هل يكون لبنان منصة حوار لاهوتي عالمي في مواجهة تديين الصراعات؟

 يشهد النظام الدولي في مرحلته الراهنة عودة مقلقة إلى تديين السياسة وتسييس اللاهوت، بحيث تُستدعى النصوص الدينية والرموز العقائدية لتبرير خيارات جيوسياسية قصوى، وصولًا إلى التلويح بالعنف الواسع بوصفه فعلًا أخلاقيًا أو "مقدّسًا".

في هذا السياق، تكتسب بعض التصريحات والمقاربات الفكرية الغربية خطورة مضاعفة، ليس فقط لما تنطوي عليه من تهديدات مباشرة للسلم الدولي، بل لأنها تعيد إنتاج منطق “الصراع الخلاصي” الذي يختزل التاريخ والإنسان والقانون في ثنائيات قاطعة بين خير مطلق وشر مطلق. من هنا، يبرز سؤال دور الدول ذات الرسالة الحضارية المركّبة، وفي طليعتها لبنان، في مواجهة هذا المنحى، لا عبر الاصطفاف السياسي التقليدي، بل عبر إنتاج خطاب معرفي-أخلاقي بديل، قادر على تفكيك هذه الطروحات من داخلها وإعادة الاعتبار لمنطق التعدد والشرعية الدولية.

إن توصيف الصراع بلغة “الجحيم المقدّس”، كما ورد في تصريحات بعض صناع القرار الأميركيين (السيناتور ليندسي غراهام)، يمثّل انزلاقًا خطيرًا من السياسة الواقعية إلى اللاهوت المؤدلج. فمفهوم “الجحيم” في التراث الديني الإبراهيمي، على اختلاف مقارباته، لم يكن يومًا أداة بيد السلطة الزمنية، بل كان تحذيرًا أخلاقيًا موجّهًا إلى الضمير الفردي والجماعي من مغبّة السقوط في الظلم والعنف. وعندما يُنعت الجحيم بـ”المقدّس”، فإن ذلك يفرغ القداسة من معناها الروحي، ويحوّلها إلى غطاء لغوي لإلغاء الآخر وتجريده من إنسانيته.

اللاهوت المسيحي، في تياراته الأساسية، رفض هذا الخلط، معتبرًا أن القداسة لا تُنسب إلى العنف، بل إلى فعل الخلاص والمحبة والعدالة، وأن الشر لا يُقدَّس بل يُدان. من هذا المنطلق، يصبح السؤال اللاهوتي حول “قداسة الجحيم” سؤالًا كاشفًا، لا لحدود المفهوم الديني فحسب، بل لحدود الشرعية الأخلاقية للخطاب السياسي حين يتجاوز ذاته.

في المقابل، تشهد الساحة الفكرية الأوروبية صعود أطروحات “يهودو- مسيحية” ذات طابع إقصائي (كتاب المرشح للرئاسة الفرنسية اليميني المتطرف اريك زمور تحت عنوان la messe n’est pas dite)، كما في بعض الأدبيات اليمينية المتطرفة التي تدعو إلى “انتفاضة” حضارية مغلقة، تُعرّف الهوية الأوروبية على أساس ديني- ثقافي صدامي. هذه المقاربة لا تقرأ التراث اليهودي والمسيحي قراءة لاهوتية أو إنسانية، بل توظّف هذين التراثين كهوية قتالية في مواجهة “الآخر”، سواء كان مسلمًا أم علمانيًا أم مختلفًا ثقافيًا. وهي بذلك تتناقض مع التاريخ العميق للمسيحية الأوروبية التي، برغم كل انحرافاتها التاريخية، طوّرت في العصر الحديث مفاهيم التعددية وحقوق الإنسان والفصل النسبي بين الديني والسياسي. الأخطر في هذا التيار أنه يعيد إحياء قراءة انتقائية للعهد القديم، تُستخرج منها مفاهيم “الشعب المختار” و”الحرب العادلة” بمعناها البدائي، ثم تُطعَّم بعناصر مسيحية مشوّهة، فينتج عن ذلك خطابٌ هجينٌ يُبرّر الإقصاء باسم الخلاص.

هذا التيار ليس جديدًا بالكامل، إذ سبق أن بلغ ذروته في سياقات لاهوتية-سياسية وقفت في وجه محاولات الكنيسة الكاثوليكية، لا سيما في عهد البابا بنديكتوس السادس عشر، لإعادة التوازن بين الإيمان والعقل، وبين النص الديني والقانون الطبيعي. وقد خفت تأثيره مرحليًا قبل أن يعود اليوم متغذّيًا من أزمات الهوية والخوف الوجودي في الغرب.

غير أن اللافت للانتباه في المرحلة الراهنة هو بروز خطاب فاتيكاني معاكس، عبّر عنه بوضوح البابا لاوون الرابع عشر في رؤيته للعلاقات الدولية، حيث شدّد على مركزية القانون الدولي، ورفض منطق القوة العارية، ونبّه إلى أن تديين الصراعات يقود حتمًا إلى حروب بلا ضوابط أخلاقية. هذه الرؤية لا تصطدم فقط مع نزعات بعض الإدارات الأميركية، بل تفضح أيضًا حالة التخاذل الأوروبي الذي يلوذ بالصمت أو التبرير أمام هذا الانحراف.

هنا تحديدًا يبرز الدور الممكن للبنان، ليس بوصفه دولة صغيرة على هامش الصراعات، بل كفضاء تاريخي-ثقافي قادر على لعب دور الوسيط المعرفي والأخلاقي. فلبنان، بتكوينه التعددي الفريد، لا يمكن النظر اليه كمركز تجاور طوائف فقط، بل مختبرًا حيًا لتفاعل الأديان والثقافات، بما في ذلك المسيحية الشرقية والإسلام واليهودية الثقافية التاريخية. هذا التفاعل، برغم كل مآسيه، أنتج تقليدًا فكريًا وسياسيًا يقوم على الاعتراف بالآخر ورفض اختزال الهوية في بعد واحد. ومن هنا، يستطيع لبنان أن يقدّم نموذجًا مضادًا لأطروحة “الانتفاضة اليهودو-مسيحية”، عبر التأكيد أن المسيحية المشرقية، المتجذّرة في هذا الفضاء، لم تُعرّف ذاتها يومًا في مواجهة الإسلام، بل في حوار معه، وأن الإيمان لا يتحوّل إلى هوية سياسية قاتلة إلا عندما يُفصل عن بعده الأخلاقي.

إن الشراكة الممكنة بين لبنان والفاتيكان لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تحالفًا سياسيًا تقليديًا، بل كمشروع ثقافي- دبلوماسي طويل النفس، يهدف إلى إعادة الاعتبار لفكرة “السياسة الأخلاقية” في العلاقات الدولية. يمكن للبنان، عبر نُخَبه الأكاديمية والدبلوماسية والكنسية والفكرية، أن يكون منصة لحوار لاهوتي- سياسي عالمي، يواجه تديين العنف ويعيد طرح مفاهيم العدالة والسلام من منظور تعددي. كما يستطيع أن يساهم في تفكيك الخطاب الذي يخلط بين العهد القديم كتراث ديني غني بالتأويلات، وبين قراءات أيديولوجية انتقائية توظّفه لتبرير الهيمنة.

إقرأ على موقع 180  عندما يعتكف "المخلِّص" عن الظهور!

لذلك؛ لا تكمن خطورة المرحلة في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية هنا أو هناك فحسب، بل في التحوّل العميق الذي يصيب اللغة السياسية حين تستعير مفردات الخلاص والجحيم والقداسة. في مواجهة هذا الانحراف، لا يكفي التنديد أو الاصطفاف، بل تبرز الحاجة إلى أدوار فكرية-أخلاقية قادرة على إعادة ترسيم الحدود بين الإيمان والعنف، وبين الدين والقانون الدولي. ولبنان، بما يحمله من تناقضات وخبرات تاريخية مؤلمة، يمتلك مؤهلات فريدة للقيام بهذا الدور، شريكًا للفاتيكان، وصوتًا شرق- متوسطيًا يعيد التذكير بأن القداسة لا تُنتج الجحيم، وأن السياسة، حين تفقد بعدها الأخلاقي، تتحوّل إلى تهديد للإنسانية جمعاء.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  القناطر الخيرية.. رحلة عمر