بعد الصلاة، يخرج بعض الشبان، يفتحون هواتفهم، ويتلقّون خطابهم الديني من شاشات صغيرة، قادمة من خارج هذا الحي، وخارج هذا البلد، وأحياناً من خارج أوروبا نفسها. في هذا التباين بين المسجد والهاتف، بين التنظيم والمعنى، تتكثّف معضلة أوسع لا تتعلّق بالدين وحده، بل بقدرة الدولة الحديثة على إدارة هويات عابرة للحدود في زمن يتجاوز فيه التأثير الجغرافي منطق السيادة التقليدية.
ما يبدو نقاشاً أوروبياً داخلياً حول الاندماج أو الأمن الديني، يخفي في الواقع طبقة أعمق: امتداداً لصراع جيوبوليتيكي تشكّل في الشرق الأوسط، ثم أعاد تموضعه في الفضاء الأوروبي عبر الجاليات والمؤسسات الدينية، لا عبر الجيوش أو التحالفات العسكرية. فالدين هنا لا يعمل بوصفه عقيدة فقط، بل بوصفه وسيط نفوذ ناعماً، تُدار من خلاله أسئلة الشرعية والتمثيل والهوية.
أوروبا ساحة بديلة
يعود هذا الصراع بجذوره إلى ما بعد عام 2011، حين أعادت دول إقليمية رئيسية تعريف علاقتها بالدين، واختلفت بحدّة حول موقعه في السياسة والمجتمع. في بعض الحالات، جرى تحييد المجال الديني وإخضاعه لمنطق الدولة والاستقرار. وفي حالات أخرى، استمر الاستثمار في الدين بوصفه شبكة اجتماعية عابرة للحدود، وقناة تأثير سياسي غير مباشر. ومع تضييق ساحات هذا التنافس داخل الشرق الأوسط، لم يختفِ الصراع، بل انتقل إلى حيث تسمح القوانين، وتوجد الكتلة البشرية، وتحتاج الدولة إلى وسطاء.
هنا، تحوّلت أوروبا تدريجياً إلى ساحة بديلة. فهي توفّر فضاءً قانونياً يسمح بتأسيس الجمعيات، وإدارة الأوقاف، وتنظيم التعليم الديني، كما تضم ملايين المسلمين الذين باتوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي. في هذا السياق، لم تعد مسألة “الإسلام في أوروبا” شأناً داخلياً صرفاً، بل نقطة تقاطع بين سياسات الاندماج الأوروبية وصراعات النفوذ القادمة من الخارج.
ضمن هذا المشهد، برز تنافس غير معلن بين ثلاثة فاعلين إقليميين: الإمارات العربية المتحدة من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى. هذا التنافس لا يدور حول الاختلافات الفقهية أو العقائدية، بل حول من يملك حق تعريف “الإسلام المقبول” في سياق غير إسلامي، ومن يستطيع تقديم نفسه للشركاء الأوروبيين بوصفه الفاعل الأكثر قدرة على الضبط والاستقرار.
على صعيد المؤسسات، قامت الإمارات ببناء شبكة من المراكز الإسلامية في أوروبا تُعرف بالمساجد والجمعيات التي تتبع نهجاً مؤسسياً صارماً، مع تدريب الأئمة محلياً، وإشراف على محتوى الخطاب الديني. مثال على ذلك مبادرة مركز الشارقة الأوروبي للتعليم الإسلامي في لندن، الذي يركّز على تعليم اللغة العربية والفقه بطريقة تتوافق مع القانون المحلي، مع التأكيد على القيم المدنية والاستقرار الاجتماعي.
تركيا، من جهتها، تمتلك شبكات طويلة الأمد مثل (DITIB) في ألمانيا، والمؤسسات التعليمية التركية في هولندا وبلجيكا، التي تقدم برامج متكاملة لتعليم اللغة والدين مع الحفاظ على التواصل مع إسطنبول. هذه المؤسسات تجمع بين التدريب المحلي وإرسال خبراء من تركيا لإدارة البرامج، ما يخلق ازدواجية مرجعية: الإمام مقيم في أوروبا، لكنه محتفظ بعلاقته بالمؤسسات الأم.
أما قطر، فقد ركّزت على المنصات الإعلامية والجمعيات الثقافية والتعليمية، مثل المؤسسة القطرية للأوقاف الإسلامية في فرنسا وبلجيكا، التي تدعم المنح الدراسية للأطفال والشباب، وتمويل برامج تعليمية تعكس رؤية قطر الدينية والثقافية، مع التركيز على التوعية بحقوق الأقليات والتسامح.
الصراع على الإسلام الأوروبي!
يتبين لنا أنّ كل دولة تعكس استراتيجية مختلفة: الإمارات تبحث عن ضبط كامل عبر إطار مؤسسي صارم. تركيا توازن بين الهيكل المؤسسي والامتداد الاجتماعي. قطر تستثمر في الشبكات المجتمعية والتعليمية والإعلامية. بالنسبة للدول الأوروبية، لم يكن هذا التنافس خياراً سياسياً واعياً بقدر ما كان واقعاً موروثاً، فهي، من جهة، تسعى إلى ضبط المجال الديني باسم الأمن والاندماج، ومن جهة أخرى، مقيّدة بإطار قانوني يحمي حرية الدين ويحدّ من التمييز بين الأديان.
غير أن هذا التوازن، مهما بدا عقلانياً على الورق، يظل هشّاً. فهو يركّز على تنظيم البنية التحتية للدين—المسجد، الجمعية، مصادر التمويل—في وقت بات فيه إنتاج المعنى الديني يجري في فضاء آخر أقل قابلية للضبط. فالدولة تستطيع تنظيم المكان، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تنظيم الانتباه، حيث تلعب المنصات الرقمية دور الوسيط الأهم بين الفرد والدين.
في هذا الفضاء، تتآكل رهانات الجميع. النموذج المؤسسي، الذي يعوّل على الشرعية الرسمية، يبدو لكثير من الشباب بارداً وبعيداً عن تجربتهم اليومية. والنموذج الشبكي، الذي يستند إلى الامتداد الاجتماعي، يواجه بدوره منافسة من دعاة ومؤثرين لا ينتمون إلى أي مؤسسة أو دولة. هنا، لا تنتقل الصراعات الجيوبوليتيكية كما هي، بل تُعاد صياغتها في شكل محتوى سريع، وشخصيات عابرة، وخوارزميات تكافئ الإثارة والاختزال أكثر مما تكافئ الانضباط والاستمرارية.
ما يُغفل في كثير من النقاشات هو أن مستقبل الإسلام في أوروبا لا تحدده فقط سياسات الدول أو أموال الخارج، بل تحولات داخلية عميقة داخل الجاليات نفسها: أجيال جديدة تصوغ هوية لا تتطابق تماماً مع أوطان الآباء، تجارب يومية مع الاندماج والتمييز، وصراعات اجتماعية وثقافية تُنتج قراءات متباينة للدين ودوره العام. هذه العوامل، وإن بدت أقل حضوراً في النقاش السياسي، قد تكون أكثر حسماً على المدى الطويل.
في النهاية، لا يتكشف أمامنا صراع على “إسلام أوروبي” واحد، بل مسار طويل من إعادة التفاوض على العلاقة بين الدين والدولة في عالم تتراجع فيه قدرة الحدود على احتواء الأفكار. أوروبا، في هذا السياق، ليست مهندساً كاملاً للمشهد، ولا مجرد متلقٍ لصراعات الآخرين، بل مساحة اختبار لحدود الدولة الحديثة حين تحاول تحويل دين عابر للحدود إلى مرفق محلي قابل للإدارة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس من سينتصر في هذا التنافس الإقليمي، بل ما إذا كانت أي دولة—مهما بلغت أدواتها—قادرة على احتكار تعريف الدين في زمن تُنتَج فيه الشرعية خارج المؤسسات، وعلى الشاشات، وبسرعة تفوق سرعة التشريع نفسه.
