لبنان بعد الحرب: من سيقود معركة الدولة القوية والعادلة؟

في حياة الأمم لحظاتٌ نادرة يتوقف فيها الحاضر عن كونه امتداداً للماضي، ويتحول إلى مفترق طرق تاريخي تتزاحم عنده الأسئلة المؤجّلة والاحتمالات المفتوحة. وفي مثل هذه اللحظات لا تراجع المجتمعات سياساتها فقط، بل تعيد النظر في الأفكار والمعاني التي نظّمت وجودها المشترك ومنحته اتجاهه.

لا تكمن نتائج الحروب في ما تخلّفه من دمار فحسب، بل في قدرتها على زعزعة المسلّمات التي بدت يوماً عصيّة على الشك. فهي لا تهزُّ الجغرافيا وحدها، بل المعاني التي انتظمت حولها حياة المجتمعات، وتعيد فتح أسئلة ظُنّ طويلاً أنها حُسمت.

فالتاريخ لا يتحرّك فقط حين تتغير موازين القوى، بل حين تفقد المعاني القديمة قدرتَها على تفسير الواقع، وتصبح المجتمعات مضطرة للبحث عن لغة جديدة تفهم بها نفسها ومستقبلها.

ومن هذا المنظور تكتسب اللحظة اللبنانية الراهنة معناها الأعمق. فالحرب لم تفتح جبهة عسكرية فحسب، بل فتحت جبهة الأسئلة المؤجّلة. ذلك أن السؤال المطروح اليوم لم يعد متعلّقاً بحسابات الربح والخسارة أو بالتوازنات المقبلة، بل بصورة لبنان نفسه: أيّ لبنان سيخرج من هذه الحرب؟ وأي تصوّر للدولة والمصلحة الوطنية العليا والموقع في العالم سيملك القدرة على التحول إلى مرجعية للمرحلة المقبلة؟

فالحروب لا تمنح المجتمعات أجوبة جاهزة، لكنها تُجرّدها من كثيرٍ من أجوبتها القديمة. وعندما يحدث ذلك ينتقل الصراع من التنافس على السلطة إلى التنافس على تعريف المستقبل. عندها لا يعود السؤال: من يحكم لبنان؟ بل: أي فكرة ستنجح في تنظيم المجال الوطني حولها؟ وأي قوى ستتمكن من تحويل رؤيتها للبنان إلى أفق سياسي وتاريخي جامع؟

 لذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان بعد الحرب لا يكمن فقط في إعادة بناء ما تهدّم، بل في الإجابة عن السؤال الذي عاد ليطرق باب اللبنانيين بعد عقود من التأجيل: ما الفكرة المشتركة القادرة على تحويل التعدّد إلى مشروع، والتعايش إلى مصير، والدولة إلى أكثر من مجرّد إطار لإدارة التوازنات؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للبنان ما بعد الحرب. وهنا يبدأ الصراع الذي سيتجاوز حدود السياسة اليومية ليطال تعريف الوطن نفسه ومعنى وجوده والاتجاه الذي يريد أن يسير نحوه في العقود المقبلة.

***

لا تخلق الحروب المعاني الجديدة تلقائياً، لكنها كثيراً ما تُسقط صلاحية المعاني القديمة. فحين تتعرض المجتمعات لهزات كبرى، لا تُختبر موازين القوة وحدها، بل الأفكار والسرديات والتصورات التي بنت عليها فهمها للدولة والمصلحة الوطنية والمستقبل.

وعليه، لا تكمن أهمية الحروب في ما تغيّره من موازين القوى فقط، بل في ما تكشفه من حدود الأطر الفكرية والسياسية. فالأفكار لا تسقط لأنها تُهزم عسكرياً فحسب، بل لأنها تعجز عن تفسير الواقع. وعندما تتسع الفجوة بين الواقع والسرديات السائدة، تبدأ مرحلة المراجعة والبحث عن بدائل جديدة.

ومن هذه الزاوية نحاول فهم ما يمكن أن تفتحه الحرب في لبنان. فالمسألة لا تتعلق بإعادة ترتيب التوازنات السياسية فقط، بل بانكشاف مسلمات حكمت الحياة العامة لعقود، وبعودة الأسئلة المؤسّسة إلى الواجهة:

-ما الدولة التي يريدها اللبنانيون؟ وما المصلحة الوطنية القادرة على استيعاب انقساماتهم؟ وما الموقع الذي يريد لبنان أن يحتله في محيطه والعالم؟

وهنا تكمن أهمية الحرب عادةً بوصفها لحظة فتح للمجال التاريخي. فليست وظيفة الحرب مع إسرائيل أن تنتج المعنى الوطني الجديد، لكن الظروف التي أحاطت بها فتحت المجال للصراع عليه. ومن هذه النقطة يبدأ التنافس الحقيقي: ليس على إدارة الواقع القائم فقط، بل على تعريف معنى الدولة والمصلحة الوطنية والواقع الذي سيولد بعده.

***

إذا كانت الحروب تفتح المجال أمام احتمالات جديدة، فإنها تدفع القوى الحاكمة إلى الدفاع عن الواقع الذي منحها نفوذها وشرعيتها. ولهذا ستسعى الدولة والسلطة والقوى التقليدية بعد الحرب إلى تقديم نفسها بوصفها الضامن للاستقرار وإدارة إعادة الإعمار. غير أن قوة هذه البنى لا تكمن في ما تملكه من مؤسسات ونفوذ فقط، بل في قدرتها على استيعاب التحولات وإعادة توظيفها داخل منطقها الخاص. ولهذا كثيراً ما تتغير الخطابات فيما تبقى موازين القوة العميقة على حالها.

وفي المقابل، تفتح الحروب نافذة أمام أفكار ونخب وأصوات جديدة تسعى إلى إعادة التفكير في الدولة والمصلحة الوطنية والمستقبل. غير أن المشكلة لا تكمن في ظهور هذه القوى بقدر ما تكمن في قدرتها على التحول إلى مشروع. فسنوات الانهيار والحرب أفرزت بالفعل فئات جديدة من خارج الاصطفافات التقليدية. ولا تقتصر هذه الفئات على نخب سياسية جديدة، بل تشمل شرائح اجتماعية واسعة دفعتها تجارب الانهيار والحرب إلى البحث عن مشروع دولة يقوم على المصلحة العامة.

لكن التاريخ لا يتغير لمجرد بروز أصوات مختلفة، بل حين تنجح في بناء رؤية جامعة وتحويل فكرة الدولة والمصلحة الوطنية إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على المنافسة والفعل.

وعند هذه النقطة لا يعود الصراع الذي يفتحه لبنان بعد الحرب صراعاً بين قوى قديمة وأخرى جديدة فحسب، بل بين من يسعى إلى إعادة إنتاج الواقع القديم، ومن يسعى إلى تجاوزه نحو أفق وطني أفضل. وبين هذين الاتجاهين سيتحدد شكل لبنان الذي سيخرج من الحرب، وما إذا كانت هذه الحرب قد فتحت باب التحوّل فعلاً أم أعادت إنتاج ما سبقها بلغة جديدة.

غير أن امتلاك الخطاب وحده لا يصنع بديلاً. فقد تعثرت قوى رفعت شعارات التغيير والدولة القوية والعدالة بفعل التشرذم وتآكل اليقين التاريخي وعجزها عن بناء قاعدة اجتماعية تتجاوز الانقسامات التقليدية. وهو ما يكشف أن أزمة البدائل لم تكن في الأفكار وحدها، بل في عجزها عن التحول إلى قوة وطنية جامعة.

***

لا يجري الصراع على لبنان بعد الحرب داخل حدوده وحدها. فجزء كبير من أزماته تشكل عند نقطة التقاء الانقسامات الداخلية بالمصالح الإقليمية والدولية. فالخارج لم يكن يوماً صانعاً وحيداً للواقع اللبناني، لكنه لم يتوقف عن الاستثمار في واقع صنعته تناقضات الداخل.

فكلما غاب المشروع الوطني الجامع، ازدادت قدرة القوى الخارجية على التأثير في المجال اللبناني. وعندما تعجز الجماعات المحلية عن الاتفاق على معنى مشترك للدولة والمصلحة الوطنية، يصبح لبنان أكثر قابلية للتحول إلى ساحة تتقاطع فوقها حسابات الآخرين وتوازناتهم.

في هذا السياق تميل قوى إقليمية ودولية كثيرة إلى تفضيل الاستقرار القابل للإدارة على التغيير غير المضمون، فتجد في القوى القائمة شريكاً أكثر قابلية من البدائل الناشئة. ولهذا كثيراً ما يلتقي النفوذ الخارجي مع مصالح داخلية في تعزيز الواقع القائم وإعادة إنتاجه.

ومن هذا المنطق، فإن الصراع على لبنان بعد الحرب لن يكون صراعاً بين قوى داخلية متنافسة فقط، بل صراعاً على تعريف موقع لبنان نفسه: هل يبقى ساحة تُدار وفق توازنات الآخرين، أم يتحول إلى مشروع وطني قادر على تعريف مصالحه بنفسه؟ وبين هذين الاحتمالين سيتحدد جزء مهم من مستقبل المرحلة المقبلة؛ غير أن اتساع إمكانات التغيير لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيقه.

إقرأ على موقع 180  عبء الذاكرة والجار المتغيّر: قراءة في العلاقة اللبنانية–السورية

غير أن إدراك الأزمة لا يعني القدرة على تجاوزها. فقوة النظام القائم لا تكمن في نفوذه ومؤسساته فقط، بل في قدرته على إعادة إنتاج نفسه عبر شبكة متداخلة من الطائفية والزبائنية والمصالح والنفوذ، لا تكتفي بمقاومة التغيير بل تستوعبه وتعيد تدويره داخل منطقها الخاص، حتى إن كثيراً من محاولات التغيير انتهت إلى الاندماج في ما سعت إلى تغييره.

ومن هنا لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام أي مشروع وطني جديد في إنتاج خطاب مختلف، بل في بناء قوة مستقلة تمنع الواقع القائم من إعادة إنتاج نفسه كلما تعرض للاهتزاز.

***

لا تدخل الأفكار التاريخ لأنها أكثر إقناعاً من غيرها، بل لأنها تجد القوى القادرة على حملها. فالمجتمعات لا تتغير بمجرد اكتشاف أزماتها أو بظهور نخب جديدة، بل حين تلتقي الفكرة بالقوة الاجتماعية القادرة على تحويلها إلى مشروع عام.

بناءً على ذلك، لا تُختزل الكتلة التاريخية في تحالف عابر أو تجمع نخبي مؤقت، بل في التقاء قوى وفئات مختلفة حول تصور جديد للدولة والمصلحة الوطنية والمستقبل، بحيث يتحول التغيير من مجرد اعتراض على الواقع إلى بديل قادر على منافسته.

إلاَّ أن القوى الجديدة لن تصبح قوة تاريخية بخطابها وحده، بل بقدرتها على تحويل حاجات المجتمع المتراكمة إلى مشروع وطني جامع. ولهذا لا يتمثل التحدي الحقيقي في لبنان ما بعد الحرب في إنتاج مزيد من النقد، بل في بناء القوة القادرة على حمل هذا المشروع وتنظيم المجتمع حوله. فالبنى القائمة لا تتراجع لأنها فقدت شرعيتها فقط، بل عندما تظهر قوة تاريخية تمتلك رؤية أوسع وقدرة أكبر على الفعل، وعندها يبدأ الانتقال من أزمة تبحث عن تفسير إلى مستقبل يبحث عن شكل جديد.

ولعل من أكبر علل لبنان المزمنة ضعف قدرته على إنتاج نخب وطنية وثقافة سياسية جامعة. فمعركة تعريف المصلحة الوطنية العليا لا تُحسم بالأفكار وحدها، بل بوجود القوى القادرة على حملها وتحويلها إلى وعي عام ومشروع دولة.

ولا يُنتظر أن يأتي هذا المشروع من قوة منفردة أو جماعة بعينها، بل من التقاء نخب فكرية ومهنية وأكاديمية ومدنية مع فئات اجتماعية متضررة من الانهيار والحرب، حول تصور جديد للدولة والمصلحة العامة.

فالمشروعات الوطنية الكبرى لا تصنعها الطوائف ولا الاصطفافات المغلقة، بل القوى القادرة على تحويل المصالح المتفرقة إلى إرادة وطنية مشتركة.

ولا يعني ذلك إلغاء الاختلافات الفكرية أو السياسية بين اللبنانيين، بل البحث عن مساحة مشتركة تتقدم فيها المصلحة الوطنية العليا على الانقسامات العقائدية والحزبية. فهذه المصلحة لا تخص فريقاً دون آخر، ولا يمكن أن تُصاغ أو تُحتكر من جهة واحدة، بل تتطلب حواراً وطنياً واسعاً تشارك فيه مختلف القوى القادرة على الالتقاء حول الدولة والمصلحة العامة.

***

لا تُبنى الدولة القوية والعادلة إلا عندما تلتقي القوى اللبنانية، على اختلاف اتجاهاتها، حول تصور مشترك للمصلحة الوطنية العليا يجعلها مرجعية فوق الانقسامات والصراعات السياسية. فعندها لا يعود التنافس صراعاً على هوية الدولة ومصالحها الأساسية، بل تنافساً مشروعاً حول أفضل السبل لبنائها وتطويرها.

لكن نجاح أي مشروع وطني جديد يظل مرتبطاً بالسؤال الأعمق في التجربة اللبنانية نفسها: ما الفكرة التي تنتظم حولها الجماعة السياسية؟

فالأزمات التي تتكرر جيلاً بعد جيل لا تكشف فقط عجز النخب أو فشل السياسات، بل خللاً في المعنى الذي يمنح المجتمع غايته المشتركة. ومن هنا تبدو خصوصية المأزق اللبناني.

فالدولة نجحت في البقاء وإدارة الاختلاف، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في إنتاج الغاية الوطنية التي تجعل من هذا الاختلاف جزءاً من مشروع واحد. ولهذا ظل اللبنانيون يتوافقون على التعايش أكثر مما يتوافقون على الغاية التي تجمعهم.

***

إن المفارقة المؤسّسة في تاريخ لبنان الحديث هي أن الدولة سبقت الأمة أكثر مما ولدت منها. ولهذا بقيت المصلحة الوطنية موضع تنازع دائم، وبقيت الدولة إطاراً للتعايش أكثر منها تعبيراً عن مصير مشترك. وما دامت الغاية الجامعة غائبة، ستبقى التسويات مؤقتة والأزمات قابلة للعودة بأشكال جديدة.

وفي هذا المعنى، ليس تاريخ لبنان الحديث سوى عودة متكررة للسؤال نفسه. فمن 1958 إلى الحرب الأهلية، ومن الطائف إلى انتفاضة 2019، تبدلت الأزمات وبقي السؤال: ما الدولة التي يريدها اللبنانيون؟ وما المصلحة الوطنية التي تنتظم حولها اختلافاتهم؟

لكن تشخيص الأزمة لا يكفي. فالمعاني لا تصنع التاريخ ما لم تتحول إلى مشروع وطني قادر على توجيه الإرادة الجماعية نحو المستقبل. ولهذا فإن لبنان لا يحتاج بعد الحرب إلى تسوية جديدة بقدر ما يحتاج إلى أفق وطني يعيد تعريف الدولة بوصفها إطاراً للمصلحة المشتركة، ويحول التنوع إلى قوة داخل مشروع جامع.

فالخطر لا يكمن في الاختلاف، بل في غياب المعنى الذي يحوله إلى مشروع. فعندما تغيب الغاية المشتركة، تتحول الدولة إلى ساحة تنازع، وتصبح الانقسامات مدخلاً دائماً للأزمات.

ولهذا فإن معركة لبنان الحقيقية بعد الحرب ليست معركة سلطة، بل معركة إرادة وطنية. فإما أن ينجح اللبنانيون في تحويل التعايش إلى مشروع والدولة إلى غاية مشتركة، وإما أن يبقى البلد أسير الحلقة نفسها التي استنزفته لعقود طويلة.

وهنا تعود كل الأسئلة إلى نقطة واحدة:

بعد كل حرب ينشغل الناس بمن انتصر ومن خسر، أما التاريخ فيسأل: أي وطن سيخرج من هذه الحرب؟

إن مستقبل لبنان لن يتحدد بمن يملك القوة وحدها، بل بمن ينجح في بناء معنى وطني جامع، وتحويل المصلحة الوطنية العليا من فكرة متنازع عليها إلى مشروع دولة وإرادة مجتمع. فالأمم لا تتجاوز أزماتها لأنها تدركها، بل لأنها تنتج القوى القادرة على تجاوزها.

ومن هنا يبقى السؤال الذي سيتوقف عليه مصير لبنان لعقود قادمة: لماذا نعيش معاً؟

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ورقة الحكومة المستقبلية.. تكرّس خيارات ماضية (1)