الشارع العربي 2025: إحباط داخلي وثبات في القضايا المصيرية

أعلن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" نتائج «المؤشر العربي» للعام 2025، وهو استطلاع رأي يُعدّ الأكثر شمولية في العالم العربي، إذ أُجري في 15 بلدًا هي: موريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، السودان، فلسطين، لبنان، الأردن، العراق، السعودية، الكويت، قطر، وسوريا. وقد استوقفتني بعض نتائجه، وهذا المقال يُحاول الإضاءة عليها من باب تحليل الأسباب والسياقات والدوافع الكامنة وراء إجابات العديد من المستطلعين العرب.

أولًا؛ أفاد 60% من المستطلعين بعدم ثقتهم بالأحزاب السياسية في دولهم، كما أن 6% فقط منهم منتسبون إلى أحزاب سياسية. تدل هذه النتيجة على البون الشاسع القائم بين المواطن العربي والممارسة السياسية عبر الأحزاب والمنتديات السياسية. وقد يعود ذلك إلى تعثّر مآلات الانتفاضات العربية في تحقيق أهدافها، معطوفًا على حالة من الترهل الفكري والتنظيمي التي تعاني منها غالبية الأحزاب السياسية في العالم العربي، سواء أكانت إسلامية أم قومية أم يسارية أم ليبرالية، ما يطرح الحاجة إما إلى تجديد هذه الأحزاب وإعادة هيكلتها، أو إلى إيجاد أطر سياسية جديدة بات العالم العربي بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى، نظرًا إلى حجم التحديات الملقاة على كاهل مواطني المجتمعات العربية كافة.

ثانيًا؛ أيّد 42% من السوريين أن تكون هوية الدولة السورية هوية مدنية، في حين أفاد 28% منهم بأنهم يفضلون دولة دينية. في هذه الأرقام ما هو لافت للانتباه، وما يستوجب دقّ جرس إنذار للسلطة السورية الحالية، التي تنحو، من خلال كثير من ممارسات الحياة اليومية، باتجاه التشدد الديني والعقائدي، في حين أن هوية الشعب السوري وتركيبته الاجتماعية تتسمان بالكثير من التنوع الثقافي والحضاري والديني.

ثالثًا؛ لاحظ 70% من المستطلعين السوريين انتشار الخطاب الطائفي في بلدهم، كما يعتقد 84% منهم أن الناس في هذه الأيام يعمدون إلى التمييز على أساس مذهبي وديني. ومن المعلوم أن سوريا شهدت خلال العام الماضي أعمال عنف طالت العلويين في الساحل (آذار (مارس) 2025)، والدروز في السويداء (تموز (يوليو) 2025)، وتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق (حزيران (يونيو) 2025). وقد دلّت هذه الأحداث على عدم قيام السلطات السورية الانتقالية بتأسيس عقد اجتماعي جديد يضمن احترام الأقليات، ويصون وجودهم الثقافي والاجتماعي، ويكفل حرية التعبير، ويؤسس لعدالة انتقالية بعيدة عن الحسابات السياسية والطائفية الضيّقة. فجاء الحوار الوطني على شكل مشهدية إعلامية استعراضية، لا مؤتمرًا وطنيًا حقيقيًا بمخرجات جدية. كما شاب الإعلان الدستوري الانتقالي الكثير من الثغرات، وانطوى على سمات وخصائص تُكرّس الأوتوقراطية في الحكم، والفردانية في اتخاذ القرار، وغياب آليات المساءلة والمحاسبة، إلى جانب غياب سلطة تشريعية مؤثرة وموثوقة وقادرة على تلبية حاجات السوريين وتطلعاتهم إلى بناء دولة حديثة.

رابعًا؛ يعارض 70% من المستطلعين السوريين عقد اتفاق مع إسرائيل من دون عودة الجولان السوري المحتل إلى كنف الوطن. وتعيد هذه النتيجة التأكيد على حقيقة أن الشعب السوري شعب وطني لا يفرّط بأرضه مهما طال الزمن، بغض النظر عن إعلان السلطة السورية، في الأسبوع الماضي، عن اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب، ينصّ على إنشاء آلية تعاون وتنسيق ذات طابع أمني–استخباراتي–لوجستي، بإشراف أميركي، من أجل ضمان أمن واستقرار الجنوب السوري.

خامسًا؛ يوافق 80% من المستطلعين على اعتبار القضية الفلسطينية قضية كل العرب، وليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم. وتُعدّ نتائج هذا المؤشر لافتة للنظر، ولا سيما في ضوء الجهود التي بذلها الكيان والولايات المتحدة والعديد من الأنظمة العربية الحاكمة لطمس القضية وجعلها ثانوية في حسابات المواطنين العرب. وقد ساهم في هذا الجهد أيضًا جيش من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والنخب والمؤسسات على امتداد العقود الماضية، حيث عمل كلٌّ في مجاله واختصاصه على تمييع القضايا، وتجزئتها، وتسطيح الوعي العام، وسلخ المواطن العربي عن القضية الفلسطينية، مستخدمين أساليب شتى. هذا فضلًا عن غرق العرب، أفرادًا وجماعات، في سلسلة طويلة من الأزمات المتشابكة والمتصلة بتحديات معيشية واقتصادية وأمنية وسياسية، غيّرت أولويات كثير من مواطني المجتمعات العربية باتجاه البحث عن الأمن والاستقرار في بلدانهم، ما أضاف تحديات وجودية وقيمية وسياسية إلى كاهل المواطن العربي، الذي بات يواجه في كثير من الأحيان بطش الأنظمة وممارسات إسرائيل العدوانية في آن واحد، ضمن حلقة متشابكة لا تزال تطوّق قطاعات واسعة من الشعوب العربية.

سادسًا؛ رفض 87% من المستطلعين اعتراف بلدانهم بإسرائيل. ويدلّ ذلك على فشل محاولات التطبيع مع الكيان، ولا سيما بعد دخول «اتفاقات إبراهام» حيّز التنفيذ عام 2020، وما يُتداول حاليًا عن انضمام دول عربية أخرى إلى اتفاقات مشابهة. واللافت في هذا السياق أن أعلى نسبة لعدم الاعتراف بالكيان سُجّلت في الأردن، بنسبة 96%، على الرغم من أن الدولة الأردنية تُعدّ دولة مطبّعة مع الكيان إثر توقيعها اتفاق وادي عربة عام 1994. وإذا دلّ هذا الأمر على شيء، فإنه يدل على رفض شعبي واسع للتطبيع، حتى في حال إقدام الحكومات العربية عليه، إذ لا تزال مقبوليته الشعبية موضع شك، بعد نحو 32 عامًا على توقيع ذلك الاتفاق.

إقرأ على موقع 180  ألفونسو السادس.. ترامب!

سابعًا؛ كان لافتًا للانتباه انخفاض مستوى التأييد لإسرائيل حتى في دول «اتفاقات إبراهام». إذ يذكر الاستطلاع أن المغرب، على سبيل المثال، سجّل نسبة تأييد للاعتراف بالكيان بلغت 20% عام 2022 (أي بعد نحو عامين على التطبيع)، إلا أن هذه النسبة انخفضت إلى 6% في الاستطلاع الحالي لعام 2025. وقد يكون ذلك مرتبطًا إلى حدّ كبير بمستوى الوحشية الإسرائيلية غير المسبوقة خلال حرب غزة التي استمرت عامين متتاليين، وما أنتجته من مشاعر غضب وسخط تجاه الكيان، ليس في وجدان الشعوب العربية فحسب، بل في وجدان أحرار العالم كافة.

ثامنًا؛ يعتبر 44% من المستطلعين أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تهديدًا لأمن الوطن العربي (المرتبة الأولى)، فيما يرى 21% منهم أن الولايات المتحدة هي الأكثر تهديدًا. وفي الحقيقة، يصعب فهم سبب تمييز قطاعات واسعة من الرأي العام العربي بين إسرائيل والولايات المتحدة، فالأخيرة هي الداعم الأساسي للكيان اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، ولا موجب لإقامة تمييز بين الأصيل والوكيل.

تاسعًا؛ عبّر 53% من المستطلعين عن اعتقادهم بسلبية الدور الإيراني في المنطقة، واصفين إياه بأنه يهدد أمنها واستقرارها. ويمكن تفسير ذلك بالتدخلات السياسية والطائفية التي مارستها إيران عبر أذرعها في المنطقة، ولا سيما في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وسيكون من المفيد قراءة نتائج هذا المؤشر في العام المقبل، لرصد التغيرات المحتملة، ولا سيما في ضوء تراجع النفوذ الإقليمي لإيران إثر سقوط النظام السوري، وضعف حلفائها، وبداية انشغالها المتزايد بقضاياها الداخلية.

عاشرًا؛ تشكّل المواد التعليمية والتثقيفية نسبة 7% فقط من اهتمامات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وتحلّ في المرتبة السادسة من حيث الموضوعات الأكثر جذبًا لهم. وقد جاءت المراتب الخمس الأولى، بحسب الترتيب، على النحو الآتي:
1- ما هو رائج على هذه الوسائل (الترند)،
2- الموضوعات السياسية،
3- الموضوعات الاجتماعية،
4- الموضوعات الدينية،
5- المواد الترفيهية.

وتُعدّ هذه النتائج لافتة للانتباه، إذ يبدو أن «الترند» هو الذي يحدد مضمون متابعة الرأي العام، لا الفضول المعرفي أو السعي إلى المعرفة والاطلاع والتثقيف الذاتي. وتكتفي قطاعات واسعة من الرأي العام باستهلاك ما يُبثّ لها من قضايا رائجة، بدل أن تنتقي بنفسها ذائقتها المعرفية الخاصة، وهي سمة باتت، للأسف، عامة في مجتمعاتنا، ولا سيما لدى جيل الشباب.

 

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  لبنان: قانون العفو.. بين الضرورة والفخاخ