تضمنت المواد المنشورة ملايين المراسلات والوثائق والصور والفيديوهات لعدد من الرؤساء الأمريكيين، بمن فيهم الرئيس الحالي دونالد ترامب، وشخصيات بارزة في وول ستريت، قلعة صناعة المال في العالم، إضافة إلى شبكة من كبار أساتذة أهم الجامعات الأمريكية، وعدد من قادة ورواد الأعمال من وادي السيليكون، ومسؤولين ديموقراطيين وجمهوريين، ومؤثرين إلكترونيين، ورؤساء شركات قانونية، ومخرجي أفلام، وعدد لا ينتهي من المشاهير.
أكثر ما صدم الأمريكيين هو إيمانهم الراسخ بأنهم يختلفون عن بقية كوكب الأرض؛ فقد أسسوا في «العالم الجديد» أقوى «حضارة مادية» عرفتها البشرية، واعتبروا أنفسهم، على عكس أجدادهم الأوروبيين، الأقرب إلى الرب، بتدين وقيم محافظة يُنظر إليها على أنها آيلة للاندثار في القارة الأوروبية. كما رأى كثير من الأمريكيين أن نجاح بلادهم وريادتها العالمية يعكسان نظامًا قيميًا وأخلاقيًا صارمًا يكافئ الاجتهاد ويتيح الفرص للأفضل، واعتبروا كذلك أن بقية العالم يغار من أمريكا، ويريد أن يصبح مثلها أو يقترب منها.
***
نعم، تتمتع الولايات المتحدة بريادة علمية لا تضاهيها أي دولة أخرى؛ إذ تملك 11 جامعة من أفضل 15 جامعة في العالم، وفق أحدث تصنيف لمؤشر «تايمز» للتعليم العالي. أما في مجالي العلوم والآداب، فإن مجموع ما حصل عليه الأمريكيون من جوائز نوبل منذ انطلاقها عام 1901 يقترب من 350 جائزة، أي نحو 45% من إجمالي الجوائز، إذ حصلوا على أكثر من 60 جائزة في الكيمياء، و22 جائزة في السلام، و12 جائزة في الأدب، و51 في الاقتصاد، و88 في الفيزياء، و97 في الطب. ومن الصعب تصور عدم استفادة البشرية جمعاء من نتائج أبحاث هؤلاء العلماء وغيرهم.
ولا تنافس الولايات المتحدة أمة أخرى في مجال توفير الفرص الإبداعية لمواطنيها القادرين والمرموقين، فقد أسّس رجال أعمال أمريكيون أثرياء أعظم جامعات العالم ومؤسساته الفكرية والعلمية، مثل هارفارد، وستانفورد، وييل، وجونز هوبكنز، وراند، وفورد، وروكفلر، وفولبرايت، وكارنيغي.
***
تعتقد المدرسة الفكرية الأمريكية أن «أمريكا» عظيمة بطبيعتها، وهو ما يشير إليه كبار الساسة الأمريكيين، سواء الجمهوريون منهم أو الديموقراطيون. ويرجع البعض ذلك إلى أن النظام السياسي الأمريكي قد يكون الأفضل في العالم، برغم عوراته المرتبطة بالفساد ودور رأس المال المُفسِد.
ويؤمن أغلب الأمريكيين بأن حكومتهم هي «حكومة الشعب، ومن الشعب، ولأجل الشعب»، إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا؛ إذ تتجلى في كثير من الأحيان بوصفها «حكومة جماعات المصالح، ومن أجل مصالح هذه الجماعات». ولهذا السبب، لا يتوجه نحو نصف الشعب الأمريكي إلى صناديق الاقتراع، ويفضلون قضاء يوم عادي، بسبب عدم إيمانهم بوجود فروق حقيقية تُذكر بين الحزبين في القضايا العامة المهمة.
نظر فوكوياما وهنتنغتون إلى عالم الجنوب عمومًا نظرة دونية، اعتمادًا على معايير مادية لا تفسر كل شيء، وبخاصة إذا أُخذ في الاعتبار إرث الاستعمار واستغلال دول الشمال للجنوب، فضلًا عن سجل العبودية ونشر الحروب والصراعات. وجاء شخص يُدعى جيفري إبستين ليدق مسمار الشك وعدم اليقين في محدودية النظرة المادية البحتة لقياس الأشياء، وبخاصة عندما يسقط أغنى الأغنياء، وأشهر المخترعين، وكبار المفكرين والمنظّرين، في هوة أخلاقية صادمة، ليس فقط بمعايير البشر، بل حتى بمعايير صُنّاع الخيال
لقد هزّت فضيحة إبستين، وما يتكشف عنها حتى الآن، ثقة الأمريكيين في أنفسهم، وفي نخبتهم، وفي أولئك الذين كانوا يُشار إليهم بوصفهم مثلًا أعلى لهم ولأبنائهم.
وتميل النخبة الأمريكية إلى تناسي البعد التاريخي عند تقييم البدائل أو الاختيارات، أو عند الحكم على ثقافات المجتمعات الأخرى وتعقيداتها. ويُرجع البعض هذا التجاهل العام للبعد التاريخي لدى النخبة الأمريكية إلى قِصر عمر الدولة والتجربة بصفة عامة، التي لا تتجاوز 250 عامًا، بينما يرى آخرون أن النجاحات المادية كفيلة بالتغطية على مكونات النسق الأخلاقي والقيمي غير المادية.
***
خلال نصف القرن الأخير، روّجت النخبة الأمريكية لنظريتين أسّستا لما اعتبروه «قرن أمريكا»، الذي لم يقتصر على القرن العشرين، بل امتد إلى القرن الحادي والعشرين، وهما: «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات».
وقبل 37 عامًا، كتب الأكاديمي الأمريكي ذو الأصول اليابانية فرانسيس فوكوياما، عام 1989، مقالًا بعنوان «نهاية التاريخ» في مجلة «ذا ناشونال إنترست» (The National Interest)، ثم نشر كتابًا بالعنوان نفسه عام 1992، قال فيه إن «عصر الاستبداد والنظم الشمولية قد ولّى وانتهى إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديموقراطية واقتصادات السوق».
واعتبر فوكوياما أن المجتمعات الإنسانية، وبخاصة المجتمع الأمريكي، قد وضعت حدًا لتطور الأفكار الأيديولوجية مع انتشار قيم الليبرالية الديموقراطية. ومنحت نظريته دفعة قوية لإيمان النخبة الأمريكية بأن نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين يمثلان نهاية الصراع الأيديولوجي، مع التأسيس الذي لا جدال فيه للديموقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها المرحلة الأيديولوجية النهائية للتطور البشري. ومن هنا، بشّرت واشنطن بالنموذج الغربي الليبرالي، وتصورت عدم وجود أي اتجاه آخر يمكن أن يسير إليه التاريخ.
بعد أربع سنوات، كتب صمويل هنتنغتون مقالًا في مجلة «فورين أفيرز» بعنوان «صراع الحضارات»، أثار جدلًا كونيًا واسعًا، لأنه لمس وترًا حساسًا لدى الشعوب المنتمية إلى حضارات العالم المختلفة.
تناول هنتنغتون مفاهيم الاختلافات الحضارية وموازين القوى المتغيرة بين الحضارات. وقسّم حضارات العالم إلى: الصينية، واليابانية، والهندية، والإسلامية، والغربية، والأرثوذكسية، والإفريقية، وحضارة أمريكا اللاتينية. ووفقًا لهنتنغتون، فإن الصدام هو جوهر ما يحكم العلاقة بين هذه الحضارات، وهو صدام أساسه الثقافة أو الهوية التي تحكم كل حضارة.
اعتبرت النظريتان السابقتان أن المسلمين والمجتمعات الإسلامية شعوب متأخرة، تخلفت عن اللحاق بالديموقراطية الليبرالية وأخلاقها وقيمها. ونظر فوكوياما وهنتنغتون إلى عالم الجنوب عمومًا نظرة دونية، اعتمادًا على معايير مادية لا تفسر كل شيء، وبخاصة إذا أُخذ في الاعتبار إرث الاستعمار واستغلال دول الشمال للجنوب، فضلًا عن سجل العبودية ونشر الحروب والصراعات.
وجاء شخص يُدعى جيفري إبستين ليدق مسمار الشك وعدم اليقين في محدودية النظرة المادية البحتة لقياس الأشياء، وبخاصة عندما يسقط أغنى الأغنياء، وأشهر المخترعين، وكبار المفكرين والمنظّرين، في هوة أخلاقية صادمة، ليس فقط بمعايير البشر، بل حتى بمعايير صُنّاع الخيال.
