغية ضمن مدرسته أيضاً: تفضيلُهُ لأبي المكاشفات، وأخي المشاهدات، ورسول اليوم الموعود (L’Apocalypse[2])، وموثِّق الشّاهد والمَشهود.. يوحنّا الإنجيليّ (صاحب إنجيل يوحنّا) على بقيّة تلامذة المسيح النّاصريّ، وخصوصاً، تفضيله له على بولس الرّسول. لم يكن Jean Prieur على اتّفاق تامّ مع مدرسة بولس عموماً: أعتقد أنّه حمّله، ضمنيّاً، مسألة تغطية “الابن” على “الآب” في العقيدة وفي العبادات المسيحيّة السّائدة إلى اليوم.. ولكن هذا بحثٌ آخر طبعاً.

لم يكن بريور مسيحيّاً تقليديّاً، ولم يكن أصلاً “مُتديّناً” تقليديّاً، أبداً كغيره من أهل مدرسة التّصوّف والعرفان: لأنّه بالتّأكيد صاحب تصوّف يؤمن بنظريّة وحدة الوجود كما نعبّر عنها اليوم في اللّغة العربيّة. عندما تقرأ يوحنّا المُصلّي أو تسمعه: تكاد تشعر وكأنّك تقرأ أو تسمع أحد علماء الصّوفيّة المسلمين.

لم يكن على علاقة حميمة تماماً مع أهمّ المدارس والدّيانات الآسيويّة الشّرقيّة، لكن لسبب أساسيّ آخر على الأرجح (بالإضافة إلى مسألة “الإله الشّخصيّ” ربّما): لم يعتقد بريور، من خلال مشاهداته أوّلاً، أنّ تقمّص الأرواح (Réincarnation) قاعدة عامّة. التّقمّص عنده هو استثناء: أمّا أغلب الأرواح فتُسافر في عوالم روحيّة غير مادّيّة حتّى يحين يومُها الموعود (وهو يوم فرديّ لا جماعيّ عنده، وهذا أيضاً بحث آخر). حيوات أخرى، طبعاً. لكن: ليس التّقمّص في العوالم المادّيّة كقاعدة. سنعود في ما يلي إلى البُعد “الرّوحانيّ” هذا في أعمال Jean Prieur، مع تحفّظنا الأكيد على استبعاد الأديان والمذاهب والمدارس الرّوحيّة الآسيويّة بسبب مسائل جزئيّة في الأعمّ الأغلب.

تصوّف Prieur مبنيٌّ طبعاً على ثنائيّة المعرفة (Connaissance) والمحبّة (Amour) الإلهيَّتَي المصدر والطّبيعة. رمز المحبّة الأكبر عنده، كما عند الكثيرين من العارفين المسيحيّين والعالميّين، هو بلا أدنى شكّ: المسيح يسوع النّاصريّ. ذابَ بريور في عشق يسوع.. كما ذاب هذا الأخير في حبّ “الآب”.. وحبّ الموجودات كلّها. وهل في الوجود أصلاً، في باطن الأمور وفي حقيقتها: غيرُ هذا “الآب”؟

“ما مِن إلهٍ غير الله”: عند بريور، كما عند ابن عربي، تُصبح.. “ما في الوجودِ إلّا الله”! أبداً: ما في الوجود غيرُه!

إنّ في ذلك، عند بريور وعند العارفين من أمثاله: سرّ الأسرار، ومفتاح الحرّيّة، وباب أبواب الأبديّة. وإنّ ادراك هذه الحقيقة، تذوّقاً قبل أن يكون ذلك تفكّراً: هو ادراك الفرح الأبديّ المُطلق الذي لا يزول.

تماماً كما يصفُ ذلك شعرُ أحمد الشّهاويّ، بغناء الفنّان بشّار زرقان:

عَنْ حَالِ (حَالي): أغْمَضْتُ (حَالي)

قُلْتُ: يا بَحْرُ! أيْنَ أنْتَ؟

عَنْ عَيْنِ (عَيْنِي) أغْمَضْتُ (عَيْنِي)

ومَا رآنِي: سِوَاكَ (أنْتَ)!

خُذْ شُفُوفي .. شَفَا رَحِيلي

ورُحْ بِرُوحِي:

مَا ثَمَّ شيءٌ

إِلاَّكَ (أنْتَ)!

(يتبع)

[1] من المقابلات التّليفزيونيّة النّادرة، التي بين أيدينا، مع الفيلسوف الوجوديّ الكبير (الجزء الأوّل):

https://www.youtube.com/watch?v=snNPlT8fx84

[2] ان صحّت النّسبة.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  هل انتخب الجزائريون رئيساً أم مسيّراً لـ"عهدة انتقالية"؟