فرنسا Archives - 180Post

800-2.jpg

يشهد نزاع الصحراء الغربية منعطفًا جيوسياسيًا بالغ الخطورة، وإعادة تشكيل جذرية لطبيعة النزاع ومساراته الإقليمية والدولية، وذلك في أعقاب عجز مجلس الأمن الدولي عن التوافق على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو». ومع إسدال الستار رسميًا على مهام هذه البعثة بنهاية تشرين/أكتوبر المنصرم، ودخولها الفعلي مرحلة التصفية الشاملة، تطوي المنطقة صفحة امتدت ثلاثة عقود ونصف العقد من الرقابة الدولية، لتدخل قسرًا في أتون مرحلة جديدة تتسم بالغموض الهيكلي والمواجهة السياسية والميدانية المباشرة بين الأطراف الفاعلة.

France_On_Fire.jpg

من متاريس الثورة الفرنسية عام 1789 إلى انتفاضة الطلاب والعمال في أيار/مايو 1968، وصولاً إلى حركة «السترات الصفراء» واحتجاجات التقاعد والموجات المتعاقبة من الغضب الاجتماعي، ظلّ الشارع الفرنسي حاضراً في صناعة التاريخ السياسي لبلاده. اختلفت الشعارات والقيادات والظروف والنتائج، لكن سؤالاً بقي يتكرر: لماذا تبدو فرنسا أكثر استعداداً من غيرها لتحويل الاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة؟

1000090538.jpg

ما الذي يدفع عشرات آلاف التلامذة والطلاب الفرنسيين إلى إغلاق ثانوياتهم، وتعطيل الدراسة في جامعاتهم، والنزول إلى الشوارع في عاصمة ومدن بلد لطالما تفاخر بأن التعليم فيه حقّ جمهوري لا امتياز طبقياً؟

261019-France.jpg

حين يرتفع صوت الشارع الأوروبي اليوم، لا نتحدث عن مجرد موجة احتجاج عابرة تذوب مع انتهاء عطلة الأسبوع، ولا عن غضب فئوي مطوّق بسياق محلي ضيق. فحين تتقاطع خطى الطلاب في باريس مع صرخات المعلمين في أثينا، وتلتحم مطالب عمال الخدمات بجيوش الطبقة الوسطى المنسحمة تدريجياً من معادلة الأمان، نحن أمام عَرَضٍ دراماتيكي لمرض أعمق: تصدع العقد الاجتماعي التقليدي الذي قامت عليه الدولة الديموقراطية في أوروبا الحديثة.

paris-bien-vale-una-misa-int.jpg

طرَفانِ في العالم تزداد سرعة سقوطهما: الأوروبيون والعرب. الرأسمالية الأوروبية دخلت في عمق مأزق بنيوي. والتخاذلية العربية تفاقمت، وباتت أسيرة جغرافيا ينسحِبُ منها التاريخ. كلتا المسألتين تسبقان تشكُّلَ النظام العالمي الجديد. وربَّما يكون هذان السقوطان جزءاً من التشكُّل الدولي المرتقب.

Standing_For_Education_-_Del_Rosso.jpg

ثمة مشهد يتكرر في فرنسا حتى يكاد يصبح جزءاً من صورتها في العالم: شارع تمتلئ جنباته بالمتظاهرين، وقطارات تتوقف عن العمل، وطلاب يغلقون أبواب مدارسهم، ومزارعون يقودون جراراتهم نحو العاصمة، وعمال يرفعون اللافتات ويقرعون الطبول. قد يبدو الأمر كأن الفرنسيين لا يفوّتون فرصة للاحتجاج على قرار حكومي أو أزمة اجتماعية أو حتى تصريح سياسي. لكن هذه الصورة، على ما تنطوي عليه من مبالغة، تطرح سؤالاً يستحق التأمل: كيف تحوّل الاحتجاج في فرنسا من وسيلة للمطالبة بالحقوق إلى ثقافة عامة لها لغتها ورموزها وطقوسها وموسيقاها وسخريتها، بل وجمالياتها الخاصة؟

Macrons-debakel.jpg

وصل إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة الفرنسية عام 2017 بوصفه سياسيًا ممثلًا لتيار وسطي يتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، حاملًا مشروعًا لتحديث الاقتصاد من موقعه رئيسًا للأغنياء، مستندًا إلى برنامج يقوم على تشجيع الاستثمار، وتعديل سوق العمل، وتحفيز النشاط الخاص، وإعادة بناء القوة الفرنسية داخل أوروبا وخارجها. وبعد نحو عقد من حكمه، تكشف الحصيلة اتساع الفجوة بين الوعود والنتائج، وتفاقم أزمات المعيشة والمالية العامة، وتراجع قدرة فرنسا على التأثير أوروبيًا ودوليًا.

90909090909090.jpg

كتبت قبل أيام، وبمناسبة زيارة البابا ليون الرابع عشر لفرنسا، مقالة سلّطتُ فيها الضوء على التباين بين مواقف اليمين الفرنسي، الكاثوليكي بصورة عامة، ومواقف الفاتيكان إزاء عدد من القضايا الاجتماعية، من مسألة اللاجئين إلى الهجرة، مروراً بـ«الجشع الرأسمالي». وعلى الضفة الأخرى، يلتقي اليسار الفرنسي، برغم ابتعاده التقليدي عن الدين وتمسكه بالعلمانية، مع الفاتيكان في عدد من هذه القضايا الاجتماعية.

europe__paolo_lombardi.jpg

لم تعد الحروب الدائرة حول أوروبا وفي جوارها مجرد أزمات جيوسياسية بعيدة عن المواطن الأوروبي. فالحرب الروسية ـ الأوكرانية، ثم الحرب في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة والطاقة، بدأتا تتحولان إلى عاملين مؤثرين في حياة الأوروبيين: من أسعار الوقود والكهرباء والغاز إلى التضخم والنقل والهجرة والصناعة والقدرة الشرائية.

leon-peace.jpg

في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.