تشير دراسة أجرتها كلية الطب بجامعة هارفارد، وجامعة أكسفورد، وكلية كينغز كوليدج لندن، إلى وجود أدلة تفيد بأن الإنترنت يُقلّص حجم المادة الرمادية في الدماغ، ويُقصّر مدى الانتباه، ويُضعف الذاكرة، ويُشوّه العمليات المعرفية. وتشمل المناطق الدماغية المتأثرة: «قدرات الانتباه، حيث يُشجّع التدفق المستمر للمعلومات عبر الإنترنت على تشتيت انتباهنا بين مصادر إعلامية متعددة»، و«عمليات الذاكرة»، و«الإدراك الاجتماعي». وقد دفع تنامي هذه الظاهرة بعدد من الباحثين إلى تسميتها بـ«تعفّن الدماغ» أو brain rot، وهو مصطلح يصف التدهور العقلي الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي التافه والسريع، ويؤثر في القدرة على التركيز والإبداع، ويسبب ضبابية الدماغ. وقد اختاره معجم أكسفورد ليُدرج ضمن مفرداته الجديدة عام 2024.
كيف أثّرت حياتنا السريعة في نمط تلقي المعلومة؟
بحكم مهنتي في الصحافة والتلفزيون، يسألني عدد كبير من الناس عن مصادر معلومات موثوقة، وبطبيعة الحال أرشدهم إلى قراءة مقالات وأبحاث موثوقة. تجاوز النقاش مسألة ما إذا كان الناس يقرأون أم لا، بل باتت المسألة أن الناس، وفي حال قرروا التعمق في موضوع ما، يريدون ذلك أن يكون سريعًا كإيقاع حياتهم. بالمناسبة، إيقاع حياتنا سريع لا لأننا اخترناه كذلك، بل لأن المنظومة الرأسمالية التي نعيش في كنفها تريدنا دائمًا مستعجلين، لاهثين وراء تدبير شؤون حياتنا اليومية، علمًا أن ما ننشغل به في هذه الحياة الكثيفة، من محاولة العيش بكرامة وأمان، يُعدّ حقًا من حقوقنا البديهية التي لا ينبغي أصلًا أن نطالب بها.
وعلى أي حال، ومنعًا للاستطراد، لأن جلّكم يقول الآن: متى سينتهي قراءة النص؟ هنا لبّ الموضوع. عندما لاحظت كيف يقرأ الناس أي معلومة وكيف يستهلكونها، تبادر إلى ذهني كيف نأكل في عصر السرعة: وجبات سريعة، مطاعم سريعة، «ستوريز» سريعة، أصدقاء مجرد تكملة للمشهد السريع. لا وقت لأخذ نفس أو الاستمتاع باللحظة. هكذا انتقل نمط حياتنا الغذائية من الـ(Fast food) إلى الـ(Fast consumption of news). وكما يسبّب الأكل السريع مشاكل عسر هضم، فإن قراءة المعلومة أو تلقيها تصطحب معها سوء هضمها.
بالمناسبة، هناك ربط سببي بين هذا النمط من «التصفح السريع» للمعلومة وخصائص جيل «زد»، الذي لا يمتلك صبرًا ليُكمل أمرًا ما – مهما بلغت درجة شغفه به – من أوله إلى آخره. جيل لا يريد الالتزام بشيء، ويترك دائمًا خياراته مفتوحة، وينتقي ما يحلو له من لحظات ومشاعر وتجارب، ولا يحب الخضوع لأي أمر. تواصله مع العالم الخارجي محدود، وهو من يقرّر ماهيته وكيفيته. تتقاطع التحولات الاجتماعية التي يعيشها الجيل الجديد «جيل زد» مع التحولات الكثيفة في ميادين التكنولوجيا والإعلام، لتصنع أناسًا يقررون أنهم، وفي حال صادف أن قرؤوا شيئًا، فإنهم هم بأنفسهم يقررون متى وأين وكيف. وضمن هذا الاتجاه، اضطرت وسائل الإعلام القديمة والجديدة إلى تكييف آليات إنتاجها للمعلومة وكيفية تقديمها، لتتلاءم مع متطلبات هذه الفئة العمرية.
شاعت مؤخرًا مشاركة «ريلز» إنستغرام بين دوائر من الأشخاص الذين يستقون معلوماتهم من منصة إنستغرام. والـ«ريلز» هي فيديوهات قصيرة تتراوح مدتها بين 60 و180 ثانية، تعرض محتوى بصريًا وسمعيًا يتضمن معلومات عن شتى ظواهر الحياة. وعندما أُرسل لبعض الأشخاص مقالًا حول قضية سياسية معينة، فإنه في الغالب سيتأفف من قراءة «كل هذا»، ويقول لي: هل من ملخّص لهذا المقال؟ علمًا أن اختياري للمقال يكون انتقائيًا، وبالقدر الكافي من المعلومات المكثفة التي تتيح للقارئ الإحاطة بالموضوع المطروح. لكن الشخص المعني لا يقرأ.
ليس عدم امتلاك الوقت هو السبب، فالدراسات تفيد بأن كل شخص منا يقضي نحو 38 دقيقة يوميًا في متابعة «ريلز» إنستغرام. وإذا اعتبرنا أن قراءة مقال من 500 كلمة تستغرق ما بين 10 و15 دقيقة، فهذا يعادل تمامًا الوقت المخصص لقراءة مقالين حول قضية سياسية أو اجتماعية. لكن المسألة ترتبط بعدم الرغبة في التخصص في موضوع واحد، إذ تطغى الكمية على النوعية. نريد أن نقضي وقتنا بمتابعة أمور عدة في مجالات مختلفة، ولا وقت للتعمق في موضوع واحد، وهي من سمات جيل «زد» التي استعرضناها أعلاه.
في فلسفة الـ(scrolling)، نريد أن نستهلك أكبر عدد ممكن من المعلومات في أقل قدر من الوقت، كي لا يفوتنا شيء في عالم قادر على إدهاشنا كل ثانية. وهذا ما يُعرف بـ(Fear of Missing Out- (FOMO. يخاف الناس من أن يفقدوا ما يدور حولهم، علمًا أن ما يدور حولهم هو في الغالب وهم، وانطباعات مبالغ فيها، وفقاعات لحظوية وترندات عابرة. كل هذا يصنع ذائقة عامة مائلة إلى التسطيح والتشويه، والفراغ الفكري، والهراء القيمي، والتدني المعرفي.
راقبوا كيف يوثّق هذا الجيل تجاربه في أي أمر يخصه أو يودّ مشاركته مع العامة. تُصوَّر اللحظة وتُوثَّق قبل اختبارها. وهذا بالذات ما صنعته الماكينة الإعلامية للمنظومة الرأسمالية: كل شيء قابل للاختفاء، السعادة تُعاش للحظة، نصفها للتوثيق والنصف الآخر للمعايشة، أثر اللحظة يختفي بعد 24 ساعة نسبة لمدة «الستوريز»، الناس – مثل اللحظات – عابرون، الأماكن مؤقتة، العلاقات مبتورة، المدن متنقلة، ولا ذاكرة حيّة (وهنا عودة إلى قصة الزميلة التي افتتحنا بها المقال).
إذا كان نمط جدول حياتنا قد تغيّر، فإن هذا التغير اصطحب معه تغيرات في القراءة من حيث الكيفية والماهية والتوقيت، كما بيّن المقال أعلاه. وأعني هنا القراءة بوصفها وقتًا لممارسة هواية، وقد تكون هواية أخرى. لكن القضية الإشكالية هنا هي: من سرق من حياتنا الوقت، وحوّل أوقاتنا إلى ركض مستمر باتجاه تأمين مستلزماتنا الأساسية، وبالتالي حرمنا من ممارسة أي هواية؟
الاقتصاد السياسي للنوم
من دون الاستناد إلى إحصاءات ودراسات، يعاني معظم سكان المعمورة من أرق مستمر نتيجة الإرهاق الجسدي والنفسي الذي أجبرتنا المنظومة الرأسمالية على العيش في كنفه والتأقلم مع طبيعته. مع العلم أن حالة اللايقين كان ينبغي أن تقل لا أن تزداد، بفعل الاكتشافات العلمية التي رافقت الحياة البشرية منذ الثورة الصناعية حتى يومنا هذا. لكن هذه الاكتشافات لم تؤدِ إلى تعميم وسائل الرخاء وتحقيق العدالة بين البشر، بسبب الفجوة الطبقية التي تميّز كل صراع في هذا العالم، بين من يمتلك وسائل الإنتاج ومن يستهلك السلع والخدمات.
أغلب الظن أنك صادفت مؤخرًا عوارض صحية استدعت زيارة الطبيب، وأغلب الظن أيضًا أن طبيبك أجرى لك فحوصات ليتبيّن أن ما تعانيه ليس ناجمًا عن مشكلة فيزيولوجية، بل عن الـ(stress)، أو ما يُعرف بمرض العصر. في الحقيقة، إن التعب والإرهاق اللذين نعيشهُما يوميًا يساهمان في تدهور صحتنا الجسدية والعقلية، ما يحرمنا من النوم. وحرماننا من النوم أصبح بدوره ساحة جديدة للرأسمالية لتسليعه وبيعه لنا.
ظهرت منتجات مخصصة للمساعدة على النوم، مثل الأجهزة القابلة للارتداء عالية التقنية، ومراتب مراقبة النوم، والبطانيات المرجّحة، والميلاتونين، والمغنيسيوم، وشاي النوم، وأشرطة النوم، والتنويم المغناطيسي، وأقنعة النوم، ومخاريط الأنف. ووفقًا لكتاب المؤرخ روجر إكيرش «التحول العظيم في النوم: كيف غيّرت الثورة الصناعية ليالينا»، تبلغ قيمة اقتصاد النوم العالمي، المؤلف من هذه المنتجات، نحو 600 مليار دولار. لكم أن تتخيلوا كم مليونيرًا رأسماليًا سيستفيد من عدم قدرتنا على النوم. هم في الأصل يستفيدون من عدم قدرتنا على العيش، وبذلك تكون الرأسمالية قد سلبت منا العيش 17 ساعة في النهار (اللهاث وراء الاستهلاك)، و7 ساعات من النوم ليلًا (نتيجة عدم إشباع حياتنا في النهار).
الانسان الرقمي.. سلاسل بقيود رقمية
في السابق، كانت السلاسل الحديدية تحيط بأقدام العبيد لمنع هروبهم من العمل الإجباري، كما ساد في مرحلة العبودية من التاريخ البشري. أما اليوم، فلا حاجة لتلك السلاسل، لأن الخوارزميات هي السلاسل الحديثة. فكل بشر الكوكب اليوم أرقام، والأرقام بيانات، والبيانات خوارزميات، وهكذا دواليك. نعيد إنتاج الدورة الاستهلاكية نفسها في كل دقيقة من حياتنا، إذ أصبحنا عبيد أنفسنا في عالم متوحش يتربص به أباطرة المال. وهذا بحد ذاته ما أسميه «ديكتاتورية الخوارزميات» بدلًا من «ديكتاتورية البروليتاريا» الشائعة في المعجم الماركسي.
في سياق بناء حكم الفرد الواحد أو الحزب الواحد، شيّد صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد تماثيل تخلّد ذكراهم، مشكلةً بذلك صنمية ترافق جميع الديكتاتوريات، وقد كلّفت هذه التماثيل مئات ملايين الدولارات. واليوم، وفي سياق بناء غرف سحابية لتخزين هذا الكم الهائل من البيانات والمعلومات، باتت الدول تستثمر مئات ملايين الدولارات لتهيئة البنية التحتية لمراكز البيانات (Data Centers) وغرف التخزين. هكذا تُشيَّد الديكتاتورية الجديدة.
