عبد الرحيم التوراني Archives - 180Post

800-5.png

وأنا أخطو خارجاً من ردهات غرفة العمليات الجراحية، ممتلئاً برغبة عارمة في العودة إلى صخب الحياة الطبيعية، كان همّي الأول أن أمدّ حبال الطمأنينة إلى قلوب الأهل والأحبة والأصدقاء الأوفياء، وأن أزفّ إليهم خبر نجاح العملية، ولا سيما أن الخوف كان قد تملّكهم، بعد أن طالت غيبوبتي المستسلمة لتأثير التخدير أكثر مما كان متوقعاً. تحاملت على بقايا الخدر، فتحت هاتفي النقال، ومرّرت أصابعي المرتجفة فوق تطبيقاته. لم أكن أبحث عن الموت، بل كنت أقتفي أثر الحياة. لكن الصدمة كانت بانتظاري في أول السطر؛ إذ فاجأتني رسالة عبر «الواتساب» تحمل نعيًا صاعقًا يعلن رحيل الأستاذ عبد الله التغزري «المنصوري» (1942 ــ 2026).

800-32.jpg

يعيدني الفيسبوك اليوم إلى تدوينة نشرتها قبل تسع سنوات، وكأنها نبوءة كانت تنتظر لحظتها الراهنة لتنفجر في وجهي بكل ما فيها من رعب صامت. كتبت حينها: "زهايمر.. الأرصفةُ في قدمي أنساني المشي.. والطريقُ/ كل المسافات غيم.. والأفقُ حريق". أشعر اليوم أن هذه الكلمات ليست مجرد ذكرى عابرة أو مجازا شعريا، بل هي آهةٌ وجودية ما تزال عالقة في حنجرتي؛ حارّة كأنها نُزعت لتوّها من قلب الكارثة.

800.jpg

الكاتب المغربي عبد الرحيم التوراني، المتعدد في توجهاته وثقافته، يكتب عن بيروت وعن أجوائها، وعن أهم شوارعها (الحمراء).. لا في الانتقائية، ولا حتى في الخواطر والملحوظات، بل كنوع من الانتماء، بما يسوقه من واقع وإحساس رهيف، ولغة هي إلى سلاستها وتعابيرها تخترق الظواهر إلى عمقها، أو ما وراءها وأسرارها.

0da3ecb.jpg

لم أكن أتوقع على الإطلاق أني سأجدني يوماً ما أمام مثل هذا القدر من الابتلاء. لم أكن أتصور في أي وقت مضى من قبل، أنه سيُزج بي في اختبار وجودي صعب، وسيطرح عليّ إيجاد حل سريع لحسابات عصية، معادلة من الصعب الموازنة بين طرفيها، من قبيل حاصل المسافة ما بين الموت المؤكد والموت شبه المؤكد (*)؟

amigo.jpg

لما تقدّم العمر بالحاج مسعود بن حمَّاد السّْبَيْطي وكَبُر في السّن، ضعفت قدراته وأصابه الوهن والخرف، ولم يعد بإمكانه التعرف على أولاده وأحفاده. فجأة، أدركت العائلة أن ذاكرة الجد تتدهور وتسوء بشكل ملحوظ، صار وضعه مزعجاً أكثر، وبخاصة عند تكراره أسئلة وعبارات كان لا يتعب من رميها في وجه من يقترب منه: