قبل عام تقريبًا، تحدّث نائب الرئيس الأمريكي، جاي. دي. فانس، أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، واعتبر كثير من الخبراء والسياسيين أن خطاب فانس لم يكن سوى إعلان انطلاق الولايات المتحدة والقارة الأوروبية نحو طلاق وانفصال.
قبل عام تقريبًا، تحدّث نائب الرئيس الأمريكي، جاي. دي. فانس، أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، واعتبر كثير من الخبراء والسياسيين أن خطاب فانس لم يكن سوى إعلان انطلاق الولايات المتحدة والقارة الأوروبية نحو طلاق وانفصال.
كان يوماً بصباحٍ مختلف. نهضتُ من فراشي وكلي رغبةٌ عارمة في أن أتمرد على عادةٍ من عادات الأيام الأخيرة. كنتُ قد عوّدتُ نفسي، أو عوّدتني سياقاتُ الزمن في آخر تجلياته، على افتتاح نهاري بمشاهدة قنواتٍ تليفزيونية كانت في يومٍ غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات. حدث في الأيام الأخيرة أن تعمّق إحساسي بأن بوادر يأسٍ مختلطةً بمؤشرات قلقٍ وعلامات ضيقٍ ومظاهر نكدٍ تزحف لتهيمن على مجمل سلوكياتي، ممتدةً ساعةً بعد ساعة لتؤثر أيضاً، أو خشيتُ أن تؤثر، على الشكل وتفاصيل الوجه، وصولاً إلى حجم الجسم، منتهيةً برزانة العقل.
مع الجولة التفاوضية الثالثة المفصلية المقررة اليوم (الخميس) في جنيف بين إيران والولايات المتحدة، يقف الملف النووي عند مفترق دقيق قد يحدد مسار المنطقة لسنوات مقبلة. الحديث هذه المرة لا يقتصر على جولة تقنية جديدة، بل على احتمال عقد لقاء مباشر بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في خطوة إن حصلت ستشكل تحولاً نوعياً مقارنة بالجولات غير المباشرة السابقة.
في السابع عشر من شباط/فبراير، وبينما كان الوفد الإيراني يجلس خلف طاولة المفاوضات في جنيف، كان المرشد الإيراني علي خامنئي يُطلق من طهران تحذيراً مدروساً: إن ما يُغرق حاملات الطائرات أخطر من حاملات الطائرات ذاتها. لم يكن ارتجالاً في لحظة غضب، بل رسالة مزدوجة موجّهة في آنٍ واحد إلى المفاوض الأميركي في جنيف، وإلى المتشددين في الداخل الإيراني. وهذا بالضبط هو جوهر المأزق الذي يعيشه العالم اليوم: مفاوضات يحتاج فيها كلُّ طرف إلى إقناع جمهورين متناقضين في وقت واحد؛ جمهور الطاولة وجمهور الداخل.
عندما غزت روسيا جارتها أوكرانيا عام 2022، قلةٌ فقط كانوا قد سمعوا عن المسيّرة الإيرانية "شاهد 136". لم يسمع بها العالم إلا بعدما علا صوت المئات منها، وهي تُستخدم كأداة إغراق غير مُكلفة في حربٍ طويلة. قوة "شاهد" ليست في دقتها، إنما في استمراريتها، وأحياناً في عشوائيتها، إلى درجة أنها كانت ولا تزال توصف بـ"الموت الطائر" وصوته المزعج.
«لا شيء أهم من تحقيق السلام.. كلفة الحروب أضعاف كلفة تحقيق السلام». تبدّت في تلك العبارة، التي أطلقها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، من فوق منصة أول اجتماع لمجلس السلام العالمي، مفارقات وتناقضات مع سياساته المتبعة في أزمات إقليمية ودولية تنذر بعواقب وخيمة، فما مفهوم السلام الذي يدعو إليه "ترامب"؟
بعد يومين، تدخل الحرب الروسية-الأوكرانية عامها الخامس (24 شباط/فبراير 2022)، متجاوزة الأعوام التي قاتل خلالها الاتحاد السوفياتي ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية (1941-1945). وهذا النزاع الأخطر في أوروبا منذ 80 عاماً، ترك ذيوله الأمنية والسياسية على القارة وعلى العالم أيضاً.
تحت عنوان "سيناريوهات هجوم قريب على إيران"، نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية مقالة مترجمة من العبرية إلى العربية للكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان (يديعوات أحرونوت)، يعرض فيها للموقف الإسرائيلي من جهة وللموقف الأميركي من جهة ثانية، ويخلص إلى أن الهدف ليس إسقاط النظام في إيران "بل توجيه ضربة نارية شديدة جداً على مدى بضعة أيام، تُلحق أكبر ضرر ممكن بالنظام؛ عندها تجبره على العودة إلى طاولة المفاوضات والموافقة على تنازلات لم يوافق عليها حتى الآن".
مع بدء سنتها الخامسة، لا يمكن فهم الحرب الأوكرانية ضمن إطارها العسكري المباشر أو توصيفها كصراع على الأمن الأوروبي فحسب، بل يجب وضعها في سياق أوسع يتمثل في أزمة النظام الرأسمالي العالمي وتراجع الأحادية القطبية ومحاولة الولايات المتحدة إعادة إنتاج هيمنتها بأدوات جديدة، فالصراع يتموضع جغرافياً في أوروبا الشرقية ويتصل مباشرة بترتيبات الأمن الأوروبي، لكن هذا البعد ليس سوى الواجهة الظاهرة لمواجهة أعمق تتعلق بمستقبل روسيا كقوة دولية وقدرتها على تعطيل المشروع الأميركي في أوراسيا.
مع كل تصعيد أميركي في الكاريبي، تعود فنزويلا إلى واجهة المشهد تحت لافتة «مكافحة المخدرات». لكن خلف العناوين السياسية تختبئ معادلة أكثر تعقيدًا: أزمة نفط ثقيل تحتاجه المصافي الأميركية، وكنز جيولوجي من المعادن النادرة يدخل في صميم سباق التكنولوجيا مع الصين. بين ضرورات الطاقة وحسابات الأمن القومي، تبدو كاراكاس أقل ساحة خطاب، وأكثر عقدة استراتيجية في صراع يتجاوز حدود أميركا اللاتينية.