النظام الدولي وتحولات القوة.. الأمم المتحدة وقابلية الاصلاح

كانت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تعبيراً رسمياً عن التحوّل الحقيقي في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع العالم، كما أشّرت بوضوح إلى تحوّلات عميقة مقبلة على صعيد النظام الدولي الذي صيغ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فهذا النظام فقد قدرته على إدارة التعقيدات الجديدة، سواء كانت ديموغرافية أو بيئية أو تقنية أو حتى فكرية، ولم تعد المنظومة الاقتصادية والسياسية القائمة قادرة على استيعاب هذه التحوّلات العميقة على المستوى العالمي، ما يفرض – من وجهة النظر الأميركية – العمل على إقامة نظام دولي جديد.

خلال العقدين الأخيرين، عجز النظام الدولي عن معالجة العديد من الأزمات الكبرى، وقد تجلّى هذا العجز بوضوح في سلسلة من الإخفاقات، بدءاً من سوريا، مروراً بأوكرانيا وعدد من الدول الأفريقية، وصولاً إلى ملفي تايوان وغرينلاند، وانتهاءً بالفشل الأكبر والأكثر وضوحاً في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. ففي هذا الملف، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ست مرات لإسقاط مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، ما كشف حجم الشلل الذي يعانيه مجلس الأمن وارتهانه للإرادة الأميركية.

وجاءت تلك الوثيقة الأميركية لتكون التعبير الأكثر وضوحاً عن العقلية الأميركية الاستعمارية والاستعلائية، وعن الكيفية التي ترى بها العالم ومناطق الصراع، وعلى رأسها نصف الكرة الغربي الذي يُعدّ «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة. وهي تعكس انتقال واشنطن من إدارة الأزمات إلى إدارة الفوضى، ومن البحث عن حلول سياسية عادلة إلى تكريس موازين القوة بما يخدم هيمنتها ومصالحها الاستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والبعيد. كما تُظهر انفتاحاً أميركياً واسعاً، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، سواء عبر فرض الرؤية والهيمنة بالقوة، أو من خلال تعزيز التعاون الاستخباراتي ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.

لحظة وضوح كندية

من جانب آخر، قدّم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطاباً خاصاً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، حظي بترحيب واسع من المشاركين. وبرغم أن الخطاب كان قصيراً نسبياً، إلا أنه اتّسم بالقوة والمباشرة، ووصفه كثيرون بأنه «تاريخي» أو «لحظة وضوح» في السياسة الدولية. فقد أعلن كارني نهاية «النظام الدولي القائم على القواعد» (Rules-Based International Order) الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبر أن الوضع الراهن ليس مرحلة انتقالية، بل حالة انفصال وتمزّق، قائلاً: «نحن في وسط تمزّق، ولسنا في مرحلة انتقال»، و«النظام القديم لن يعود. لا نحزن عليه. الحنين ليس استراتيجية». وأشار إلى أن «القوى الكبرى لم تعد مقيّدة بأي ضوابط»، وأن الجيوسياسة باتت «وحشية»، حيث يفعل الأقوياء ما يشاؤون، ويتحمّل الضعفاء ما يُفرض عليهم. ودعا الدول متوسطة القوة، مثل كندا، إلى الاتحاد والعمل المشترك لمواجهة الضغوط والإكراه من القوى الكبرى، مستخدماً الاقتباس الشهير: «إذا لم نكن على الطاولة، فسنكون على الطبق» (If we’re not at the table, we’re on the menu).

وأكد كارني ضرورة الالتزام بالقيم، مثل حقوق الإنسان، والسيادة، والتنمية المستدامة، والتضامن، داعياً إلى بناء «استقلال استراتيجي» عبر تعزيز القدرات الداخلية في القطاعات الحيوية، كقطاع الطاقة، والتكنولوجيا، والمعادن النادرة، وتنويع التجارة والشراكات مع آسيا وأوروبا، بما في ذلك الصين ولكن بحذر. وأوضح أن كندا تتبنى «واقعية قائمة على القيم»، وستدافع عن سيادتها، وتسعى إلى بناء تحالفات جديدة لتجنب التبعية أو الخضوع.

على حافة الانهيار

من جانب آخر، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيراً من انهيار المنظمة الدولية، وهو تحذير لا يمكن فصله عن سياق أعمق من الفشل السياسي والمؤسساتي الذي تعانيه الأمم المتحدة منذ سنوات طويلة. فالأزمة المالية التي حذّر منها غوتيريش سبقتها، في الواقع، أزمات سياسية ومؤسساتية عميقة، إذ لم تعد المنظمة قادرة على تلبية مصالح القوى الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا.

وتشير التقارير الرسمية للأمم المتحدة إلى أن إجمالي المبالغ المستحقة على الدول الأعضاء حتى نهاية عام 2025 بلغ نحو مليار و800 مليون دولار، منها ما يقارب ملياراً و500 مليون دولار ديوناً على الولايات المتحدة وحدها، أي أن ثلاثة أرباع العجز المالي تتحمّله واشنطن. ولا يُعدّ حجب التمويل الأميركي إجراءً مالياً بحتاً، بل أداة ضغط سياسي تهدف إلى شلّ عمل المنظمة وإضعافها.

وتعود هذه الأزمة المالية أيضاً إلى خلل بنيوي في النظام المالي للأمم المتحدة، يتمثل في عدم ترحيل الفوائض المالية من سنة إلى أخرى، بحيث تعود المساهمات غير المصروفة إلى الدول المانحة مع نهاية كل عام مالي، ما يحرم المنظمة من موارد مستقرة. وفي ظل هذا الواقع، تواجه الأمم المتحدة اليوم ثلاثة تحديات متزامنة: الفشل السياسي، الأزمة المالية، ومحاولات إنشاء أطر بديلة، مثل ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

مجلس ترامب

وشكّل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنشاء «مجلس السلام» تحوّلاً لافتاً للانتباه في السياسة الدولية. ففي بداياته، اقتصر هذا المجلس على ملف مستقبل قطاع غزة، من حيث تثبيت وقف إطلاق النار، وإدارة الإغاثة، وإعادة الإعمار، لكنه سرعان ما تجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب المشهدين السياسي والأمني الفلسطينيين، انطلاقاً من غزة، تحت إشراف أميركي مباشر وغير مسبوق.

ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل بدأ العمل على تحويل هذا المجلس إلى مؤسسة دولية بديلة عن الأمم المتحدة، عبر توسيعه ليضم مزيداً من الفاعلين الأميركيين والإقليميين والدوليين، في محاولة لتجميع النفوذ والشرعية. وبرغم الغموض الذي يلف مهامه التفصيلية وآليات عمله – وهو غموض يبدو مقصوداً لتوفير هامش مناورة سياسي واسع – يسعى ترامب إلى جعله مؤسسة دولية مؤثرة على الصعيد العالمي.

إقرأ على موقع 180  أسطورة "الصهيونية العالمية".. ومفاتيح سلم العالم وحروبه!

غير أن هذا المجلس، في جوهره، يعكس محاولة أميركية فاشلة للسيطرة على النظام الدولي. فهو يفتقر إلى الشرعية الدولية، ولا يضم القوى العالمية المؤثرة، كما أنه مرتبط بشخص ترامب لا بإطار قانوني مؤسسي مستدام، ما يجعل فشله وإخفاقه في المستقبل أمراً شبه حتمي.

اصلاح لا تفكيك

أمام هذا الواقع الدولي المعقّد، يبدو أن المخرج الوحيد يكمن في إصلاح الأمم المتحدة لا تفكيكها. فالمنظمة بحاجة إلى إصلاحات مالية وإدارية عميقة، وإلى توسيع مجلس الأمن ليشمل قوى دولية صاعدة مثل تركيا، والهند، والبرازيل، واليابان، وجنوب أفريقيا، بما يعزز تمثيلها وعدالتها وتوازنها في التعامل مع القضايا الدولية، ويمنحها قدراً أكبر من الشرعية والاستمرارية.

Print Friendly, PDF & Email
حسين الديك

كاتب وباحث أكاديمي فلسطيني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  علاج كورونا: "هيدروكسي كلوروكين" مشجع.. ولكن