كان "وكأنه علم في رأسه نار". علم الصحافة اللبنانية التي لا مثيل لها في الوطن العربي. معلّم لمن عمل معه. صحيفته مدرسة. تخرّج على يديه أعلام. مكتبه مركز لشبكة من المثقفين العرب الآتين من المحيط الى الخليج.
كان "وكأنه علم في رأسه نار". علم الصحافة اللبنانية التي لا مثيل لها في الوطن العربي. معلّم لمن عمل معه. صحيفته مدرسة. تخرّج على يديه أعلام. مكتبه مركز لشبكة من المثقفين العرب الآتين من المحيط الى الخليج.
في الشهور الأربعة الأخيرة من العام 2016، كنا على موعد أسبوعي مع رئيس تحرير جريدة "السفير" طلال سلمان في إطار التحضير لفيلم وثائقي. ينسحب من مكتبه في الطابق السادس ويوافينا إلى "غرفة الاعترافات" كما أسماها، ليحكي قصة شاب لبناني فقير استطاع تأسيس واحدة من أهم الصحف في الوطن العربي... وقرّر أن يقفلها بعد 43 عاماً. ندر أن تمر جلسة من جلسات "إعترافات" طلال سلمان، إلا وكان يأتي فيها على ذكر سوريا ورئيسها الراحل حافظ الأسد، الذي التقاه سلمان على مدى سنوات حكمه التي قاربت الثلاثين نحو 10 مرات، وكانت لقاءات تمتد لساعات طويلة أتاحت له الاطلاع عن قرب على شخصية هذا الرجل "الاستثنائية" كما يصفها.
كان نهاراً ربيعيّاً من عام 1988. البلد يغلي على صفيحٍ ساخن. وأذكر، أنّ إذاعة "صوت الشعب" انتدبتني، يومها، لتغطية اللقاءات في دارة رئيس مجلس النواب (آنذاك) حسين الحسيني. فجأة، رأيتُ حرّاس الدارة يهرعون لاستقبال إحدى الشخصيّات. "هذا طلال سلمان"، همس باسمه بعض الصحافيّين المنتظرين (مثلي). "ومَن يكون هذا الرجل؟ نائباً؟"، سألتُهم بسذاجة "الطارئين" على عوالم يجهلونها!
في ذاكرة الحياة نقاطٌ مضيئةٌ تستعصي على الغياب. وبين أعلامها قاماتٌ شامخةٌ شاهقة أبت الإنحناءَ أمامَ رعونة الريح وعناد العاصفة ورداءة المناخ. وفي تجارب العيش أمثولاتٌ ناضحةٌ بالمعنى. ارتقت إلى ذرى الإنجاز متغاضيةً عن ضآلة القدرة وتواضع المنشأ.
في هذا الطقس الحارّ والرطب، مناخياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، يفارقنا "نسمة" الذي لم نعرف له مهنةً سوى الحبّ.
عشت فى مدن كثيرة ومررت بمدن أكثر. أحياء بعينها فى كل هذه المدن تحتل النصيب الأكبر من ذاكرتى وتهيمن على حساب بقية الأحياء. أتوقف فى مطار مدينة زرتها فى سابق أيامى أو عشت فيها. أول ما أفعله فور خروجى من المطار الطلب إلى سائق السيارة اصطحابى إلى حى بعينه. هناك أتعرف إلى ما آلت إليه المدينة بعيون عاشق لهذا الحى. نادرا ما أخطأت التقدير أو خاننى العشق. بيروت ليست استثناء.
عندما عاد جمال عبد الناصر ورفاقه مهزومين في ميدان مواجهة العصابات الصهيونية التي كانت تشرع في بناء دولتها “اسرائيل” كانت فكرة “الثورة” قد اختمرت في وجدانه.. وهكذا اندفع يجري الاتصالات مع بعض القوى السياسية التي توسم فيها الخير، بينما انهمك - في الجانب الآخر- في بناء تنظيم عسكري اعداداً للثورة.
أيّ عصر عربي عرف الصحافي العربي الكبير طلال سلمان، حتى بات يشعر اليوم بأن حياته كانت كذبة؟
جاء إلينا عدنان الحاج، وكنا في الطريق، ليكون "الترجمان" الخاص للإقتصاد، تحت رعاية عصام الجردي، وعندما "تمكن" صُرنا نقول له في إجتماعات هيئة تحرير "السفير": "هات لنا يا كابتن من يُترجم لنا أرقامك ومقالاتك"!
مُجدداً، أطلّت علينا القدس، بأطفالها وشبابها ونسائها وشيوخها، عنواناً لكرامتنا الوطنية والقومية المهدورة والمستباحة. شاهدناهم وكأنهم للتو يتعرفون على الأرض والتراب والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وكل نقطة تراب على أرض فلسطين.