سياسيو لبنان.. أيليقُ بكم حمل المقاليد والأمانات؟

ثلاث سمات تطغى على الخطاب السياسي اللبناني، الشتيمة والحقد ونبش القبور، وعلى ما يظهر، كلما اقترب موعد الإستحقاق الإنتخابي في منتصف أيار/ مايو المقبل، سترتفع وتيرة تلك الثلاثية المقيتة، وقد لا تنجو إلا حناجر قليلة من لوثة السُباب والكراهية وتطيير العظام من مقابرها.

لم يعد مجدياً توجيه الإشارات والتنبيهات إلى القوى السياسية اللبنانية بأن تقليص لغة خطابها السياسي إلى درك الإبتذال وقاع الرعاع، لا يمزق الهوية الوطنية فحسب، إنما يدفع الشخصية الفردية إلى الإقامة على حالة من الضياع بين ما هو أخلاقي وغير أخلاقي، وإذ تأتي ممارسات أهل السياسة على الأغلب لتؤكد قناعاتهم بأن السياسة مجردة من الأخلاق، ففي ممارساتهم تلك، كأنهم يقولون بأن السياسة بنت الشيطان وتدور في فلك الوسواس الخنّاس.

هذه القناعة التشويهية لفعل السياسة، تناقض عن ظهر قلب ما جاء في الكتب المقدسة، ففي القرآن الكريم “فبشّر عبادَ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب”، وفي الإنجيل المقدس أن السيد المسيح مرّ على جماعة فشتموه، وعلى جماعة ثانية فذمّوه، وعلى جماعة ثالثة فسبّوه، فقال له أحدهم: أكلما قيل فيك ذماً تقول خيراً؟ فقال السيد المسيح “كل واحد يعطي ما عنده”.

ماذا كان “عند” السابقين من السياسيين اللبنانيين؟ وما الذي ليس موجوداً “عند” أغلب السياسيين اللبنانيين الحاليين؟

البداية من التواضع ومن تقدير القامات الكبرى، وهما سمتان كانتا لدى شارل دبّاس أول رئيس للجمهورية اللبنانية، وحول ذلك يكتب كامل مروة افتتاحيته الشهيرة “قلْ كلمتك وامشِ” في صحيفة “الحياة” في السابع من كانون الثاني/ يناير 1959، فيقول “يروون عن رئيس الجمهورية اللبنانية الأول الأستاذ شارل دباس أن أمير الشعراء أحمد شوقي زاره، فتخطى دباس نظام التشريفات، وقدّمه على نفسه، ولما اعتذر شوقي، قال له دبّاس: “ومن أنا ورئاستي بالنسبة إليك؟ بعد ألف سنة سيظل إسمك خالداً، أما أنا، فمن يذكرني بعد جيل”؟

كامل مروة: “يروون عن رئيس الجمهورية اللبنانية الأول الأستاذ شارل دباس أن أمير الشعراء أحمد شوقي زاره، فتخطى دباس نظام التشريفات، وقدّمه على نفسه، ولما اعتذر شوقي، قال له دبّاس: “ومن أنا ورئاستي بالنسبة إليك؟ بعد ألف سنة سيظل إسمك خالداً، أما أنا، فمن يذكرني بعد جيل”؟

تلك المأثرة العائدة لشارل دبّاس، يمكن أن تفتح باب الأسئلة المتخيلة، ليس فقط، على الصف الأول من السياسيين اللبنانيين، بل على من هم دونهم بمنازل ومراتب، وكيف يمكن أن يتصرفوا وهل يمكن لأحدهم أن يقول لشاعر أو مفكر أو فنان: من أنا بالنسبة إليك؟ وعلى سبيل المثال والخيال هل يمكن أن يقول أحدهم للمطربة فيروز: أنتِ أهم مني!

فضيلة التواضع، كان إلى جانبها فضيلة الحياء (اي والله) وتلك سمة كانت لدى الرئيس فؤاد شهاب كما يقول عارفوه، وفي ذلك كتب الزعيم الوطني كمال جنبلاط في صحيفة “الأنوار” في السادس والعشرين من نيسان/ ابريل 1973 تحت عنوان “فؤاد شهاب مدرسة وأخلاق”، فقال إن شهاب “كان شديد الإحساس، كثير الحياء كالصبية، وهذا أمر قلّ ما يتوفر للسياسيين الذين لا يعيشون عادة إلا تحت سطح الماء”.

ما قيل عن شارل دبّاس وفؤاد شهاب يندرج في عالم المستحيل، مقارنة مع أهل السياسة في هذا الزمان، حيث لا يرى أغلبهم شدة الفارق بين لغة التواضع ولغة الوضيعة، ولا يعرفون هول التناقض بين الحياء وقلة الحياء، وهذا ما ينطبق على مفهومهم للسياسة، حيث يرونه فعلاً حاقدا وجاحداً بالآخرين الذين لا يستحقون إلا الشتم ومفردات الرذالة، وحقيقة الأمر أن كثرة من أهل السياسة الأولين لم يكونوا من هذه الأصناف الحاقدة ولا من أحزاب الشتائم والتفحيش، ومن أمثلة ذلك:

في كتابين عن رياض الصلح (باتريك سيل؛ أحمد بيضون) أول رئيس وزراء للبنان بعد الإستقلال، أن هنري فرعون كان من أشد خصومه، وكان يتهمه بالعروبة المفرطة، وسعى إلى تحجيم نفوذه مستنداً إلى ثروته المالية الضخمة وتحالفه مع حزب “الكتائب”، ومع ذلك، حين شكّل رياض الصلح حكومة العام 1946، عهد إلى فرعون وزارة الخارجية، وأسند إلى حلفاء فرعون أيضا وزارات أخرى، فشغل كمال جنبلاط حقيبة الإقتصاد، وصبري حمادة وعبدالله اليافي وزارتي الداخلية والعدل.

لم ينصب رياض الصلح جدار الحقد بوجه خصومه، وهو القائل في البيان الوزاري الأول لحكومة ما بعد الإستقلال “بنينا دولة ويبقى علينا بناء وطن”، ومن ذاك الصنف الذي لا يدخل الحقد إلى قلبه، كان الرئيس تقي الدين الصلح، وفي شهادة لحكمت أبو زيد في “رؤساء حكومات لبنان كما عرفتهم” أن الصلح “علم أن عبد الحميد غالب سفير جمال عبد الناصر في لبنان، وكان مفوضاً سامياً في زمن الناصرية، يعاني من ضائقة مالية، وهو المقيم في لبنان براتب ضئيل بعد وفاة عبد الناصر، آلمه أن يُذل عزيز قوم، فخصّص له بالإتفاق مع وزير الداخلية بهيج تقي الدين، مبلغاً شهرياً وفّر له العيش الكريم حتى وفاته، علما بأن تقي الدين كان محارباً من مصر الناصرية ومن عبد الحميد غالب بالذات”.

إقرأ على موقع 180  أنقرة ترث الرياض في بيروت..

لا رياض الصلح كان حاقداً، ولا تقي الدين الصلح، ولكن نموذجاً فائق النصاعة وبياض الفؤاد، تمثل بفؤاد شهاب، إذ أنه لم يُعدم أي مسؤول من الحزب السوري القومي الإجتماعي إثر محاولة الإنقلاب العسكرية التي نفذتها مجموعة حزبية في أواخر كانون الأول/ ديسمبر1961، في وقت كانت دنيا العرب تعج وتطن بالإعدامات التي تعقب الإعلان عن إفشال المحاولات الإنقلابية، بعضها وقع بالفعل، وأكثرها لا صلة له بالفعل الناقص ولا الكامل، وإنما هي تصفية حسابات واستئثار بالسلطة لا أكثر ولا أقل.

عن القامات الرفيعة التي لا تعرف الحقد ولا الأفعال السوداء، أنشد عنترة العبسي هذه الأبيات:

لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ/ وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ.

ومن هذه الطينة، كان الرئيس رشيد كرامي، الذي لم يُعرف أن كلمة نابية خرجت من فمه، ولا حرفاً مبتذلاً كان يدخل إلى أبجديته السياسية، وفي خلال مؤتمري “جنيف” و”لوزان” عام 1983 اللذين شهدا حوارات ومفاوضات صاخبة لتسوية الأزمة اللبنانية والخروج من متاهة الحرب، كتب ناشر صحيفة “السفير” طلال سلمان في “ثرثرة فوق بحيرة ليمان” قائلاً عن الزعيم الشمالي: “نصل إلى الرئيس رشيد كرامي الذي كان نجماً لامعاً في جنيف، والذي أكد في لوزان صورته هناك، كنموذج لرجل الدولة المتميز بالكفاءة والخبرة والأعصاب الحديدية، من غير أن يفقد روح النكتة والميل إلى الدعابة واستفزاز الآخرين بكلمات تجرح من دون أن تُسيل الدماء”.

لا رياض الصلح كان حاقداً، ولا تقي الدين الصلح، ولكن نموذجاً فائق النصاعة وبياض الفؤاد، تمثل بفؤاد شهاب، إذ أنه لم يُعدم أي مسؤول من الحزب السوري القومي الإجتماعي إثر محاولة الإنقلاب العسكرية التي نفذتها مجموعة حزبية في أواخر كانون الأول/ ديسمبر1961، في وقت كانت دنيا العرب تعج وتطن بالإعدامات التي تعقب الإعلان عن إفشال المحاولات الإنقلابية

كم حجم الدماء التي يُسيلها السياسيون اللبنانيون الحاليون بكلماتهم ومواقفهم وخطاباتهم اليومية؟ وكم يجرحون ويمعنون بالجراح ولا ترف عين لهم ولا يتحرك لديهم جفن ولا حاجب؟

وحيال ذلك، يبرز سؤال لا يلقى إعجاباً من أغلب أهل السياسة في هذه المرحلة: كيف تُبنى الأوطان؟ وكيف يجب أن يكون الخطاب السياسي؟

الإجابة لدى أهل السلف، لو يتعلم منها أهل الخلف، وهذه بعض الدروس:

ـ الرئيس تقي الدين الصلح (1901- 1988): البناء من صنع العقل وليس من صنع العضلات.

ـ قبلان فرنجية (1872ـ 1941) والد الرئيس سليمان فرنجية: تستطيع أن تكون بطلاً من دون أن تدمّر الأرض.

ـ وزير الخارجية الأسبق سليم تقلا (1895ـ 1945): ليس المطلوب من السياسيين أن يتحدثوا مثل القبضايات.

كان للوزير سليم تقلا، شقيق إسمه فيليب (1915 ـ 2006) تولى وزارة الخارجية بعد رحيل الأول، وارتفعت معه هذه الوزارة إلى مقام لا تناظره إلا وزارات خارجية الدول الكبرى، أقل ما كان يقال فيه إنه مهذب، وهذه الصفة استخدمها مراراً كبير المعلقين في صحيفة “النهار” ميشال أبو جودة، ومما قاله في تعليقه اليومي (1 ـ 2 ـ 1963) إن فيليب تقلا “كان لائقاً وكان مسؤولاً بالمعنى النبيل للمسؤولية، وكان مهذباً، وكان شيئاً آخر غير جماعة المغامرين والمستهترين واللامبالين وجماعة الإنتخابات”.

يا للإنتخابات التي تقرع على الأبواب، ويا للخطابات الإنتخابية التي ستستدعي روائح جثث الأموات.

بعد وصول اللواء فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية، كانت قاعدة العمل التي انطلق منها تتمثل في إزالة رواسب أحداث 1958 كما يقول وزير الخارجية الأسبق فؤاد بطرس في “المذكرات” و”في كتابات في السياسة”، إذ لا يمكن أن يُبنى المستقبل بحجارة الماضي، وعليه، كيف تكون الحال حين يؤتى بالحجارة من المقابر والمدافن؟

هل يمكن أن يُقام أو يقيم وطن في مدفن؟

هل يمكن أن تكون السياسة حاقدة إلى هذا الحد؟ فيكون أغلب مواليدها زعماء ووزراء ومستشارين حاقدين لا يرون نسباً للآخرين إلا ما رأه الشاعر جرير في قبيلة “بني النمير” فهجاها وقال:

فغض الطرف إنك من نمير/ فلا كعبا بلغت ولا كلابا.

أخيراً؛ عودة إلى كامل مروة الذي كتب في صحيفة “الحياة” بتاريخ الثامن والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر، فقال:

“يوم يعتقد كبار ساستنا أن الشهرة تقوم على الإمعان في التطاول والتشاتم، ويعملون بهذا الاعتقاد، فإنهم يحكمون على أنفسهم بأنفسهم، ويثبتون أنهم لا يليقون بحمل المقاليد والأمانات”.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  وجوه أخرى لحرب أكتوبر