أزمة المعنى أم أزمة البنية؟ كيف يُفرغ التخلف من جذوره المادية؟

في مقالته المنشورة على موقع 180 بوست تحت عنوان «أزمة المعنى في العالم العربي: من نجاة الفرد إلى فشل الدولة»، يُقدّم د. علي العزي تشخيصاً فلسفياً لأحد أكثر مظاهر الانهيار العربي حضوراً: فقدان المعنى بوصفه الإطار الأخلاقي والرمزي الذي يمنح الفعل الإنساني اتجاهه وقيمته التاريخية.

الأزمة، بحسب نص د. علي العزي، ليست أزمة موارد أو كفاءات أو إدارة، بل أزمة تمسّ جوهر العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، حيث يتحول التقدم إلى تسارع تقني بلا أفق، والنجاح الفردي إلى فعل نجاة خارج إطار جمعي عاجز عن احتوائه. ويعزو الكاتب هذا الانفصال إلى دخول الحداثة إلى المجال العربي كنموذج مستورد وأدوات جاهزة، لا كتجربة تاريخية نابعة من تحوّل داخلي في الوعي، ما أفضى إلى نشوء دولة مكتملة الشكل ناقصة المسار، بلا عقد اجتماعي ومعنى جامع، تُدار كجهاز لا كفضاء لتحقيق الذات والمشاركة العامة.

لا يمكن تجاهل هذا التشخيص؛ فهو يلتقط أعراضاً حقيقية تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة. غير أن الإشكال المنهجي الذي يعتري النص يتمثل في قلب العلاقة بين البنية المادية (التحتية)، والفوقية (الوعي)، بحيث يُقدَّم فقدان المعنى بوصفه العلة الأولى، لا بوصفه نتاجاً تاريخياً لعلاقات إنتاج محددة وصراعات طبقية ملموسة. فالمعنى لا ينهار في الفراغ، ولا يُستعاد بالإرادة الأخلاقية وحدها، بل يتشكّل ويتآكل ضمن سيرورة تاريخية تحكمها علاقات العمل، الملكية، القوة، والتبعية. وحين يُعزل سؤال المعنى عن هذه الشروط، يتحوّل من مدخل نقدي إلى مقاربة مثالية تُفرغ التخلف من جذوره المادية.

ويظهر هذا الخلل بوضوح في طريقة تناول النص لمسألة الدولة. فالدولة العربية لا تفشل لأنها تفتقر إلى “أفق رمزي” فحسب، بل لأنها نشأت تاريخياً ضمن اندماج قسري في السوق الرأسمالية العالمية، وبوظيفة محددة داخل نظام إمبريالي لا يسمح بتشكّل مسارات تنموية مستقلة. هنا تكتسب أطروحة المفكر المصري سمير أمين أهميتها التفسيرية، إذ بيّن أن التخلف ليس مرحلة ناقصة من التطور، بل نمط إنتاج تاريخي قائم بذاته، يُعاد إنتاجه عبر علاقات تبعية بنيوية تنقل الفائض من الأطراف إلى المراكز. في هذا السياق، لا تكون الدولة في البلدان الطرفية دولة «بلا معنى»، بل دولة ذات وظيفة طبقية واضحة: إدارة التبعية، وضبط المجتمع، ومنع تحوّله إلى قوة سياسية منظَّمة. ففشل الدولة في احتضان نجاحات الأفراد ليس خللاً في الأداء، بل نتيجة مباشرة لبنية طبقية لا تحتاج إلى تعميم النجاح، بل إلى احتكاره وتوظيفه في إعادة إنتاج السيطرة.

ضمن هذا الإطار، يصبح السؤال الذي يطرحه النص حول انفصال الفرد عن المجال العام قابلاً لإجابة مادية مباشرة. فالنجاح الفردي لا يفشل في التحوّل إلى مشروع عام بسبب غياب الوعي فقط، بل لأن تحوّله هذا يتناقض مع مصالح القوى الطبقية المهيمنة، المرتبطة بالرأسمال العالمي. لذلك يُعاد إنتاج النجاح بوصفه هجرة، أو مبادرة فردية، أو اندماجاً في السوق، فيما يُفرَّغ المجال العام من مضمونه السياسي، ويغدو الانسحاب سلوكاً عقلانياً لا خياراً أخلاقياً.

ويتفق هذا التحليل مع ما يوضحه المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل في كتابه “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية”، حيث يُشدّد على أن الأزمة التي يُطرح أنها أزمة «حضارة» أو أزمة «تخلف فكري» ليست في جوهرها أزمة ثقافة أو وعي، بل أزمة بنية اجتماعية–اقتصادية طبقية. في هذا الكتاب، ينتقد عامل تحوّل مشكلات المجتمعات العربية إلى مفاهيم إيديولوجية مبسطة مثل «أزمة حضارة» أو «أزمة فكر»، ويُبيّن أن هذه التصورات لم تكن في أصلها سوى مفاهيم مضللة اختصرت الأزمة في رموز ثقافية مجردة، في حين أن ما يجري في صميم الواقع هو أزمة البرجوازيات العربية المسيطرة وأزمة نمط الإنتاج المسيطر والموقع التابع لهذه البنية الاجتماعية في النظام الرأسمالي العالمي. من هذا المنظور، ليست المشكلة أننا نفتقد «المعنى» محضاً، بل أن بنية الإنتاج والعلاقات الطبقية تملي شكل الوعي والمعنى ذاته، بحيث تتحوّل مفاهيم مثل الحضارة أو التقدّم إلى ستار إيديولوجي يخفي علاقة التبعية والنهب الامبريالي بدل أن يفصح عن جذور التخلف في الواقع المادي للعلاقات الاجتماعية.

ويبلغ الطرح المثالي ذروته حين يُحمّل النص المجتمع نفسه، أو “الإنسان العربي”، مسؤولية تثبيت هذا الاختلال عبر الخضوع والتكيّف والانسحاب. فهذا المنحى الأخلاقوي يُفرغ القهر من شروطه التاريخية، ويتعامل مع الخضوع بوصفه خياراً نفسياً أو ثقافياً، لا نتيجة لعلاقات قمع واستغلال وبطالة بنيوية وتفكك طبقي. فالانسحاب من المجال العام لا يمكن فهمه خارج واقع دولة لا تسعى لتنظيم القدرات الاجتماعية الكامنة، واقتصاد يُدمّر شروط العيش الكريم، وسوق عمل يسحق أي أفق للاستقرار. حين تُنتزع هذه الشروط من التحليل، يتحول القمع إلى “ثقافة”، والاستغلال إلى “اعتياد”، والعجز إلى ذنب أخلاقي.

Veselovsky

أما استعادة النص للتصوّر الهيغلي للدولة بوصفه تجسيداً لـ«الروح الموضوعية»، وأفق تحقق الفرد في بعده الإنساني العام، فإنها تتجاهل طبيعة الدولة في المجتمعات الطبقية. فالدولة ليست فضاءً محايداً للمعنى ينتظر اكتماله الأخلاقي، بل هي تكثيف لعلاقات القوة الطبقية السائدة وأداة لإعادة إنتاجها. غياب العقد الاجتماعي في العالم العربي ليس خللاً في وظيفة الدولة فحسب، بل نتيجة غياب برجوازية وطنية منتجة، وضعف الحركة العمالية وأحزابها الثورية، وغياب توازن قوى قادر على فرض مسار تاريخي بديل.

إقرأ على موقع 180  أزمة المعنى في العالم العربي: من نجاة الفرد إلى فشل الدولة

وإذا أعدنا تأويل مفهوم «أزمة المعنى» نفسه من منظور ماركسي، فإنه يظهر بوصفه تسمية لحالة اغتراب. ففي البلدان الطرفية، لا يقتصر الاغتراب على بعد فردي أو ثقافي، بل هو تعبير بنيوي عن استغلال طبقي داخلي مركّب، وتبعية خارجية لمراكز الإمبريالية. فالإنسان يُنتزع من قدرته على التحكم بشروط حياته، ويُختزل إلى أداة في سيرورة إنتاج لا يملكها، فيما تُفرَّغ الدولة والمؤسسات من أي مضمون تحرري، لتغدو أدوات تدافع عن مصالح الطبقات والشرائح المرتبطة بالرأسمال العالمي. هنا لا يكون فقدان المعنى أزمة أخلاقية، بل الممارسة اليومية للهيمنة.

في المحصلة، يقدّم نص د. علي العزي تشخيصاً لأعراض الانهيار العربي، لكنه يبقى أسير مقاربة مثالية تستبدل الصراع الطبقي بسؤال المعنى، وتفصل التخلف عن الإمبريالية كنظام تاريخي، وتحول الأزمة من مسألة قابلة للتغيير إلى مأزق وجودي طويل الأمد. إنه وعي بلا طبقة، ونقد بلا سياسة، ومعنى بلا صراع. نص يلقي الضوء على المشكلة، لكنه يتوقف عند مستوى الوصف الرمزي، من دون أن ينفذ إلى الشروط المادية التي تجعل هذه المشكلة قابلة تاريخياً للحل.

في الخلاصة، وفي ظل سلطةٍ منزوعـة الإرادة، منصاعة بالكامل للمشروع الأميركي، لا تُطرح المهام التحررية بوصفها برنامجاً إصلاحياً داخل الدولة، بل بوصفها عملية بناء مضادّة داخل المجتمع. هنا، لا يكون الخروج من التبعية فعلاً أخلاقياً أو خطاباً سيادياً، بل مساراً مادياً لتشكيل كتلة تاريخية تربط بين الطبقات المنتجة، وأشكال التنظيم الاجتماعي، والاقتصاد الوطني، ووعي سياسي يفضح وظيفة السلطة التابعة. في هذا السياق بالذات، تكتسب المقاومة اللبنانية المسلحة في مواجهة العدو الصهيوني معناها التاريخي، لا كاستثناء عسكري، بل كأحد أعمدة هذه الكتلة، وكشرط مادي لكسر منطق الإخضاع وفرض حدود على الهيمنة. فحيث تُصادَر الدولة وتُفرَّغ السياسة، تصبح المقاومة بكل أشكالها جزءاً من إعادة تعريف الممكن التاريخي، ويغدو التقدم فعلاً صراعياً ملموساً، لا وعداً رمزيّاً، وتتحول مواجهة التبعية من شعار إلى ممارسة طويلة النفس لإعادة امتلاك القرار والقدرة والمعنى معاً.

(*) راجع نص الدكتور علي العزي: أزمة المعنى في العالم العربي.. من نجاة الفرد إلى فشل الدولة

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  طهران تقدم أجوبتها للأوروبيين: خطوة مقابل خطوة