ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.
ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.
لا أذكر يومًا، خلال سنوات النضج، كنت فيه عاشقًا لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي، ولا باحثًا عنها. وفي الوقت نفسه، لا أذكر أنني كنت، إذا فوجئت بواحدة منها، أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها، ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.
حذّر المبعوث الأميركي توم براك، بعد زيارته الثانية للبنان، من أن عدم تحرك لبنان بالاتجاه الذي يريده الاستعمار الغربي، "سيعيده إلى بلاد الشام من جديد". والملفت للانتباه كان رد فعل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي استنكر ما صدر من "تهديدات تمسّ بسيادة الدولة وتُشكّل خطرًا كبيرًا على اللبنانيين". موقف أثار موجة من الإنتقادات لحزب حامل لراية وحدة بلاد الشام.. والرافض لها في آن واحد.
في زمن الصورة، يُقاس الموت بالرصاصة أو الشظية وبالقابلية لأن تتجسّد كرمز. لا يموت الإنسان حقًا في عصر الإعلام، بل يُمحى إذا لم يُلتقط في اللحظة المناسبة، إذا لم تُنتج مأساته دلالة قابلة للتدوير. ثمة طفلة تُحرَق في غزة، لكنها لا تُصبح أيقونة. ثمة أمّ تُسلّم جثامين أطفالها التسعة في مستشفى تحت القصف، لكن الإعلام لا يراها. لماذا؟ لأن الكاميرا لا تكتفي بتوثيق الحدث إنما تُقرّر معناه.
لا تُعدُّ الشعبوية في القرن الحادي والعشرين انحرافًا طارئًا في مسار السياسة الديموقراطية، بل تحوّلًا عميقًا في مفهوم القيادة، ووظيفة الخطاب، وتمثيل الهوية الجماعية. لقد تراجعت أهمية البرنامج السياسي المتماسك، لمصلحة قدرة الزعيم على التعبير الفوري عن الغضب العام، وكأن العاطفة أصبحت العملة الوحيدة المتداولة في السوق الانتخابية.
عندما ينفصل الوعي عن التاريخ وتبتعد الذات عن إدراك الواقع لدى الجماعات التي أسّست ايديولوجيتها على المظلومية، وبنت كيانها السياسي على فرضية أنها موضع الحرمان والتهميش، وأقصت نفسها عن الاندماج فيمن حولها، ولم يعد لها نصير إلا نفسها، وتعزل نفسها عن محيطها بادعاء التفوق الأخلاقي، وتدعي النصر حقيقةً أو وهماً، فإن أمارة أخرى غير المظلومية تصير جوهر وجودها، ويصير التاريخ عدواً لها، والبشرية مُنكرةً من قبلها.
كم كان كارل ماركس خيالياً. قال: لا بد من إضفاء الأخلاقية على الاقتصاد لقمع الاستلاب والاستغلال. لا بد من ابتكار نظام اقتصادي من واجبه أن يجعل البشر متساوين. تبدو الماركسية في هذا المدى الجارح والمهين، يوتوبيا، لم يحلم بها الزهّاد والقديسون.