لا شك أن الحرب الروسية في أوكرانيا خلقت مزيداً من الارتباك السياسي في عالمنا العربي الذي لا ينقصه ارتباك، ذلك أن المنطقة إعتادت على زمن الأحادية القطبية طوال ثلاثة عقود من الزمن، حيث يكون الأميركي هو الآمر والناهي، لكن الآن بدأت الصورة تختلف.
لا شك أن الحرب الروسية في أوكرانيا خلقت مزيداً من الارتباك السياسي في عالمنا العربي الذي لا ينقصه ارتباك، ذلك أن المنطقة إعتادت على زمن الأحادية القطبية طوال ثلاثة عقود من الزمن، حيث يكون الأميركي هو الآمر والناهي، لكن الآن بدأت الصورة تختلف.
"التصعيد من أجل خفض التصعيد". تلك هي الإستراتيجية التي يعتمدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الأيام في أوكرانيا. من القصف الصاروخي الواسع الذي تلا تفجير جسر القرم وما سبقه من ضم أربع مناطق أوكرانية وإعلانٍ للتعبئة الجزئية والتلويح باللجوء إلى الأسلحة النووية التكتيكية، لإرغام كييف ومن خلفها الغرب على الدخول في حوار يفضي إلى تسوية سياسية للنزاع الأوكراني.
في 37 دقيقة، هي مدة الخطاب الذي ألقاه في القاعة الفسيحة للقديس جرجس بالكرملين، لخّص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رؤيته للصراع المصيري مع الغرب، محدداً موقع روسيا، تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، في أوروبا والعالم، إنطلاقاً من الحرب التي تخوضها اليوم في أوكرانيا.
تتضمن هذه المقالة المشتركة للباحثين ليانا فيكس ومايكل كيميغ، في "الفورين أفيرز" مقاربة من وجهة نظر غربية لإحتمالات تعامل الكرملين مع مرحلة ما بعد تعرض قواته لإنتكاسات عسكرية متتالية على أرض أوكرانيا، ولعل أخطرها إعلان التعبئة العامة. مع هذا القرار "سيصبح من المستحيل إبقاء الحرب بعيدة عن حياة الروس اليومية"، يقول الكاتبان.
عندما صرّح وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، منذ عدة أشهر بأن "توقف الحرب (في أوكرانيا) يحتاج إلى تنازلات من هذه الدولة عن جزء من أراضيها"، أثار موقفه صدمة وجدلاً واسعاً في أميركا والغرب.
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية يوم 24 فبراير/شباط الماضى، عمدت الدول الغربية، الطامحة إلى إطالة أمد المواجهات، بقصد استنزاف روسيا استراتيجيا، إلى إمطار الجيش الأوكرانى بوابل من الأسلحة والمعدات العسكرية، الأمر الذى أحدث فارقا ميدانيا فى مجريات العمليات بإقليم دونباس، بعدما فاقمت منظومات المدفعية الصاروخية الأمريكية، من طراز «هيمارس»، خسائر الجيش الروسى، وخولت نظيره الأوكرانى توجيه ضربات دقيقة ضد مستودعات الأسلحة، والبنية التحتية للدفاعات الجوية، ومراكز القيادة فى عمق الخطوط الروسية. ما أجهض محاولات تطوير الهجوم الروسى، وحمل وزير الدفاع الأوكرانى على الإقرار بتلقى بلاده دعما عسكريا غربيا «لم تكن تحلم به».
ملامح التعب التي بدأ يبديها قادة الغرب حيال الحرب بالوكالة ضد روسيا في أوكرانيا، هل تؤسس لمرحلة من الواقعية السياسية بما يهيء الظروف المناسبة للشروع في حوار جدي مع موسكو لإنهاء الحرب، أم تكون منطلقاً لتصعيد خيار المواجهة معها عبر الدفع بالمزيد من الأسلحة النوعية إلى كييف تمهيداً لحرب طويلة على الطريقة الأفغانية؟
أولى مشاكل أميركا اليوم هي أوكرانيا. حضّروها كحلم ويعيشونها ككابوس، وهذا أمر بديهي. الدولة التي أرادها البنتاغون "مقتلاً" لصعود فلاديمير بوتين- روسيا، تحوّلت إلى فخ لها وللغرب الموالي لها، وهذا تحوّل لم يكن بالحسبان. لذلك فالتحالف الأميركي الأوروبي يسير على غير هدى، ولو كان المعني بالأمر لا يُدرك أو لا يريد أن يُدرك.
لا هدنة مع روسيا. هكذا يمكن تلخيص قمتي مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في لحف جبال الألب الألمانية وحلف شمال الأطلسي في مدريد. هذا يفترض أن الحرب في أوكرانيا طويلة، وأن على الغرب بناء حساباته على هذا الأساس وأن يستعد لأسوأ السيناريوات، كي لا تخرج روسيا منتصرة.
الرأسمالية حرب مستمرة وإن متقطعة. حروب تتوالى أو تتزامن في جميع أنحاء الأرض. لو قُبلت روسيا في تسعينيات القرن الماضي في الحلف الأطلسي لخسرت الامبراطورية عدواً كان يريد أن يصير صديقاً. على روسيا أن تبقى عدواً من أجل أن تبقى الحاجة الى الحلف الأطلسي كحلف أطلسي بغض النظر عن صيرورة أوروبا اتحاداً اقتصادياً ثقافياً.