الحرب الأهلية Archives - 180Post

1-1.jpg

يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.

787.jpg

في جنوب لبنان، لا تُقاس السياسة ببيانات الدولة ولا بخرائط الحدود، بل بقدرتها على التكيّف مع واقع يتجاوزها. هنا، يتداخل الاستثناء مع القاعدة، ويتحوّل السلاح من أداة مرحلية إلى جزء من بنية مستمرة، فيما تعجز الدولة عن حسم تعريف سيادتها. بين مقاومةٍ تنتج شرعيتها، ودولةٍ تسعى إلى استعادتها، يتكرّس نموذج لبناني فريد: استقرارٌ قائم على اختلال، وسيادةٌ تتقاسمها قوى متعددة.

800-24.jpg

لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.

135.jpg

في توقيت بالغ الحساسية، تبدو دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، مشروطة بوقف النار، وكأنها قفز فوق الوقائع لا قراءة لها؛ إذ كيف يُطرح خيار بهذا الحجم فيما المجتمع اللبناني نفسه يتآكل تحت وطأة انقسام يُلامس الخطوط الحمر.

800-14.jpg

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُدفع فيها لبنان إلى توقيع اتفاق قسري تحت ترهيب السلاح من إسرائيل؛ ففي عام (1982) احتلت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية بيروت. اهتزت المنطقة العربية تحت وطأة الصدمة. خرجت تظاهرات شعبية غاضبة من الأزهر الشريف، كأن مصر تستعيد ذاكرتها وإرث المقاومة فيها أثناء العدوان الثلاثي، وصرخة «جمال عبد الناصر» تدوي من فوق منبره: «سنقاتل ولن نستسلم أبدًا».

759.jpg

في لبنان، لا تأتي الحرب بوصفها حدثاً مفاجئاً، ولا يغادر السلام بوصفه حالة مكتملة. ما يعيشه اللبنانيون منذ نهاية الحرب الأهلية هو وضع رمادي طويل الأمد، لا يمكن تصنيفه بسهولة بين حدي الاستقرار والانفجار. فالدولة تبدو قائمة من حيث الشكل، لكن دعائمها الفعلية تبقى موضع شك دائم.

760-1.jpg

ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.

800-27.jpg

يُقدَّم النظام السياسي اللبناني، منذ نشأته، بوصفه تجربة فريدة في إدارة التعدّد والتنوع الطائفي، غير أنّ هذا الوصف، على جاذبيته النظرية، يخفي واقعاً أكثر تعقيداً؛ هذا النموذج فشل في إنتاج سلطة قابلة للمساءلة أو للتداول الفعلي للسلطة، بل استُخدم، في معظم المراحل التاريخية، وسيلة لإعادة إنتاج وتدوير النخب نفسها بأشكال مختلفة. هكذا بدا التغيير في لبنان مؤجَّلاً باستمرار، لا بسبب عجز المجتمع، بل بسبب وجود بنية طائفية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب نفسها من دون المس بجوهرها.

790.jpg

في لبنان، لم تكن الزعامة يومًا خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لملء ضعف الدولة أو انهيارها. فلقد ارتكز النظام السياسي اللبناني طويلًا على مفهوم "الزعامة" التقليدية التي قادتها عائلات ما كان يُعرف بـ"الأعيان"، قبل أن يُستبدل بها نمط جديد من الزعماء، غداة نيل لبنان استقلاله في أربعينيات القرن الماضي.