من الهرج إلى الورطة.. ماذا يحدث في أميركا ترامب؟

لا أذكر يومًا، خلال سنوات النضج، كنت فيه عاشقًا لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي، ولا باحثًا عنها. وفي الوقت نفسه، لا أذكر أنني كنت، إذا فوجئت بواحدة منها، أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها، ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.

عشنا خلال هذا الأسبوع أيامًا لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب. لا جديد في هذه المقولة، فنحن نعيش منذ شهور لا تغيب عنا للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأميركي، وإن غاب أيٌّ منهما لسبب أو لآخر، لاحقتنا، من قرب أو بعد، أخبار تنقلاته، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية، وخصوصًا ما تعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصبّ عليها أو عليه جام غضبه وأسوأ ما في مستودع الصفات المهينة، ولا مانع لديه من أن ينتهز الفرصة ليمارس الكراهية ضد أصحاب الصحف والقنوات التلفزيونية التي يعمل أو تعمل بها الصحفي أو الصحفية محل سخطه وغضبه.

***

لا جدال، أننا كنا، خلال الأسابيع الأخيرة، نعيش في أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله “الحرب الدائمة” أسلوب عمل وعنوانًا للولاية الثانية له في حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم في النظام الدولي. غير خافٍ ولا يغيب عن فكر السياسة أنه إذا قرّرت الدولة الأعظم في العالم، أو في نظام إقليمي، انتهاج هذا الأسلوب، فستكون أول النتائج الارتباك الشديد في السياسة الدولية أو الإقليمية، والزيادة الملموسة في الميل بالسلوك الاجتماعي والسياسي نحو العنف، والبحث العاجل عن تحالفات مناسبة وفضّ تحالفات غير مناسبة، والزيادة المفضوحة في إجراءات القمع الداخلي والدولي والإقليمي. راسخ في ظني أن أحوال العالم وأحوال الشرق الأوسط الراهنة شاهدة على عواقب اتخاذ كلٍّ من أميركا وإسرائيل الحربَ الدائمة أسلوبًا في إدارة العالم والإقليم، كلٌّ في مجاله وكلاهما معًا في المجال المشترك.

لست مبالغًا في القول إن الأيام الأخيرة شهدت غضبًا أشد، في مواقع أكثر، من العادي والمألوف. كان الإعلام الأميركي الموقعَ الممارِس للغضب أكثر من العادي والمألوف، وكان القطاع الممارس للسخرية السياسية في هذا الإعلام الأكثر وقعًا وشعبية بين كل قطاعاته، وكان تركيز الهجوم فيه على شخص رئيس الدولة الهجومَ الأشد تجريحًا والأعمق أثرًا وانتشارًا على مختلف المستويات. تذكّرت الانتقادات ضد الرؤساء جونسون وبوش وكلينتون وأوباما وبايدن، وكلهم أشعلوا حروبًا أو ورثوها ولم يوقفوها، باستثناء بايدن، الذي انسحب بشكل فضيحة عظمى، فاستحق غضبًا شديدًا، لعله الغضب الذي أحبط مساعي الديموقراطيين لجعل كاميلا هاريس تفوز في انتخابات الرئاسة ضد ترامب. كان الغضب ضد ترامب، خلال الشهور التي أعقبت تولّيه منصب الرئاسة في المرة الثانية، أعنف ومن نوع مختلف.

***

لا يمكن إنكار أن الأيديولوجيا التي تميز مواقف الحزبين الجمهوري والديموقراطي من قضايا بعينها لعبت دورًا في تأليف وصياغة مواقف الانتقاد المتبادلة بين الحزبين، إلا أنه في حالة الرئيس ترامب لم يكن للأيديولوجيا الدور الحاسم، خلافًا لرأي الرئيس الذي يُردّده في كل مكان. الرئيس يعطي الأيديولوجيا دورًا مهمًا في خلافه مع المعارضة، على عكس الواقع، وهو أن الرئيس قادم للحكم، ومستمر فيه، على أساس قناعة لديه بأن حروبًا عديدة يجب أن يشنّها ليبقى في الحكم ويترك أثرًا لا تمحوه الوثائق التاريخية التي قد يسطرها رؤساء قادمون من بعده.

لم ينتبه الرئيس ترامب إلى أن التوسع في الاعتداءات المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران، أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل غرينلاند، أو التوسع في الإيحاءات والدعاوى التاريخية والنواحي الجغرافية، مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كولاية إضافية، جميعها، وبخاصة الحرب ضد إيران استجابة لجزء ضمن خطة إسرائيلية أوسع لإقامة ظروف تسمح بإنشاء “إسرائيل الكبرى” في أقرب وقت، وبتكلفة ليست قادرة على تدبيرها منفردة—أقول، لم ينتبه الرئيس ترامب إلى حقيقة أن حال الانحدار التي تمر فيها الولايات المتحدة منذ عقود أفرزت تداعيات تصب جميعها في ميل شعبي أميركي رافض للحرب، ورافض لسياسة دعم إسرائيل بلا حدود أو تردد.

الخلاف هنا لم يتخذ الشكل الأيديولوجي الذي يدعيه ترامب. الخلاف لم يكن ولن يكون بين نخب حاكمة، لكل منها عقيدة سياسية تبشر بها وتدافع عنها. تابعت عن قرب تعليقات ومواقف الكوميديين الساخرين، وهي بالفعل حادة، لكنها معبّرة بحق عمّا يدور في ذهن رجل الشارع المتأثر بقيود اقتصادية تفرضها استعدادات وتأثيرات الحروب الخارجية والمعونات لدولة إسرائيل. تابعت أيضًا تعليقات ومحاضرات وكتابات بعض كبار الاقتصاديين وعلماء السياسة الدولية، وراقبت التحول المتدرج، ولكن الواثق، في اتجاهات دوريات وتقارير مراكز البحوث الأشهر في الولايات المتحدة. أعترف أنني، لفرط حماستي وكثافة متابعتي للحوار الثري الدائر في الولايات المتحدة داخل أهم دوائر التفكير السياسي والاقتصادي، كدت أعرض على أكثر من موقع المشاركة في هذا الحوار، مقدّرًا منذ البداية أن الأمر خطير، ليس فقط بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة، ولكن أيضًا لمستقبل بلدي وبيتي وأولادي وأحفادي.

إقرأ على موقع 180  "شجرة الفستق" لمصطفى اللبّاد.. إيران والعرب في قرن

***

جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأميركي بممثلي الصحافة الأميركية، في حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها. جلست أمام الشاشة متأهبًا، مثل أصدقاء أعرفهم. أرى أمامي القاعة، وقد جلس ترامب وزوجته ونائب الرئيس جي. دي. فانس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعة من علٍ، وفي ظني أن الرئيس جاء مسلحًا بخطاب يحمل عديد الإهانات المعتادة لخصومه الصحافيين، وهم كثر في القاعة وخارجها، وبعضهم مسلح هو الآخر بخطابات تركز على الحرص على حرية التعبير والإعراب عن كونها مهددة. توقعت، ولكن بتردد، ليلة ساخنة. أما التردد فمبعثه ارتباك تسرب إليّ من قاعة المؤتمر عبر الشاشة.

رأيتُ وتابعتُ الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع. لفت نظري سرعة دخول الجنود المسلحين إلى القاعة، وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادي مثل هذه المؤتمرات. لفت نظري أيضًا أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان في عرض تدريبي مدروس ومألوف، وليس كحال وجود عناصر إرهابية تُهدّد حيوات أعضاء الجهاز الحاكم. رأيتُ رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد، يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدي نحو الموقع الذي جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبوابًا أخرى تؤدي إلى جهات ربما أقل خطورة.

لاحظتُ الارتباك، ولم أجد تفسيرًا في تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعًا في حال ارتباك منذ يوم تولّي الرئيس الأميركي مقاليد الحكم. الصين في ارتباك، وكذلك روسيا والدول العربية وإيران، بسبب ما يُقال عن انقسام الجماعة الحاكمة في إيران، بل وارتباك أيضًا في واشنطن أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو وزير بعد آخر. راعني في النهاية ألّا هلع في القاعة ولا ولع، ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.

***

أيقظني قرب الفجر الهاتف الراقد بجواري لأستمع إلى صوت زميلة من الصحفيات المتمردات تنقل لي القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين، وبخاصة ممثلي قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسؤولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعةً بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

استمعتُ إلى الرسالة يقظًا ومنتبهًا، وبخاصة أن التقديرات الأولية ذهبت في أغلبها لتؤكد أن الرئيس تامب أراد سد ثغرة في شعبيته المتدهورة، أو أنه أراد أن يغطي على فشله في حرب إيران، أو أنه تلقى تحذيرًا مؤكدًا وواثقًا بأن الخسارة في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر النصفية مُحققّة، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى وقوس النصر الأكبر في العالم، اللتين بإنشائهما يُخلّد اسمه بعد أن فشل في إقناع أحد باستحقاقه جائزة نوبل للسلام، أو أن فرص محاكمته وعزله تتزايد مع الوقت، أو أنه في حاجة لسبب إضافي يسمح له بعسكرة العاصمة واشنطن وبعض عواصم الولايات تمهيدًا لفرض نفسه في ولاية جديدة، أو كل ذلك معًا.

إن صحّ ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة، وإن صدقت تجاربنا مع واشنطن خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أميركا، سنكون جميعًا في ورطة أشد مما نحن فيه.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  الصين تريد أن تصبح أمريكا.. أمريكا تريد لها أن تبقى الصين!