ليس السؤال المطروح في العواصم الغربية اليوم ما إذا كان النظام الإيراني خطرًا، فهذه مسألة محسومة في الخطاب السياسي والإعلامي. السؤال الحقيقي، الذي يتمّ تجنّب قوله علنًا، هو: ماذا لو سقط هذا النظام؟
ليس السؤال المطروح في العواصم الغربية اليوم ما إذا كان النظام الإيراني خطرًا، فهذه مسألة محسومة في الخطاب السياسي والإعلامي. السؤال الحقيقي، الذي يتمّ تجنّب قوله علنًا، هو: ماذا لو سقط هذا النظام؟
في فلسفة هيغل، لا يتقدّم التاريخ عبر التوافق الهادئ، بل عبر الصراع والتناقض. الوعي لا يُحقّق ذاته إلا من خلال مواجهة الآخر، ومن هنا تأتي جدليّة السيّد والعبد، حيث تنشأ الهيمنة بوصفها محاولة فرض الاعتراف بالقوّة. السيّد لا يُصبح سيّدًا لأنّه أخلاقي أو عادل، بل لأنّه امتلك الجرأة والاستعداد للمخاطرة وفرض نفسه. هذا المنطق يُنتج سيادة مؤقّتة، لأنَّ السيّد في النهاية يعتمد على العبد في الاعتراف والعمل معًا، بينما العبد يُطوّر وعيه عبر العمل والمعاناة.
خرجت فكرة “شراء غرينلاند” إلى العلن مثل حجرٍ بارد سقط في بحيرة المعايير، فانتشرت دوائره بسرعة داخل الخيال العام، ثم بدأت تكشف شيئًا أخطر من الحدث نفسه: تحوّل العالم إلى مساحة قابلة للتسعير، وتحول السياسة إلى لغة عروض، وتحول السيادة إلى بندٍ مرن في عقدٍ طويل.
في خريف عام 1977، وقف المستشار الألماني هيلموت شميت في قاعة معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن، وألقى خطاباً هادئاً لكنه كان بمثابة زلزال جيوسياسي في أوساط النخبة الأوروبية. حذّر شميت من أنَّ "التوازن الاستراتيجي" الذي يحمي أوروبا يتآكل بصمت، وأنَّ الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الأوروبي لم يعد خياراً مضموناً. كان ذلك في زمن الحرب الباردة، حين كانت أوروبا تعيش في ظل صراع العمالقة بين واشنطن وموسكو، لكن شميت، بواقعيته الباردة، أدرك مبكراً أنَّ التحولات في الداخل الأميركي قد تترك القارة العجوز مكشوفة في لحظة حرجة.
«أمريكا تتخلى عن حلفائها… ولا تتورع عن خرق القانون الدولي». كان ذلك تصريحًا للرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، عبّر فيه عن خشيته من تبعات ما بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» على التحالف الغربي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في الأيام التي تلت اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير الجاري، هناك سؤالٌ محيّرٌ لا يحظى بإجابة شافية حتى الآن: لماذا اكتفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحييد رأس النظام فقط، وأبقى على النظام نفسه؟
لم يكن خطف أو اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثًا استثنائيًا أو انزلاقًا عابرًا في الخطاب السياسي الأميركي، بل استعادة صريحة لمنطق تاريخي حكم ويحكم علاقة واشنطن بأميركا اللاتينية منذ أكثر من قرن.
أبعد من فنزويلا. تلك هي المسألة. لا جديدَ في مناقشةِ بِنيةِ الرأسماليّةِ الإمبرياليَّةِ بنموذجِها الوحشيِّ الأميركيِّ الراهن. كلُّ الرأسماليَّاتِ متناظِرةٌ. كلَّما اِشتدَّتْ أزَماتُها تلجأ إلى أمريْنِ متلازميْنِ: الحربِ والنهبِ. تُرافِقُهُما أيديولوجيا الدعايةِ والكذِبِ المنظَّمِ. هذا ما أثبَتَتْهُ الأحداثُ منذ القرنِ الثامنَ عشَرَ على الأقلِّ كي لا نعودَ إلى الوراءِ كثيراً.
لا يُمكن قراءة الحدث الفنزويلي المتمثل باختطاف رئيس دولة من غرفة نومه مع زوجته واقتياده إلى أحد سجون نيويورك بوصفه حدثًا محليًا ولا يُمكن قراءة الحرب في أوكرانيا بوصفها حدثًا قائمًا بذاته، ولا حتى كصراع إقليمي بين روسيا والغرب. ما يجري، في جوهره، هو مرحلة ضمن عملية إعادة ترتيب شاملة لمسرح الصراع الدولي، حيث تُغلق جبهة لتُفتح أخرى، وتُخفّض كلفة الاشتباك في ساحة، تمهيدًا لنقل الثقل إلى ساحة أخطر وأكثر حساسية.
تأتي العملية العسكرية–الأمنية الأميركية المفاجئة، التي انتهت بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، بمثابة صدمة سياسية كبرى على الصعيد الدولي؛ لا على المستوى السياسي فحسب، بل أيضًا من حيث الخرق الفاضح والكلي للمبادئ والقواعد والقوانين الدولية، ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة الناظمة للعلاقات بين الدول.