باتت جزيرة غرينلاند، التي لطالما بدت هامشية في خرائط العالم، في قلب أحد أهم الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لماذا؟
باتت جزيرة غرينلاند، التي لطالما بدت هامشية في خرائط العالم، في قلب أحد أهم الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. لماذا؟
منذ العام 1945، بدا النظام الدولي كأنه سقفٌ زجاجيّ معلّق فوق رأس العالم: نراه ولا نلمسه. نختلف على نقاوته أو سماكته. صلابته أو مرونته. ومع ذلك، وعلى كثرة عِلاته وتواتر الملاحظات على عدالته وقدرته على الإنصاف وإحقاق العدالة، بقي الناس والدول يلوذون به. سقفٌ يقول: ثمّة حدود، ثمّة سيادة، ثمّة ميثاق، ثمّة قيدٌ على القوة ولو كان القيد صدئًا، ولو كان يُفتح للأقوياء ويُغلق بوجه الضعفاء.
في صباح بارد على شاشات وول ستريت، تبدو القصة كأنّها إعادة عرض لفيلم قديم، ضجيج سياسي، تهديدات جمركية، ثم تسوية في اللحظة الأخيرة. المتعاملون الذين عاصروا 2019 يتذكرون كيف قفز اسم غرينلاند إلى العناوين ثم تراجع إلى الهامش، وكيف تعاملت الأسواق مع الأمر كفقاعة كلامية أخرى في قاموس التفاوض الخشن. كثيرون، اليوم، يشعرون بالسيناريو ذاته، “مساومة تجارية” على طريقة دونالد ترامب، سقف مرتفع ثم هبوط منظم، وربما صورة تذكارية لصفقة ما.
أزمة جزيرة غرينلاند، وهي للمناسبة أكبر الجزر في العالم وتقع بين المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الأطلسي، غطّت على الأزمة التي انفجرت بالأمس «في البيت الأطلسي» بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والدول الأوروبية الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى.
في الطبعة الثانية من كتابه "قوة التفاوض" الصادر عن "دار هاشم" في بيروت (2026)، يُضيف وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى النسخة الأولى من الكتاب فصلاً جديداً يُفصّل فيه أحداث حرب الأيام الـ12 بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة ثانية في حزيران/يونيو 2025. وينشر موقع "180 بوست" أجزاء من هذا الفصل الجديد:
إضطر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التراجع خطوة إلى الوراء إزاء إيران. هكذا يستدل من التريث في تنفيذ عمل عسكري وعد به المتظاهرين المطالبين باسقاط النظام، ليترك مساحة للديبلوماسية أو لإجراءات عقابية أخرى، من دون أن يسحب خيار اللجوء إلى القوة من التداول.
ليس السؤال المطروح في العواصم الغربية اليوم ما إذا كان النظام الإيراني خطرًا، فهذه مسألة محسومة في الخطاب السياسي والإعلامي. السؤال الحقيقي، الذي يتمّ تجنّب قوله علنًا، هو: ماذا لو سقط هذا النظام؟
في فلسفة هيغل، لا يتقدّم التاريخ عبر التوافق الهادئ، بل عبر الصراع والتناقض. الوعي لا يُحقّق ذاته إلا من خلال مواجهة الآخر، ومن هنا تأتي جدليّة السيّد والعبد، حيث تنشأ الهيمنة بوصفها محاولة فرض الاعتراف بالقوّة. السيّد لا يُصبح سيّدًا لأنّه أخلاقي أو عادل، بل لأنّه امتلك الجرأة والاستعداد للمخاطرة وفرض نفسه. هذا المنطق يُنتج سيادة مؤقّتة، لأنَّ السيّد في النهاية يعتمد على العبد في الاعتراف والعمل معًا، بينما العبد يُطوّر وعيه عبر العمل والمعاناة.
خرجت فكرة “شراء غرينلاند” إلى العلن مثل حجرٍ بارد سقط في بحيرة المعايير، فانتشرت دوائره بسرعة داخل الخيال العام، ثم بدأت تكشف شيئًا أخطر من الحدث نفسه: تحوّل العالم إلى مساحة قابلة للتسعير، وتحول السياسة إلى لغة عروض، وتحول السيادة إلى بندٍ مرن في عقدٍ طويل.
في خريف عام 1977، وقف المستشار الألماني هيلموت شميت في قاعة معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، وألقى خطاباً هادئاً لكنه كان بمثابة زلزال جيوسياسي في أوساط النخبة الأوروبية. حذّر شميت من أنَّ "التوازن الاستراتيجي" الذي يحمي أوروبا يتآكل بصمت، وأنَّ الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الأوروبي لم يعد خياراً مضموناً. كان ذلك في زمن الحرب الباردة، حين كانت أوروبا تعيش في ظل صراع العمالقة بين واشنطن وموسكو، لكن شميت، بواقعيته الباردة، أدرك مبكراً أنَّ التحولات في الداخل الأميركي قد تترك القارة العجوز مكشوفة في لحظة حرجة.