شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. فقد تحركت أصول بحرية أميركية ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية (CENTCOM)، وازدادت حدّة الرسائل العلنية الصادرة من واشنطن، في حين تناوب المسؤولون في الجمهورية الإسلامية بين التأكيد على أن طهران لا تسعى إلى الحرب، والتحذير من أن أي ضربة عسكرية حتى لو كانت محدودة ستقابل بردّ شامل. هذا المزيج من الاستعراض العسكري والغموض الخطابي عزّز الانطباع بوجود أزمة تتسارع وتيرتها.
في طهران، لا يُنظر إلى اللحظة الراهنة بوصفها حدثًا معزولًا، بل باعتبارها نقطة تتويج لمسار قائم منذ فترة طويلة. بالنسبة إلى النخبة الأمنية الإيرانية، لا يشكّل الوضع الحالي تدهورًا مفاجئًا ناجمًا عن قمع الاحتجاجات، بل هو استمرار لمسار بدأ مع «حرب الأيام الاثني عشر» في حزيران/يونيو 2025 ولم ينتهِ بعدها. من هذا المنظور، انتهت تلك الحرب بوقف هشّ لاطلاق النار أكثر منه تسوية ثابتة، ولم يُتعامل مع المرحلة اللاحقة باعتبارها خفضًا للتصعيد، بل كاستراحة مؤقتة في مواجهة أطول يتغير شكلها لا جوهرها مع الوقت.
هذا الفهم يُحدّد طريقة قراءة طهران للضغوط الخارجية وخياراتها الذاتية. فالقيادة الإيرانية لا تعتقد أنها تُساق إلى الحرب صدفة، بل ترى نفسها تعمل ضمن بيئة صدامية متوقعة سلفًا، جرى التحضير لها عسكريًا وتنظيميًا وسياسيًا منذ أشهر. وتقوم الاستراتيجية الحالية على افتراض أن رفع أثمان أي عمل عسكري من جهة، وإظهار الجهوزية لتحمّل الضغوط والردّ عليها من جهة ثانية، قد يسمحا في نهاية المطاف باستعادة الردع وضمان بقاء النظام. غير أن مدى صلابة هذا الافتراض يبقى موضع شك.
حرب لم تحسم
لهذا لم يُنظر إلى مرحلة ما بعد حرب الإثني عشر يوماً بوصفها عودة إلى الردع المستقر، بل كمرحلة انتقالية تتبدل فيها ساحات الصراع. لم يكن متوقعًا استئناف القتال فورًا، بل استمرار محاولات إسرائيل والولايات المتحدة التعويض عن أهداف لم تتحقق عبر وسائل أخرى: العقوبات، العزل السياسي، العمليات السرية، وربما القوة العسكرية حين تسمح الظروف.
ضمن هذا الإطار، أُخذت التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة بجدية في طهران. فعمليات الانتشار البحري وتبدّل أوضاع الجهوزية لا تُقرأ باعتبارها مجرد ضغط تفاوضي أو تهديدات فارغة، بل كاستعدادات لسيناريو يُفترض أصلًا أنه لم يُغلق. وكان هذا التفسير حاضرًا حتى قبل اندلاع الاحتجاجات الداخلية، لكنه ازداد ترسخًا بعدها.
وينسحب المنطق ذاته على العقوبات. فقد عزّز تفعيل آلية «سناب باك» لإعادة العقوبات الأممية في أيلول/سبتمبر 2025 الاعتقاد بأن المواجهة لم تنتهِ بل غيّرت أدواتها. فالعقوبات، في نظر طهران، ليست مسارًا دبلوماسيًا منفصلًا، بل أداة ضمن صراع مستمر يهدف إلى إضعاف إيران داخليًا وتضييق خياراتها قبل المواجهة المحتملة.
بكلام آخر، لا تقسم القيادة الإيرانية العام الماضي إلى مراحل منفصلة من حرب وأزمة ودبلوماسية، بل تراه مسارًا واحدًا تتبدل فيه الساحات والأدوات من الصواريخ والدفاعات الجوية إلى العقوبات والضغط الداخلي والرسائل البحرية، بينما يبقى الصراع نفسه. ومن هنا يُفهم الحاضر ليس كأزمة تنزلق فجأة إلى التصعيد، بل كمرحلة ما قبل حرب في مواجهة لم تتوقف أصلًا.
من الاحتجاج إلى التلاقي الخطر
لا يمكن فهم حجم العنف الذي واجه به النظام الإيراني الاحتجاجات الأخيرة بمعزل عن هذا السياق. فالنخبة الإيرانية لطالما تعاملت مع الاحتجاجات بوصفها ظاهرة مزمنة يمكن احتواؤها بالقمع المدروس وبعض التنازلات. لكن ما ميّز هذه الموجة كان توقيتها، إذ تزامنت مع ضغط خارجي مستمر ومواجهة عسكرية غير محسومة، ما فعّل هاجسًا قديمًا داخل النظام: «التلاقي».
ويقصد بهذا التلاقي تزامن الهشاشة الداخلية مع التهديد الخارجي. فالقيادة تدرك هشاشات بنيوية—اقتصادية، اجتماعية، بيئية—لكنها لا ترى أيًا منها منفردًا تهديدًا وجوديًا. وكذلك الحال مع الضغوط العسكرية الخارجية. “الخط الأحمر”، في تقدير طهران، “يكمن في تفاعلهما معًا”.
القلق الأساسي بعد حرب الأيام الاثني عشر كان أن تترافق الاحتجاجات الواسعة مع ضربة عسكرية جديدة. في هذا السيناريو، ستواجه الدولة ضغطًا مزدوجًا على أدواتها وشرعيتها وقدرتها على القرار. ومن هنا جاءت التحذيرات داخل الأوساط الموالية للنظام من أن الدولة قد تصمد أمام اضطراب داخلي أو هجوم خارجي، لكنها قد لا تصمد أمام الاثنين معًا.
في هذا السياق تحديدًا يجب فهم مجزرة المحتجين: لا كرد فعل عفوي، بل كخيار مقصود لإزالة ما اعتُبر ثغرة استراتيجية. قُتل الآلاف بسرعة وحسم، ليس فقط لاستعادة النظام، بل لمنع سيناريو تُشن فيه ضربة خارجية فيما الشارع في حالة غليان. بهذا المعنى، تحوّل القمع إلى فعل استباقي على الجبهة الداخلية.
وحمل العنف رسالة مزدوجة: داخليًا، أن أي تهديد للاستقرار سيُواجَه بقوة غير محدودة؛ وخارجيًا، أن النظام مستعد لتحمّل كلفة قصوى—حتى على حساب شرعيته—إذا رأى أن بقاءه مهدد. والرسالة الأوسع أن الرهان على استثمار الاضطراب الداخلي لإضعاف الجمهورية الإسلامية قبل ضربة عسكرية يقوم على سوء قراءة لموقفها.
إذا تصاعدت المواجهة، يرى المخططون الإيرانيون أن المجال البحري هو الساحة الأرجح لفرض كلفة من دون انهيار استراتيجي فوري. يستند ذلك إلى افتراضين: احتفاظ إيران بقدرات غير متماثلة بحرية، واعتماد الولايات المتحدة الكبير على القوة البحرية في أي حملة إقليمية. لكن هذا لا يعني العودة إلى سيناريوهات قصوى كإغلاق مضيق هرمز. فالتفكير الإيراني ابتعد عن هذه الخيارات المكلفة سياسيًا والصعبة الاستدامة، لمصلحة نموذج تعطيل انتقائي ومستدام
ردع تحت الضغط ومخاطر سوء التقدير
في صلب المقاربة الإيرانية الحالية تشخيصٌ بات واسع الانتشار داخل المؤسسة الأمنية: الضغط مستمر لأن واشنطن تعتقد أن إيران ضعفت. فحرب الأيام الاثني عشر، والعقوبات، والاحتجاجات الواسعة أسهمت، برأي طهران، في تكوين انطباع أميركي بأن قدرة إيران على تحمّل مزيد من الضغوط باتت محدودة. ومن هنا بات «تصحيح هذا الانطباع» هدفًا بحد ذاته.
يشرح هذا التصعيد الخطابي الإيراني الأخير. فالتحذير من أن أي ضربة حتى لو كانت محدودة ستُعامل كحرب شاملة وهذا الأمر لا يعكس رغبة إيرانية في المواجهة، بل محاولة لطمس الفارق بين الضربات المحدودة والحرب الواسعة، ونزع فكرة «الخيارات القابلة للإدارة» من حسابات واشنطن. في نظر طهران، فُسّرت الضبابية وضبط النفس سابقًا كضعف، ولهذا يُراد اليوم تصحيح القراءة بإشارات أكثر حدّة ووضوحاً.
عمليًا، عملت إيران على تكييف وضعيتها الردعية: لامركزية قيادة الصواريخ، تعزيز المرونة في أنظمة القيادة والسيطرة، وتوزيع صلاحيات القرار السياسي والعسكري. الهدف هو ضمان القدرة على الصمود والرد حتى في حال تضرر عقد القرار المركزية. الافتراض هنا ليس تجنّب الحرب بالكامل، بل جعلها قابلة للاحتواء.
غير أن هذا المسار يجري في ظل توتر استراتيجي واضح، ينعكس في إشارات متناقضة. فقد لمح بيان لمجلس الدفاع في 6 كانون الثاني/يناير إلى إمكان التحرك قبل تبلور التهديد، ما فُهم كإيحاء بضربة استباقية، في حين شددت وزارة الخارجية على الطابع الدفاعي والانفتاح على الدبلوماسية. وزاد بيان مقر «خاتم الأنبياء» في 26 كانون الثاني/يناير الغموض حين أكد أن إيران لا تبدأ حربًا لكنها لن تسمح ببلوغ التهديد مرحلة التنفيذ.
هذا الغموض يعكس نقاشًا داخليًا غير محسوم. فداخل دوائر صنع القرار تُناقَش مخاطر الضربة الاستباقية: صعوبة تحقيق المفاجأة، احتمال العزلة الدولية السريعة، ثغرات الدفاع الجوي، وعدم اليقين حيال الدعم الداخلي. الانتظار يحمل مخاطر، لكن المبادرة تحمل مخاطر أخرى.
بصورة عامة، تعيد إيران ضبط ردعها من دون توافق مؤسسي كامل على عتبات التصعيد أو استراتيجية المواجهة، ما يجعل اتخاذ القرار يجري في بيئة مضغوطة، يختلط فيها الخوف من الضعف بالإشارات المتشددة والخلافات الداخلية. في مثل هذه الظروف، لا يكمن الخطر الأساسي في التصعيد المتعمد، بل في سوء التقدير.
البحر كساحة محتملة وحدود الرهان
إذا تصاعدت المواجهة، يرى المخططون الإيرانيون أن المجال البحري هو الساحة الأرجح لفرض كلفة من دون انهيار استراتيجي فوري. يستند ذلك إلى افتراضين: احتفاظ إيران بقدرات غير متماثلة بحرية، واعتماد الولايات المتحدة الكبير على القوة البحرية في أي حملة إقليمية.
لكن هذا لا يعني العودة إلى سيناريوهات قصوى كإغلاق مضيق هرمز. فالتفكير الإيراني ابتعد عن هذه الخيارات المكلفة سياسيًا والصعبة الاستدامة، لمصلحة نموذج تعطيل انتقائي ومستدام: مضايقات، ضغط على الملاحة، وعمليات محسوبة ترفع الكلفة تدريجيًا بدل صدمة واحدة. في هذا الإطار تُفهم تصريحات نائب قائد بحرية الحرس الثوري عن «التحكم الذكي» بالمضيق.
وتحتل تجربة الحوثيين في البحر الأحمر قبالة اليمن موقعًا بارزًا في الخيال الاستراتيجي الإيراني، بوصفها مثالًا على القدرة على فرض كلفة مستمرة. غير أن تعميم هذا الدرس ينطوي على مخاطر. فإيران ليست الحوثيين؛ نظامها أكثر هشاشة أمام ضغط طويل الأمد، داخليًا واقتصاديًا واجتماعيًا. كما أن إسرائيل تبقى عاملًا غير قابل للضبط، قد يقلب حسابات التصعيد.
جاهزية بلا ضمانات
لا تتعامل الجمهورية الإسلامية مع احتمال الحرب بإنكار أو استهانة. فهي تستعد على قاعدة أن البيئة الاستراتيجية دخلت طورًا وجوديًا، وأن التردد بات يُقرأ كدعوة لمزيد من الضغط. لكنها، في الوقت نفسه، لا تمتلك تفوقًا استراتيجيًا. فقد أظهرت حرب الأيام الاثني عشر محدودية لا يمكن تجاوزها بسهولة: الفجوة التكنولوجية، خصوصًا في الاستخبارات والدفاع الجوي والضربات الدقيقة.
هذا الضعف يتقاطع مع منطق ردعي آخذ في التصلب. فالضغط المستدام قد يعزز داخل النظام الأصوات الداعية إلى الضربة الاستباقية، فيما يزيد غياب التوافق وسوء الإشارات خطر الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع.
ما بات واضحًا أن طهران لم تعد ترى المواجهة الحالية أزمة هامشية يمكن إدارتها، بل صراعًا يمسّ جوهر بقاء النظام، وهي مستعدة لتحمّل كلفة عالية ردًا على ذلك. غير أن ما هو مؤكد أكثر أن حربًا تُدار في ظل عدم تماثل، ورهانات وجودية، وسوء قراءة متبادل، لن تقتصر تداعياتها على إيران وحدها، بل ستزعزع منطقة تقف أصلًا على حافة الانهيار الاستراتيجي.
(*) هذه المقالة مترجمة بواسطة الذكاء الإصطناعي ومصدرها بالانكليزية حساب الكاتب حميد رضا عزيزي على منصة “إكس“
