“الإبراهيمية الجديدة” تمتحن العرب وإيران وتركيا.. من يملأ الفراغ؟

تتقادم الأزمات في شرق البحر المتوسط منذ الحرب العالمية الأولى مطلع القرن الماضي، وما تزال نيرانها متّقدة، وكأنها «نارٌ مقدّسة» لا تخبو قليلًا حتى تعطي لنفسها شكلًا آخر. فالحرب العالمية الأولى أورثتنا الانتداب والاحتلال، وتم استبدال الوجود العثماني باحتلالات مقنّعة على شكل انتدابات، قسّمت تلك المنطقة إلى دول وإمارات وممالك، وثبّتت فيها بنى سياسية واقتصادية مهزوزة ومرتهنة.

في منتصف القرن الماضي تقريبًا، جاءت الحرب العالمية الثانية لتزرع في عمقنا «دولة إحلالية محتلة» غيّرت ملامح منطقتنا، التي لم تكد تمسح عرق النضال في سبيل نيل استقلالها، حتى بتنا نتقلّب بين الحروب والأزمات. وبين نكبة فلسطين 1948 ونكسة 1967 وتشرين العبور والعودة 1973، استحال نصف الانتصار – بعد أحوال خمس – إلى هزيمة، فتوقفت حروب الأنظمة وبدأ نضال الشعوب قويًا لمّاحًا، ثم بدأ يتقلّص ليتحوّل الصراع العربي–الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني–إسرائيلي، ثم تقلّص أكثر ليصبح صراع فئات فلسطينية ولبنانية مع إسرائيل؛ كلّ ذلك في ظل ترهّل رهيب في بنية الأنظمة العربية والإسلامية، وزيادة غير مسبوقة في نسب ارتهانها للخارج، ما جعل الترهل المذكور والكسل عن القيام والحركة والمبادرة يطال القاعدة بعدما تأبّد في القيادة.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية منذ حلول ثورات ما يُسمى “الربيع العربي” عام 2011، برز إلى الواجهة مصطلح «الميثاق الإبراهيمي» أو «الديانة الإبراهيمية» بوصفه إطارًا يُراد له أن يكون لغةً جديدة تنظّم العلاقات بين الدول والمجتمعات المتقاتلة في المنطقة، وتمنح الصراعات معنىً مختلفًا. ففي ظاهره دعوة جذابة إلى التسامح، وعودة إلى الجذور المشتركة بين المسلمين والمسيحيين واليهود بما يخفف الاحتقان الديني، ولكنّ التدقيق في المفهوم وسياق ظهوره وتوظيفاته يكشف جوهره مشروعًا سياسيًا مغلّفًا بالدين، يهدف إلى «الإحلال الوجداني» لفكرة الصهيونية في النسيج الشعبي والاجتماعي بفكرة «الإبراهيمية»، ليواكب ذلك تمدّد النفوذ الإسرائيلي السياسي والأمني في المنطقة العربية والإسلامية، وصولًا إلى حكمها والتحكّم بها، في ظل الدعم غير المسبوق للولايات المتحدة الأميركية، والترهّل والعجز الكاملين في الموقفين الرسمي والشعبي العربي والإسلامي.

ضبط المصطلحات: ماذا نعني بـ«إبراهيمي»؟

يبدأ الخلط المقصود من اللغة، فـ«الاتفاقيات الإبراهيمية» (Abraham Accords) ليست «ميثاقًا» دينيًا بقدر ما هي حزمة اتفاقات سياسية ودبلوماسية وُقّعت برعاية أميركية في 15 أيلول/سبتمبر 2020 لتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية. هذا التعريف السياسي واضح في أدبيات الاتفاقيات نفسها، وفي المخرجات التي أنتجتها على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

أما «الميثاق الإبراهيمي» فله دلالتان مختلفتان:

  • دلالة كتابية قديمة: تتمحور حول السردية التوراتية التي أوردها العهد القديم في سفر التكوين بين الله وإبراهيم وذريته، بما يتضمنه من «وعد النسل/الذرية» و«وعد الأرض» و«وعد البركة».

  • دلالة حديثة -«مشروع»: خطاب ومشروع ثقافي–سياسي–ديني يزعم العودة إلى «الأصل المشترك» بين الأديان الثلاثة، ويقترح عمليًا تحويل المشترك الرمزي بينهم إلى إطار اندماجي جديد.

وهنا يجب التفريق بين «تصنيف أكاديمي» وبين «دعوة عقائدية»، فـ«الديانات الإبراهيمية» في الدراسات المقارنة هي وصفٌ تجميعي لليهودية والمسيحية والإسلام (وأحيانًا غيرها) على قاعدة اشتراكها في رمزية إبراهيم، لا على قاعدة أنها عقيدة واحدة. وقد أشارت موسوعات بحثية إلى أن شيوع هذا التصنيف الحديث قد ارتبط بمحاولات تعزيز الحوار (خصوصًا في القرن العشرين)، لا بإلغاء الفوارق العقائدية.

وهذا الخلط بين هذه المستويات يخلق غموضًا مفيدًا بالنسبة لدعاة التطبيع الناعم من المقتنعين بالديانة الإبراهيمية واتفاقياتها الحديثة، حيث يُقدَّم كمشروع سياسي بلبوس ديني، ويُساق التصنيف الأكاديمي كأنه دعوة لدمج العقائد لا تعايشها على قاعدة حفظ الخصوصية.

ولا تكمن الخطورة في ربط واستخدام اسم النبي إبراهيم، بل في استدعاء «وعود» دينية (النسل/الأرض/البركة) داخل سياق صراعٍ سياسي حديث. فالنصّ الكتابي في سفر التكوين يُقدَّم عند بعض التيارات الصهيو-مسيحية كمنطلق لفهم «أرضٍ موعودة» و«حقٍّ تاريخيّ»، الأمر الذي سخّرت بعض القراءات الدينية هذه الوعود جزءًا من خطاب سياسي داعم لإسرائيل، كما يظهر بوضوح في ظاهرة «الصهيونية المسيحية»، التي تربط دعم إسرائيل بتأويلات توراتية/كتاب مقدّس حول «الأرض الموعودة».

في المقابل، لا يقدّم الإسلام «حقًا سياسيًا» قائمًا على وعدٍ عِرقيّ، بل يركّز على معيار الإيمان والعدل وعمارة الأرض. وهذا يجعل استيراد «وعد الأرض» إلى خطابٍ اندماجي جديد عمليةً إشكالية، لأنها تنقل النقاش من حقوق الشعوب العربية التي ترزح تحت الاحتلال إلى «قدرٍ ديني غير قابل للنقاش ولا سبيل للانفكاك عنه»، ثم تُجمَّل ذلك القدر بعنوان «أخوّة إبراهيمية».

الحنيفية.. الاستقامة لا التمييع

إنّ العودة إلى ملّة إبراهيم في التصور الإسلامي ليست دعوة إلى «تلفيق» عقدي يضمّ ويصهر المتناقضات، بل هي دعوة إلى «الحنيفية» بمعناها القرآني: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، توحيد خالص، وبراءة من الشرك، وتميّز عن صور الانحراف لا الذوبان فيها. لذلك يأتي النص القرآني حاسمًا:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67).
وفي الوقت نفسه، يضع القرآن أسس التعايش الإنساني دون مسخ الهوية، على أساس الحفاظ على الهوية الدينية والإنسانية لا تذويبها، وإقامة حدٍّ فاصل بين الاعتقاد الخاص والعيش المشترك:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).

ويؤكّد أن قيمة الاجتماع الإنساني تتجلّى بالتقوى، أي بقيم الحق التي يجب أن تنسحب على هذا الاجتماع والتعايش، لا بتسطيح الحقوق والمعتقدات وتذويبها.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام «حوار» أم أمام «اندماج مشوّه»؟ فالتعايش والحوار تواصلٌ مع الحفاظ على الخصوصية العقائدية، أما «الاندماج الإبراهيمي» فهو تسييل لتلك الخصوصيات لصناعة «دين هجين» لا يتكئ على أسس صلبة، ما يجعله قفزة باتجاه إلغاء الخصوصيات الخاصة بكل معتقد ديني أو غير ديني. فالإسلام – بعد القراءة الهادئة لنصوصه – يعترف بالآخر ويحاوره ويحسن التعاطي معه، لكنه لا يقبل إعادة بناء الدين كـ«منصّة سياسية» لتسوية صراع أو إعادة هندسة هوية دينية جديدة.

والملاحظ أنّ الترويج لمفردة «الإبراهيمية» ازداد بعد سنوات الحروب الأهلية العربية، وبعد الحروب العربية–الإسرائيلية، وبعد أن أخذ ذلك الصراع بعدًا مجتمعيًا. فلم تدفع اتفاقية كـ«كامب ديفيد» الشعب المصري إلى التطبيع والذوبان والتعايش مع الفكرة الإسرائيلية. وبعد موجات الاستقطاب التي أعقبت ما سُمّي «الربيع العربي»، والتي شكّلت لحظة إنهاكٍ اجتماعي واقتصادي، أصبح من السهل تمرير «لغةٍ جامعة» والترويج لها باعتبارها علاجًا أخلاقيًا وجسر عبور من الأزمات المتسلسلة إلى الاستقرار والدعة والرفاهية. ولكن السياسة لا تعمل بالنيات، بل بالبُنى التي تنتجها المصالح.

إقرأ على موقع 180  إيران ثورة مستمرة.. والعسكريتاريا تتقدم

إنّ الفارق الأكثر دلالة هو انتقال مركز الثقل من مقولات تحرير الأرض بالكامل وطرد الاحتلال، إلى مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي أطلقته مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002، ثم إلى نموذج التطبيع المباشر من دون اشتراط حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية، مقابل «السلام» وحوافز اقتصادية ومالية.

“الإبراهيمية” وملء الفراغ! 

لا يتغذّى خطاب «الإبراهيمية الجديدة» من فراغ، بل من عجز الأنظمة والشعوب العربية عن تقديم مشروع ردع وحماية وبناء الدولة الوطنية على أساس جامع. لذلك ازداد حضوره في الوعي الجمعي العربي والإسلامي كلما أثبتت الوقائع حجم الضعف في موازين القوى المحلية والإقليمية، ما جعله وصفة جاهزة لملء الفراغات في الهوية ومعنى الوطنية. وقد ينظر البعض إلى التطورات بعد «الربيع العربي» منذ 2011 وما خلّفته من تشظّي اجتماعي وسياسي عميق باعتبارها جدلًا طبيعيًا يؤدي إلى مزيد من التقدم، غير أنّ تبعاتها الثقيلة جعلت الاجتماع السياسي العربي والإسلامي أكثر تفككًا وتقوقعًا حول خيارات ضيّقة وخاصة. كما زادت الظاهرة التكفيرية خطوط الانقسام، سواء في المجتمعات ذات اللون الواحد أو تلك المتعدّدة دينيًا ومذهبيًا. كلّ ذلك أسهم في برودة الشعوب تجاه قضايا الصراع الكبير، وأصبحت المساواة بين الخطر الإسرائيلي والإيراني أو التركي متداولة في الوعي العربي العام، ما فتح المجال أمام هذا المشروع «الملتبس» للتسلل مجددًا إلى الوجدان الاجتماعي عبر مبادرات اقتصادية وتنموية ناعمة وجمعيات غير حكومية مدعومة أوروبيًا وأميركيًا، لتطرح فكرة استبدال «العداء للاحتلال» بـ«الأخوّة الإبراهيمية» أسئلة كبرى: هل نحن أمام مشروع سلام أم أمام إعادة تعريف للصراع؟

“الطوفان” يخلط الأوراق

خلطت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 (طوفان الأقصى) كل الأوراق، وأعادت ترتيب مشهدية الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وجمّدت موجة التطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية برهة من الزمن، وكشفت الوجه الحقيقي للاحتلال أمام الرأي العام العالمي. غير أنّ المشهد العربي والإسلامي بدا محبطًا، عاكسًا حجم الإرهاق والكسل السياسي بعد تجربة «الربيع العربي». وهذا ما شجّع الاحتلال الإسرائيلي على استخدام القوة المفرطة في أكثر من ساحة عربية: غزة، الضفة، لبنان، اليمن، وسوريا، لنعود إلى معادلة مزدوجة: ترهّل الأنظمة وخضوعها (القمة)، وسكون الشعوب وخمودها (القاعدة).

تفاقم هذا الضعف بعد عدوان أيلول/سبتمبر 2024 على لبنان، وسقوط النظام في سوريا، وتحولت منطقتنا إلى ساحة مفتوحة للتقسيم والنفوذ الإقليمي، ولا سيّما بين إسرائيل وتركيا. والأهم انتقال الصراع إلى الداخل الإيراني بعد عدوان حزيران/يونيو 2025، واشتداد الضغوط الاقتصادية، ما يجعل إيران مرشحة لأن تكون الساحة الأكثر سخونة في النصف الأول من 2026، وهو ما نشهد إرهاصاته منذ 28 كانون الأول/ديسمبر 2025، تاريخ بدء حركة الاحتجاجات في الشارع الإيراني.

ماذا بعد؟

إذا كان مشروع «الإبراهيمية الجديدة» قد تمدّد مع الانتقال من «الأرض مقابل السلام» إلى «التطبيع المباشر من دون حلٍّ عادل» للقضية الفلسطينية ولا لقضايا الإحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري وجنوب لبنان، فإن عام 2026 سيكون مرشحاً لأن يكون عام اختبارٍ قاسٍ؛ اختبارٌ لميزان القوى قبل أن يكون اختباراً للأفكار والشعارات.

صحيحٌ أنّ ما جرى منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، جمّد موجة التطبيع برهة زمنية، وكشف حدود “السلام التسويقي” أمام مشاهد حرب الإبادة، لكنَّه، في المقابل، أفسح المجال أمام انقلاب مضاد قادته الولايات المتحدة وإسرائيل، باستراتيجية هجومية نحو ساحات أعمق وأكثر حساسية وبلغ ذروته في ضوء ما تشهده إيران من احتجاجات اندلعت في أواخر 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 على أساس مطلبي- اقتصادي، وسرعان ما اتخذت طابعًا سياسيًّا وأمنيًّا، وانتقل المتظاهرون من الاحتجاج على ارتفاع سعر الدولار، وتردّي الأوضاع الاقتصادية، إلى موجة أوسع، ذات حمولة سياسية وأمنية، يرافقها تصاعد العنف والإجراءات الأمنية وقطع الإنترنت.

وعليه، يبدو أننا سنكون في العام 2026 أمام أحد ثلاثة مسارات محتملة إيرانيًا:

الأول؛ بقاء النظام الإيراني مع تشددٍ أكبر؛ وهذا يعني استمرار دعم محور المقاومة، لكن تحت ضغط اقتصادي وأمني أشد، ما قد يدفع به إلى “إدارة الاشتباك” بدل توسيعه.

الثاني؛ تعديل النظام الإيراني نحو نسخة أقل راديكالية؛ وهو السيناريو الذي سيحد ّمن قدرة المقاومة في كل من فلسطين ولبنان؛ لأن أي “براغماتية جديدة” في طهران، قد تُترجم بخفض السقوف، وتقليص الإسناد، وفتح نافذة لتسوياتٍ إقليمية تُغري البعض بالعودة إلى مسار التطبيع.

الثالث؛ سقوط النظام الإيراني؛ وهو السيناريو الأشدّ سوءًا، لأنّ تغيّر الحكم في إيران، لن يضعف المقاومة في لبنان وفلسطين فحسب؛ بل سيضع الدول العربية الخليجية تحت ضغط “الحلف الاسرائيلي – الإيراني الجديد”. كذلك ستتأثر باكستان وتركيا بوصول إسرائيل إلى تخومهما الحدودية، ما يدخل المنطقة في مواجهة خيارين مرّين: استسلام ورضوخ تام، أو فوضى استراتيجية شاملة. إن نجحت الضغوط في إيران (تغييراً أو “تلييناً”) بالتزامن مع إعادة هندسة سوريا على إيقاع تفاهمات إقليمية ودولية كبرى، سنكون أمام محاولة جديّة لفرض معادلة “سلام بلا تنازلات إسرائيلية”، وهي روح الاتفاقيات الإبراهيمية التي تختزل في جوهرها تطبيعاً بلا حق ولا عدالة، أما إذا تعثّر هذا المسار بفعل نجاح إيران في استيعاب الخطر الداخلي والتصدي للخطر الخارجي، ساعتئذ قد يكون هناك أمل في حال قيام تحالف إسلامي عربي باكستاني، إيراني، تركي، سوري، عراقي، سعودي، على أساس القاعدة القائلة إنّ الصراع في المنطقة، كما النصر والاستسلام، لا تسوّيهم الكلمات؛ بل القدرات والإمكانات والمصالح المشتركة، ولتكن أولويتنا “الإتفاقيات المحمدية” ربما لأنّ فيها منعتنا ووحدتنا بدل أن نسعى للانخراط في “الاتفاقيات الإبراهيمية”.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  عندما كانت بيروت مساحة دبلوماسية عربية.. جامعة (2/2)