هذه الهيمنة الأميركية، بكبريائها وجبروتها، تُخفي تحت هدير محركاتها العسكرية وضجيج سياساتها واقتصادها خطرًا واشتباكًا يُقال في واشنطن إنه «لا مفرّ منه في المستقبل» مع الدولة الأكثر إرباكًا لها ولهيمنتها، أي الصين. ولأن لهذه اللعبة أصولها وقواعدها وأساليبها، لا بدّ من فهم اللعبة الجيوسياسية الأميركية الحالية تجاه الصين لفهم ملامح مستقبلنا القريب.
تُعدّ الصين الحديثة، بنموذجها الاقتصادي ذي الطابع الليبرالي إلى حدّ كبير، صناعةً أميركية، وتحديدًا على يد صانع السياسات الشهير هنري كيسنجر. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تمكّنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من عزل الصين الشيوعية، واستبدال تايوان بها كممثّل رسمي للصين في المحافل الدولية، بما فيها الأمم المتحدة. لكن عندما نجحت واشنطن في استمالة الصين إلى جانبها — بعد الزيارة السرّية التي قام بها هنري كيسنجر إلى بكين عام 1971 — واستغلال العداء بينها وبين الاتحاد السوفياتي، أعادت الولايات المتحدة الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ممثّلًا أوحد للصين عالميًا، ولا سيما في الأمم المتحدة اعتبارًا من عام 1971. عندها خرجت الصين من عزلتها، وتمكّنت بفضل العولمة من التحوّل تدريجيًا إلى «مصنع العالم». ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة حتى اليوم لا تعترف بتايوان دولةً مستقلة ذات سيادة.
ومع سقوط الاتحاد السوفياتي (1991) واتّجاه العالم نحو الليبرالية في العلاقات الدولية، القائمة على التجارة الحرة والعولمة والانفتاح الاقتصادي وحقوق الإنسان، تحوّلت الصين إلى شريك أساسي للدول الغربية، تمامًا كما حدث مع روسيا. وقد دفع هذا التحوّل الولايات المتحدة إلى إغلاق العديد من قواعدها العسكرية في المحيط الهادئ، استنادًا إلى نظرية في العلاقات الدولية مفادها أن تطوّر الدول اقتصاديًا وتشابكها مع الاقتصاد العالمي يجعلانها أقلّ عدائية.
الصين “مصنع العالم”

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، عملت الولايات المتحدة بوصفها القوّة الوحيدة المسيطرة على النظام الدولي على صياغة نظام عالمي جديد يستند إلى نظرية أساسية في العلاقات الدولية مفادها أن الديموقراطيات لا تتقاتل، إذ لم يُسجّل التاريخ أي حرب بين دولتين ديموقراطيتين. وانطلاقًا من هذه القاعدة، بدأت الولايات المتحدة ترسيخ هيمنتها العالمية من خلال ما يُسمى “دعم ونشر الديموقراطية، وتعزيز النظام الليبرالي القائم على العولمة والتكنولوجيا والتنمية والتعاون الاقتصادي والمنظمات الدولية وحقوق الإنسان”. وقد اعتقدت واشنطن آنذاك أن هذه السياسة ستمكّنها من قيادة دول العالم كافة، بوصفها “المرجع للرخاء الاقتصادي والديموقراطية والتعاون الدولي”.
استطاعت الولايات المتحدة ترويض الصين من خلال تحويلها إلى «مصنع العالم». ومع هذا التحوّل، انتقل الاقتصاد الصيني من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي، وازدادت معه نسبة الطبقة الوسطى والأثرياء، ودخلت الصين مرحلة جديدة من التنمية والحداثة. غير أنّ بكين استغلّت هذا التطوّر لتعزيز قدراتها والخروج تدريجيًا من عباءة الغرب، بهدف كبح النظام الليبرالي الأميركي بعناوينه العريضة خارج حدودها، واضعةً حدًّا — ولو داخليًا — للنظرية الليبرالية السياسية والاجتماعية.
لكن للدول أطماع وأحلام. ومع تعاظم قوة الصين الاقتصادية لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي يُقدَّر بنحو 19 تريليون دولار، مقارنة بـ29 تريليون دولار للولايات المتحدة، بدأ نفوذ الصين يتوسّع على حساب النفوذ الأميركي. عندها بدأت واشنطن تستشعر الخطر، فالتطوّر الاقتصادي يقود حتمًا إلى تطوّر عسكري وتوسّع في النفوذ، وربما إلى منافسة الولايات المتحدة في ساحاتها الدولية. وفي علم السياسة، تحتاج الدولة كي تُصنَّف قوةً عظمى إلى عاملين متكاملين: اقتصاد قوي وجيش قوي ومتطوّر. فإذا كان الاقتصاد قويًا والجيش ضعيفًا، كما هو حال ألمانيا، فلن تستطيع الدولة حماية نفسها. أمّا إذا كان الاقتصاد ضعيفًا والجيش قويًا، فستكون كالاتحاد السوفياتي، الذي انهار عاجزًا عن دفع رواتب جنوده.
خيارات واشنطن الإستراتيجية

تدرك الولايات المتحدة أن الحفاظ على النظام العالمي تحت قيادتها يعتمد على قدرتها على إضعاف الصين ومحاصرتها. وهي ليست “إمبراطورية مارقة على وشك السقوط”، كما يروّج البعض؛ فقوتها تكمن في فهمها العميق للّعبة الجيوسياسية بأبعادها المختلفة، وربطها الدائم باستراتيجيات مستقبلية قد لا ندرك تفاصيلها لأننا، ببساطة، لسنا من صنّاع القرار.
وفي ما يلي بعض الخيارات الاستراتيجية التي تعتمدها واشنطن لاستنزاف القدرات المادية والعسكرية للصين:
أولًا؛ تُعدّ تايوان جزءًا من الأراضي الصينية وفق الرؤية الصينية، لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا تتجرّأ الصين على اجتياح الجزيرة، التي لا تعترف بها دولةً مستقلة سوى اثنتي عشرة دولة ضعيفة؟
تعتبر الولايات المتحدة تايوان الخاصرة الضعيفة للصين والجبهة الأساسية في حال نشوب نزاع عسكري مباشر. ولتطويق الصين، عزّزت واشنطن وجودها العسكري في جزر المحيط الهادئ التي كانت قد أخلتها بعد الحرب العالمية الثانية، مثل جزيرة تينيان، التي انطلقت منها القاذفات الأميركية لقصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية، والتي تُعدّ اليوم خط دفاع وهجوم متقدّم في عرض المحيط. كما تنتشر القوات الأميركية في نصف دائرة حول الصين، من اليابان وكوريا الجنوبية وصولًا إلى تايلاند والفلبين. إضافة إلى ذلك، أنشأت الولايات المتحدة تحالف «كواد» العسكري بين اليابان وأميركا والهند وأستراليا لتقويض نفوذ الصين، ولا سيما حول بحر الصين وتايوان. ويُضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي، إذ تستورد الصين نحو 39% من الرقاقات الإلكترونية من تايوان، التي تُعدّ الأكثر تقدّمًا في هذه الصناعة الحسّاسة ذات الاستخدامات العسكرية والمدنية.
ثانيًا؛ تمتلك الصين مشروعًا اقتصاديًا بريًا يهدف إلى ربطها بأوروبا وبقية العالم، يُعرف بمبادرة «الحزام والطريق» (Belt and Road Initiative – BRI)، ويقلّص زمن النقل البري بنسبة تتراوح بين 40 و60% مقارنة بالنقل البحري. ويمرّ المشروع عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
-
من الصين إلى كازاخستان، ثم روسيا وبيلاروسيا وبولندا وصولًا إلى ألمانيا ودول أوروبية أخرى.
-
مسار مركزي عبر آسيا الوسطى ثم روسيا وبيلاروسيا وبولندا وصولًا إلى أوروبا.
-
مسار يمرّ عبر باكستان وإيران وتركيا وصولًا إلى أوروبا.

لم توقف الحرب الأوكرانية المشروع الصيني، لكنها عطّلت التواصل البري بين أوروبا وروسيا، ما أدّى إلى تعطّل مسارين من أصل ثلاثة. أمّا المسار الذي يمرّ عبر إيران، فهو متأرجح بسبب احتمالات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واحتمالات إسقاط النظام الإيراني أو انهياره، وهو ما يفسّر الضغط المتزايد على طهران. وبالمفهوم الجيوسياسي، شكّلت حربا أوكرانيا (منذ 2022 حتى يومنا هذا) وإيران (حزيران/يونيو 2025) ضربة قاسية لطموح الصين في التوسّع نحو أوروبا.
في المقابل؛ تسعى الولايات المتحدة إلى جعل الهند «مصنع العالم»، بالتوازي مع نقل العديد من الشركات إنتاجها من الصين إلى الهند أو دول أخرى. وفي هذا السياق، وقّعت الهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والسعودية، خلال قمة العشرين عام 2023، اتفاقًا على إنشاء ممر تجاري جديد يُعرف باسم الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC). ويهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، وتعزيز التجارة وسلاسل الإمداد.
ثالثًا؛ تواجه الولايات المتحدة مجموعة «بريكس»، ولا سيما الصين، من خلال استراتيجية تجمع بين الاحتواء والمنافسة وبناء التحالفات. فهي تسعى إلى تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية، وفرض قيود اقتصادية وتكنولوجية تستهدف خصوصًا قطاعات الرقائق والذكاء الاصطناعي، بهدف إبطاء صعود بكين. كما تعمل واشنطن على منع تحوّل «بريكس» إلى تكتّل مناهض للغرب، مستندة إلى التناقضات العميقة بين دوله على المستويات الحضارية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل هذه المجموعة غير قادرة على أن تُشكّل بديلًا فعليًا عن الغرب.
رابعًا وأخيرًا؛ نجحت الولايات المتحدة في تغيير النظام الموالي للصين وروسيا في فنزويلا، والذي يشكّل خاصرتها الضعيفة في أميركا اللاتينية والكاريبي، وفق مبدأ مونرو الصادر عام 1823، الذي يحظر ضمنيًا وجود قوى معادية للولايات المتحدة في محيطها الإقليمي. أمّا في أفريقيا، وبرغم النفوذ الاقتصادي الواسع للصين، فإن ما يهمّ الولايات المتحدة حاليًا هو الموارد الطبيعية والمعادن. ومع وجود 54 دولة، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي للقارة محدودًا نسبيًا، ويُقدَّر بنحو 3 تريليونات دولار، مقارنة بـ30 تريليون دولار لدول الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024. لذا تبقى أوروبا السوق الأكثر جذبًا وتنافسًا بين الولايات المتحدة والصين، ولا تزال واشنطن مهيمنة عليها.
في الخلاصة؛
لا تستطيع الولايات المتحدة إدارة العالم منفردة في ظلّ تعاظم التحديات العالمية، من تغيّر المناخ والضغط على الموارد إلى الذكاء الاصطناعي. وهي تعمل اليوم على إعادة هندسة النظام العالمي بما يتلاءم مع مصالحها ومستقبلها، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح دول أخرى، وعلى رأسها الصين. وفي المقابل، لا يبدو النموذج الصيني في الحكم، القائم على السلطوية وغياب الليبرالية، جذّابًا للكثير من الدول والشعوب، وهنا تكمن المعضلة.
الخيارات محدودة: إمّا بقاء أميركا قوة مهيمنة ولكن غير مطلقة، وإمّا انقسام العالم إلى نظامين متصارعين لا يتواصلان، أو نظام ثلاثي الأقطاب يضم الغرب والشرق ودول الجنوب.
المراقب للتحوّلات الراهنة يلحظ حرب نفوذ وموارد محتدمة تمتد من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، مرورًا بالبحار والمحيطات وحتى الفضاء الذي يُقال إنه يُعسكَر ويُحمَّل بالأسلحة النووية. أوروبا تتحضّر للحرب، والدول الآسيوية ترفع ميزانياتها العسكرية، والمناورات لا تتوقّف والأساطيل الأميركية تحاصر إيران، فيما تواصل الصين والولايات المتحدة سباق التسلّح المتطوّر. وإن انتهى هذا السباق بسلام، فقد نكون من المحظوظين.
