ولأنّ الاتفاق جاء في لحظة تتقدم فيها الوقائع الميدانية بسرعة، صار من الصعب فصل السياسة عن الجغرافيا. فمن جهة، ينص التفاهم على وقفٍ شامل لإطلاق النار ينهي الهجوم العسكري الذي بدأه الجيش السوري في وقت سابق من هذا الشهر. ومن جهة أخرى، يضع إطاراً لدمجٍ تدريجي وفردي لمقاتلي “قسد” ضمن الجيش السوري الجديد، بما يعني أنّ ما كان يُدار ككيانٍ مسلح شبه مستقل سيُعاد تفكيكه وإعادة تركيبه داخل مؤسسات الدولة، لا عبر حلّ فوري، بل عبر انتقالٍ مُدار.
ومع ذلك، فإن جوهر التحول لا يظهر فقط في بند “الدمج”، بل في صورته التنظيمية؛ تشكيل ثلاثة ألوية عسكرية من عناصر “قسد” تتبع لوزارة الدفاع، إضافةً إلى لواء خاص بمنطقة كوباني (عين العرب) يتبع عسكرياً لمحافظة حلب. هذه الصيغة تحمل رسالة مزدوجة؛ فهي تطمئن دمشق إلى وحدة القرار العسكري، وفي الوقت نفسه تمنح أبناء المناطق التي قاتلت تحت رايات مختلفة جسراً مؤسساتياً يخفف صدمة الانتقال من “قوة محلية” إلى “لواء في جيش مركزي”.
الاتفاق قيمته بتنفيذه واستمراريته
غير أنّ السلاح ليس وحده ما تغيّر. فالاتفاق يتضمن ترتيبات أمنية وإدارية تُلامس الحياة اليومية مباشرة، دخول قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وتسليم الدولة كل المؤسسات المدنية والحكومية، والمعابر والمنافذ الحدودية. وبالتوازي، يَعِد بدمج موظفي “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة مع تثبيت حقوقهم الوظيفية، في محاولة لتفادي السيناريو الذي تخشاه المدن عادة بعد التحولات الكبرى، انهيار الخدمات، وفراغ الإدارة، وعودة اقتصاد الحواجز.
ثم تأتي الفقرة الأثقل سياسياً في الاتفاق، “تسوية الحقوق المدنية والتربوية والثقافية للمجتمع الكردي”، مقرونةً بالتأكيد على إلغاء مفاعيل إحصاء عام 1962 في الحسكة، وهو بند يعني – إذا نُفذ – منح الجنسية السورية لعشرات الآلاف من الكرد الذين حُرموا منها لعقود. في بلدٍ جعلت الحربُ فيه وثيقة الهوية، أحياناً، فاصلاً بين الحق واللا – حق، يبدو هذا التعهد أقرب إلى محاولة إصلاح تاريخي متأخر، لا مجرد تنازل تفاوضي.
لكن اختبار الاتفاق لا يُقاس ببلاغة البنود، بل بمصداقية التنفيذ واستمراريته. وهنا يظهر الملف الذي يلاحق كل تسويةٍ أمنية، “الأسايش” والقوى الأمنية الكردية، ومدى سرعة دمجها الفعلي في جهاز الشرطة التابع لوزارة الداخلية. فالدمج العسكري – برغم تعقيده – يمكن تنظيمه عبر ألوية وأوامر، أما الدمج الأمني في المدن فيصطدم فوراً بأسئلة السيادة اليومية: من يُحقّق؟ من يعتقل؟ من يفتح طريقاً ويغلق آخر؟ ومن يملك الثقة في الشارع؟
وبحسب خريطة السيطرة الميدانية الجديدة التي تبلورت مع التطورات المتسارعة وتثبيت الاتفاق، فإنّ سوريا شهدت أكبر عملية إعادة توزيع للقوى منذ سنوات، ليس على شكل “تقدمٍ هنا وتراجعٍ هناك” فحسب، بل كتحولٍ في مراكز الثقل الاستراتيجية، من المدن إلى السدود، ومن المعابر إلى النفط.
أولاً؛ الرقة- عودة العاصمة السابقة لـ«داعش» إلى الدولة
في محافظة الرقة، انتقلت السيطرة بالكامل إلى الحكومة الانتقالية في دمشق. المدينة نفسها باتت تحت سيطرة قوات الأمن الداخلي والجيش السوري، فيما أُعلن عن سيطرة كاملة على ريف الرقة الغربي والشرقي، بما في ذلك المنصورة والجرنية. غير أنّ أهمية الرقة في هذه الخريطة لا تكمن في رمزيتها السياسية وحدها – بوصفها مدينة ارتبط اسمها في الذاكرة الدولية بمرحلة “داعش” – بل فيما حولها من منشآت لا تُدار بمنطق البلديات بل بمنطق الدولة، مطار الطبقة العسكري، وسد الفرات، وسد البعث (الحرية) تحت إدارة وزارة الدفاع والموارد المائية بدمشق.
وبذلك، يصبح “وقف إطلاق النار” في الرقة أقلّ شبهاً بهدنةٍ وأقرب إلى إعلان إدارة مركزية لمفاتيح المياه والطاقة والأمن في منطقة كانت تُدار، لسنوات، عبر ترتيبات مختلفة ومتعددة.
ثانياً؛ دير الزور- نهاية الانقسام الذي كان يرسمه الفرات
في دير الزور، تبدو الخلاصة أكثر مباشرة، انتهى الانقسام الذي كان يفرضه نهر الفرات، وأصبحت السيادة لدمشق شرقاً وغرباً. في الريف الشرقي (الجزيرة)، تسلم الجيش السوري والقوى الأمنية المدن والبلدات التي كانت بيد “قسد”، مثل الشحيل وذيبان والبصيرة وهجين. ثم تأتي الكلمة التي تلخّص كثيراً من السياسة السورية الحديثة: النفط.
أكبر حقول النفط السورية (حقل العمر وحقل التنك وكونيكو للغاز) باتت، وفق الخريطة الجديدة، تحت حماية الجيش السوري وإدارة وزارة النفط رسمياً. وهذه الخطوة لها قيمتها الاقتصادية؛ إذ لطالما شكّل النفط مورد نفوذ وتمويل وحضور، وهو ما يجعل انتقاله إلى إدارة مركزية أحد أكثر عناصر الاتفاق حساسيةً وقابليةً لإعادة تشكيل ميزان القوى بين المركز والأطراف، وبين الدولة وشبكات الاقتصاد المحلي.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الخريطة سيطرة كاملة على المعابر مع العراق في منطقة البوكمال والريف الشرقي. ومع أنّ المعابر تُقرأ عادة كأبواب للتجارة، فإنها في سوريا ما بعد الحرب تعني أيضاً “من يملك الحركة” و”من يملك الإيراد” و”من يملك مفاتيح الأمن”.
ثالثاً؛ الحسكة- المدينة تُفتح، لكن “الاستثناء” ما يزال قائماً
الحسكة هي المحافظة الوحيدة التي تحتفظ فيها “قسد” بوجود إداري محلي ضمن إطار الدولة، وفقاً للوضع المعلن. ففي مركزي الحسكة والقامشلي دخلت قوات وزارة الداخلية السورية إلى مراكز المدن، وجرى فتح المربعات الأمنية القديمة على المدينة، مع بدء دوريات مشتركة بين الشرطة السورية وعناصر من “الأسايش” الذين وافقوا على الدمج.
هذه الصورة – دوريات مشتركة بدل خطوط فصل – توحي بأنّ الاتفاق يحاول نقل التعايش من “توازن قوى” إلى “ترتيب دولة”، لكنه يفعل ذلك بحذر. فالريف الجنوبي والشمالي، بحسب الخريطة، بات تحت سيطرة الجيش السوري وقوات العشائر العربية في مناطق الشدادي ومركدة والهول وتل حميس، ما يضيف طبقةً أخرى من التعقيد، ليس فقط دمج قوة كردية في مؤسسات الدولة، بل أيضاً إدارة توازنات عشائرية عربية في محيط شديد الحساسية.
ثم هناك الحدود: معبر اليعربية (تل كوجر) مع العراق ومعبر سيمالكا باتا تحت إشراف حرس الحدود التابع لدمشق، مع الإشارة إلى صيغة “إدارة مشتركة” في سيمالكا بإشراف سيادي من دمشق. وهذه الصياغة- مشتركة لكن بسيادة- تلخص فلسفة الاتفاق في الحسكة؛ خصوصيةٌ إداريةٌ وثقافيةٌ ضمن الدولة المركزية، لا خارجها.
رابعاً؛ حلب- من منبج إلى الشيخ مقصود، إعادة ربط الشمال
في محافظة حلب، انتقلت منبج وعين العرب (كوباني) إلى إدارة الجيش السوري (ذُكر أنها تحت الفرقة الرابعة بحلب)، مع وجود لواء محلي من أبناء المنطقة المندمجين في الجيش. كذلك انسحبت “قسد” من حيي الشيخ مقصود والأشرفية لمصلحة مؤسسات الدولة والأمن الداخلي منذ منتصف الشهر، بينما أصبحت تل رفعت تحت سيطرة الجيش السوري بالكامل، ما أنهى خطوط تماس سابقة مع فصائل “درع الفرات”.
وعلى مستوى المعابر، تشير الخريطة إلى أنّ باب الهوى بات تحت أمرة الحكومة السورية الانتقالية مع “تنسيق محلي”، فيما أصبحت معابر ريف حلب الشمالي تحت إشراف الحكومة السورية عبر وزارة الدفاع. وبذلك، فإنّ حلب لا تظهر هنا بوصفها مدينةً كبرى فقط، بل كعقدة حدود وطرق ومعابر تربط الداخل بالخارج، وعندما تتغير هذه العقدة، تتغير معها شبكة النفوذ الاقتصادي والسياسي.
لماذا تُعد هذه الخريطة مفصلية؟
إذا كانت سوريا خلال سنوات الحرب عبارة عن خرائط متعددة الألوان والأعلام – مناطق نفوذ متجاورة، و”إدارات” تتقاسم السيادة مع المركز – فإنّ ما يحدث اليوم، وفق المعطيات المعلنة، هو ميلٌ واضح نحو خريطة “اللون الواحد”، علم الدولة السورية المعترف به يعود ليرفرف فوق الرقة ودير الزور ومعظم الحسكة وشمال حلب الشرقي، بينما تُترك في الحسكة جيوب إدارية تُدار بموجب “قانون الإدارة المحلية” السوري المطور، بما يمنح خصوصية ثقافية وإدارية ضمن الدولة المركزية.
وهذا التحول يحمل نتيجتين متلازمتين: الأولى؛ أنّ دمشق تستعيد موارد ومفاتيح سيادة كانت موزعة كالمعابر، النفط، السدود، والمطارات. والثانية؛ أنّ “قسد” تنتقل، عملياً، من نموذج قوة عسكرية-إدارية مستقلة إلى نموذج اندماج مؤسساتي بشروط تفاوضية، أهمها ملف الحقوق والجنسية والخصوصية الثقافية.
الترحيب الدولي وظلال التنفيذ
على المستوى الدولي، وُصف الاتفاق من قبل المبعوث الأمريكي توم براك بأنه “معلم تاريخي”، كما رحبت فرنسا بالخطوة واعتبرتها أساساً لاستقرار سوريا المستقبلي. إلا أنّ التجارب السورية القريبة تجعل الترحيب مجرد بداية، فالاتفاقات تُختبر في نقاط التفتيش قبل أنْ تُختبر في المؤتمرات، وفي سجلات الأحوال المدنية قبل أنْ تُختبر في البيانات الدبلوماسية.
ولهذا، تبرز أسئلة التنفيذ سريعاً: كيف سيتم تسليم المؤسسات والمعابر من دون فوضى أو ازدواجية؟ كيف ستُدار عائدات النفط والسدود ضمن منظومة دولة تعيد بناء نفسها؟ وما الإطار الزمني الحقيقي لدمج “الأسايش” في جهاز الشرطة، خصوصاً في مدن مثل القامشلي والحسكة حيث تراكمت حساسيات أمنية وسياسية لعقدٍ كامل؟
ثم هناك اختبارٌ أشدّ حساسية من كل ما سبق، العودة. فالضمانات المعلنة لعودة النازحين وتوفير الحماية لهم ستواجه، على الأرض، تحديات الملكيات، والخوف، والانتقام، وإعادة بناء الثقة بين مجتمعاتٍ تشظّت على وقع الحرب والسلطات المتعددة.
في النهاية، لا يبدو اتفاق 30 يناير/كانون الثاني 2026 مجرد هدنةٍ بين دمشق و”قسد”، بل محاولة لإغلاق فصلٍ طويل من “سوريا المناطق” وفتح فصلٍ جديد من “سوريا الدولة”، مع ترك نافذةٍ صغيرة للتعدد الإداري والثقافي داخل الإطار المركزي. غير أنّ نجاحه سيعتمد على التفاصيل التي لا تُرى في الخرائط وحدها: سرعة الدمج، عدالة توزيع الموارد، وضمان أنْ تتحول السيادة إلى قانون وخدمات وحقوق، لا إلى استبدال رايةٍ براية.. والأهم استمرار الحماية السياسية، الدولية والإقليمية، لمشروع بقاء سوريا دولة موحدة، وهذا يعني أن الإختبار الثاني والقريب سيكون في السويداء والجنوب السوري.
