“حوار الردع” بين واشنطن وطهران: “التصعيد المُقيَّد” وسيناريوهات المواجهة

ما زال التصعيدُ المقيَّد سمةَ الموقف في إدارة أزمةٍ مفتوحة على جميع الاحتمالات بين الولايات المتحدة وإيران. تفاوضٌ على الأرض عبر استعراض القوة من جهة الولايات المتحدة (التحركات العسكرية البحرية)، وتهديداتٌ بحربٍ على مستوى الإقليم من طرف إيران، فيما لو ذهبت واشنطن إلى خيار الحرب المحدودة في الجغرافيا الإيرانية من حيث أهدافها العسكرية.

إنه، باختصار، حوارُ ردع، فيما تتحرّك الأطراف الإقليمية (قوى عربية وتركيا) بشكلٍ ناشط، وبصيغٍ وأشكالٍ مختلفة، في مسارات التوسّط والتفاوض غير المباشر ضمن دبلوماسية وقائية، يصفها البعض بالاستباقية، لمنع حصول الحرب، أيًّا كان السيناريو المحتمل لها في حال اندلاعها.

وللتذكير، هناك «سلةً من القضايا» على طاولة المفاوضات المحتملة من جهة واشنطن، تجمع بين النووي، والصواريخ الباليستية، ودور الوكلاء أو الحلفاء الإقليميين لإيران على صعيد المنطقة. إسرائيل، بالطبع، تفضّل سيناريو الحرب بهدفٍ أساسي هو التخلّص كليًا من النووي الإيراني، لكنها لن تذهب وحدها إلى هذا السيناريو دون مشاركة واشنطن، أو على الأقل دون ضوءٍ أخضر أميركي في هذا الصدد. يعكس هذا الأمر الاستراتيجية النووية الإسرائيلية منذ قيام دولة إسرائيل، أي استراتيجية بن غوريون، وقوامها الاحتكار الكلّي للعامل النووي في الإقليم وعدم إضاعة الفرصة، متى سمحت الظروف – كما في الحالة الإيرانية – لتحقيق هذا الهدف.

ويزيد من ذلك أن إيران تخطّت، بشكلٍ كبير، في عملية تخصيب اليورانيوم، بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السقف المسموح به وفقًا لاتفاقية حظر الانتشار النووي، وصارت تملك الجهوزية (اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة) لدخول نادي القوى النووية خلال أشهرٍ قليلة، وهو ما يشكّل خطًا أحمر إسرائيليًا وأميركيًا. وبالطبع، لا تستطيع إسرائيل تخطّي السقف الأميركي في قرار حربٍ من هذا النوع، خاصةً أنها تدرك عدم قدرتها على تحقيق أهدافها بمفردها دون واشنطن، التي قد تلجأ إلى عنصر القوة – كما أشرنا – إذا لم تستطع تحقيق ذلك بواسطة الدبلوماسية.

المشهد الساخن اليوم يحمل ثلاثة سيناريوهات:
أول هذه السيناريوهات، هو التصعيد الدبلوماسي ولعبة «عرض العضلات العسكرية» عبر التحركات الجارية على مسرح المواجهة المحتملة، والتركيز عليها في إطار استراتيجية «ردع محسوب» تُواكب الوساطات الجارية والتفاوض غير المباشر، وصولًا إلى عودةٍ لتفاوضٍ مباشر بصيغةٍ ما يتم التوصّل إليها.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن إحدى صعوبات التفاوض، إذا ما نجح هذا السيناريو، هي السقف المرتفع للمطالب الأميركية من وجهة نظر إيران، ولا سيما مطالب إدارة ترامب بعد انسحابها من الاتفاق النووي المعروف باتفاق 5+1، وأهمها تصفير التخصيب النووي، والذهاب نحو التخصيب تحت سقفٍ مقبول في مركز تخصيب إقليمي خارج إيران. وهذه من الأمور الصعبة القبول بالنسبة إلى طهران، برغم أن لا شيء مستحيلًا في السياسة، وربما أمكن التوصّل إلى صيغةٍ ترضي الطرفين، صيغة تسمح بإنقاذ ماء الوجه لكلٍّ منهما، إلى جانب التوافق، بطبيعة الحال، حول ملفّي «الباليستي” و”دور الوكلاء».

إن دخول باب المفاوضات لن يكون بالأمر السهل، لكنه ليس مستحيلًا إذا ما صيغ تحت عنوان «المكسب المزدوج»، كما هو معروف في أدبيات التفاوض، ولو اختلفت طبيعة المكاسب والحوافز بين الطرفين.

ثاني هذه السيناريوهات، هو استعادةٌ، بشكلٍ أو بآخر، لسيناريو حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو الماضي، بما قد يفتح الباب أمام تفاوضٍ غير مباشر في البداية، يتبعه تفاوض مباشر، يفضي إلى تسويةٍ قد لا تكون شاملة وكاملة، ولا تضع حدًا نهائيًا للنزاع، لكنها قد تؤدي إلى وقفه، بما يسمح بمحاولة تثبيت هذا الواقع لاحقًا تمهيدًا لتطبيع العلاقات، التي لا تزال تعترضها صعوباتٌ متعدّدة ناجمة عن تباين مطالب الطرفين الأميركي والإيراني.

أما ثالث هذه السيناريوهات، فهو الانزلاق نحو حربٍ مفتوحة تتجاوز «المسرح القتالي الإيراني»، كما تهدّد إيران، لتشمل مواجهاتٍ أخرى مباشرة أو بالوكالة في الإقليم الشرق أوسطي، ولا سيما في مناطق تعيش استقرارًا هشًّا ناتجًا عن هدنٍ مؤقتة في حروب أو مواجهات قائمة، مباشرة أو بالوكالة. وهو ما يزيد من تعقيدات أي تسوية محتملة، إذا لم يتم الذهاب نحو منطق الحلول الشاملة أو الصفقات الكبرى، التي تبقى فاعلة ما دامت التوازنات التي صنعتها قائمة، وهي توازنات قابلة للتغيير دائمًا، كما علّمتنا دروس الأمس القريب والبعيد.

الأيام المقبلة ستُظهر أيّ سيناريو ستقود إليه التطورات الحاصلة في شرق أوسط يقف على مفترق طرقٍ متشابكة ومترابطة، ما تزال وجهته النهائية غير واضحة.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "أمريكا العمياء".. مع إسرائيل بلا حدود
ناصيف حتي

وزير خارجية لبنان الأسبق

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  لماذا نجحت" حماس" في ما فشل العرب فيه؟