لدى سعید گلکار(*)، المُحلّل السياسي في مجلة “فورين بوليسي”، وجهة نظر تقول إن النظام في طهران مُحاطٌ بهيكل تنظيمي-أمني- مُحكم، يتألف من ثلاث طبقات (“بيت القيادة”، الحرس الثوري ومعه شبكة رجال الدين الموالين، والحكومة والإدارة العامّة). هذا “الهيكل” يعمل بطريقة عالية التنسيق تقلّل، بشكل حادّ، من احتمال تحوّل السخط الشعبي إلى انقسام داخل النُخبة، وهو الشرط الضروري لانهيار الأنظمة السلطوية (…).
يرى گلکار أن المشكلة لا تكمن في غياب معارضة واسعة النطاق (…)، كذلك فإن الافتراض أن النظام لا يتمتع بشعبية يُعدُّ قراءة خاطئة (…)، والقضية الجوهرية ليست ما إذا كان الإيرانيون يرغبون في التغيير أم لا، بل لماذا أخفقت الاحتجاجات المتكررة في إحداث قطيعة سياسية حقيقية بين الناس والنُخبة الحاكمة؟ ولماذا لم تؤدِّ، حتى الآن، إلى تصدّع النظام! والإجابة- وفق ما يقوله گلکار- هي أن الجمهورية الإسلامية في إيران بُنيت وصُمِّمت على النحو الذي يتيح لها أن تعمل كنظام أمني ثيوقراطي مُنظَّم، يتمحور حول شخص المرشد الأعلى، آية الله السيّد علي خامنئي، وأفراد عائلته وأعوانه المقربين. كما أن السلطة مُوزعة وفق تركيبة دوائر متّحدة، يتصدر مركزها خامنئي شخصياً وأفراد عائلته المباشرون، ولاسيما أبناؤه.
برأي گلکار، السلطة في طهران ليست مؤسسية بقدر ما تتسم بطابع شخصي شديد. واستمراريتها لا تعتمد على قوة أداء مؤسسات الدولة- مثل البرلمان والحكومة والقوانين- بقدر ما تعتمد على قرب مسؤوليها من خامنئي شخصياً ومن أفراد عائلته المباشرين. ويقول إن خامنئي لا ينظر إلى نفسه بوصفه مجرد سلطة سياسية، بل كـ”حارس” مُؤتمن على حماية الجمهورية الإسلامية، ويعتبر نفسه مُكلفاً شخصياً بهذه المسؤولية “المُقدسة”. و”هو اعتقاد يجعل من أي تردّد أو تسوية؛ من أي نوع كانت؛ شبه مستحيلة، خصوصاً في أوقات الأزمات. لذلك قيادته قائمة على أُسس الصرامة والانضباط الشديدين”، بحسب گلکار (…).
“بيت القيادة”
يقول گلکار إن الواقع التنظيمي-الهيكلي، أكثر من الرأي العام والمزاج الشعبي، هو الذي يرسم حدود التغيير السياسي في إيران اليوم، ويعكس قيادة تعطي الأولوية لبقاء النظام كـ”واجب مُقدس” لا خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض.
ويضيف، أن ما يُعرف بـ”بيت القيادة” (بيت “الرهبر” بالإيرانية)، أو مكتب المرشد الأعلى، هو “أقوى مؤسسات الجمهورية الإسلامية وأكثرها غموضاً، ويعمل بوصفه السلطة التنفيذية الفعلية للنظام”. وهذا “المكتب”، وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، “تطور إلى ما يُشبه دولة موازية شاسعة وغامضة تتربّعُ فوق الدستور والبرلمان والرئاسة”. وأصبح يضمُّ آلافاً من الموالين والمخلصين للجمهورية الإسلامية، بينهم رجال دين ومسؤولون أمنيون وتقنيون ذوي توجهات أيديولوجية متشدّدة، و”هؤلاء يشكلون عملية صنع القرار في المجالات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والقضائية والثقافية. وبدلاً من الحكم عبر القواعد الرسمية أو الضوابط المؤسسية، يتولى خامنئي القيادة المُطلقة من خلال أفراد موثوقين منتشرين في جميع أرجاء الدولة”.
الشرط الضروري لانهيار أي نظام هو أن يتحوّل السخط الشعبي إلى انقسام داخل النُخبة الحاكمة.. وحتى الآن الاحتجاجات في إيران أخفقت في إحداث قطيعة سياسية حقيقية
ويتابع گلکار أن “بيت القيادة” يعمل أيضاً كـ”قناة” رئيسية يمارس من خلالها أفراد عائلة خامنئي المباشرون، ولا سيما الأبناء، نفوذهم، ما يجعله “مركز سلطة” يجمع بين الطابع المؤسسي والعائلي في آنٍ واحد. فـ”بيت القيادة”- بحسب گلکار- ليس مجرد امتداد لسلطة خامنئي، بل هو “الآلية” التي تُمكّنه من الاستمرار في الحكم، وامتصاص الصدمات، وفي الوقت نفسه ممارسة سلطته بشكل فعّال “من دون أن يكون مراقباً بشكل مباشر من العامّة أو وسائل الإعلام”.
الطاعة واجب مقدّس
ويتحدث گلکار عن دورٍ لشبكة واسعة من رجال الدين- الحوزات العلمية، وخُطباء صلاة الجمعة، وممثلي المحافظات، وكبار رجال الدين الموالين للنظام الإسلامي- تُحيط بالمرشد الأعلى، وتُقدَّم سلطته على أنها مُستمدّة من “إرادة إلهية”. فالمرشد الأعلى ليس مجرد قائد سياسي، بل ممثل للإمام المهدي المُنتظر. “وهذا التأطير اللاهوتي يحوّل طاعة المرشد إلى واجب ديني، ويُعيد صياغة أعمال القمع على أنها ضرورة أخلاقية وليست مجرد خيار سياسي. كما تعزّز المؤسسات الدينية- مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور- هذه الشرعية المقدسة، بينما تفرض في الوقت نفسه الانضباط على أي معارضة داخل المؤسسة الدينية نفسها”، وفق وجهة نظر گلکار.
درع الحماية الصلب
ويتحدث گلکار عما وصفه بـ”درع الحماية الصلب” للنظام، والمتمثل- بحسب قوله- في مجموعة من الأجهزة والقوى الأمنية، أبرزها حرس الثورة الإسلامية، والأجهزة الأمنية المختلفة، والقوات شبه العسكرية، وفي مقدمتها قوات “الباسيج” (وتعني بالفارسية تعبئة المضطهدين أو المستضعفين) (…).
فمهام الحرس الثوري- كما يراها گلکار- تتركز على احتواء الاضطرابات من خلال قيادات إقليمية لامركزية تجمع بين الحرس الثوري وقوات “الباسيج” وقوات الأمن المحلية. في حين يعمل “الباسيج”؛ “الذي يمتلك مكاتب في الأحياء وداخل المدارس وأماكن العمل”؛ كـ”شبكة للمراقبة والتعبئة والإكراه: تمتص الغضب الشعبي عبر القمع، بينما تحمي النظام من الضغوط الاجتماعية”.
وعلى الصعيد الداخلي، يقول گلکار إن “الحرس” نجح في ترسيخ نفوذه الاقتصادي والسياسي “عبر شبكات واسعة مدعومة من الدولة، ما جعله مسيطراً على قطاعات رئيسية، ومكَّنه من اكتساب استقلالية مالية”، وكل هذا تمَّ بأمر مباشر من خامنئي كوسيلة لاستمالة “الحرس”. ولهذا السبب يبقى “الحرس” مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمرشد الأعلى و”بيت القيادة”، إذ أن بقاءه يعتمد على بقاء نظام خامنئي نفسه، ودائماً وفق وجهة نظر گلکار.
ويوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي في تشاتانوغا وجهة نظره بالقول إن هذه الطبقات الثلاث (“بيت القيادة”، “الحرس” ومعه شبكة رجال الدين، الحكومة والإدارة العامّة) تحيط بخامنئي، وتشكل مجتمعةً النظام وأدواته التي تدعمه وتحميه وتضمن استمراره. كما أنه يشبّه خامنئي بـ”رأس النظام”، و”بيت القيادة” بـ”الجذع الذي ينسّق عمل النظام ويسيطر عليه”، أما “الحرس” وشبكة رجال الدين الموالين فهما “اليدان” اللتان تفرضان السلطة وتمنحانها الشرعية الدينية. ويقتصردور الحكومة والإدارة العامة على دعم النظام دون توجيهه، في حين تستمر الوزارات والبلديات والمؤسسات الخدمية في إدارة شؤون الحكم اليومية والحفاظ على استمرارية المؤسسات. وتمثل هذه الطبقة الخارجية وسيلة لامتصاص الإحباط الشعبي وإظهار النظام وكأنه يعمل بصورة طبيعية، لكن سلطتها محدودة. فالبيروقراطية تدير المجتمع الإيراني، لكنها لا تحكم النظام.
ويشدّد على أن الجمهورية الإسلامية “ليست متماسكة لأنها تحظى بالشرعية أو بالقبول الشعبي، بل لأنها صُمِّمت، عمداً، لامتصاص الضغوط، وتركيز السلطة، وحماية مركزها من المجتمع”.. و”أيُّ تقييم جاد لمستقبل إيران السياسي يجب أن ينطلق من هذه البُنية، لا من افتراضات مُستمدة من تشبيهات ثورية أو توقعات بانهيار حتمي”.
ويختم گلکار قائلاً: “هذا الهيكل التنظيمي يُقلل، بشكل حادّ، من احتمال تحوّل السخط الشعبي إلى انقسام داخل النخبة، وهو الشرط الضروري لانهيار الأنظمة السلطوية. فالاحتجاجات تتم محاصرتها من قبل قوات الأمن، وتُحجَب أو تُشوَّه من خلال جهاز دعائي يخضع لسيطرة مكتب المرشد الأعلى، كما يتم احتواءها بموجب إجراءات بيروقراطية روتينية.. ويجري تبرير كل ذلك بخطاب ديني مدروس جيداً. وبهذا تظلُّ السلطة مركزية، محصَّنة، ومحمية بمؤسسات تعتمد في ديمومتها على الحفاظ على جوهر النظام”.
– ترجمة بتصرف عن “فورين بوليسي“.
(*) سعید گلکار، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي في تشاتانوغا- في ولاية تينيسي الأميركية.
