تؤثر الجينات الموروثة في تكوين الملامح والبنية وتشكيل نبرة الصوت، أما السُّلوكيات والعادات والطقوس؛ فتتكوَّن بصورة تلقائية عن طريق المعايشة، أو بصورة مُتعمَّدة مقصودة؛ إذ يحاكي الطفل والده متشبهًا به، وتقلد الطفلة والدتها لتغدو مثلها، وإذا أمسى الصبيُّ ظلَّ أبيه، فالصبية مرآة أمّها والمَثل يقول: “اكفِ القدرة على فمها تطلع البنت لأمها”.
***
تتجاوز الحِكمةُ الشعبية النوع الاجتماعيّ، فتؤكد في المُطلق أن “اللي خَلّف ما ماتش”، والقَّصد أن وجودَ سلسالُه على الأرض يحمل روحَه وحضورَه ويُعَدُّ استمرارًا له، وفي الوقائع التاريخية العديدة التي تحكي عن محاولة أو أخرى للتخلص من حاكم إحدى البقاع، مع السَّعي الحثيث للقضاء على نسله- ولو كان مجرد رضيع- لدليل على سداد الحكمة؛ فالخَلَف إن نجا وورَث الطباعَ والمُلكَ من السَّلف؛ لم يأمن المُدبّرون الخطر.
***
لإظهار المهارةِ المتوارثة يُقال: “ابن الوزّ عوَّام”. النماذج عديدة بارزة، تتأتى ملاحظتُها في مختلف المجالات؛ على مستوى الرياضة ثمَّة لاعبون وحرَّاس مرمى احترفوا كرة القدم على درب آبائهم وحقَّقوا النجاح؛ وفي حمادة وحازم إمام وآل شوبير مثال، وثمَّة مغنون امتلكوا حلاوةَ الصَّوت ونالوا الشُّهرة والجماهيرية؛ وفي عدوية الأب والابن، وكذلك في الأخوين الحجار ووالدهما، مثال آخر. بعض الأولاد تبعوا خطوات ذويهم في حقول الدراما؛ منهم من تفوَّق على الأصل وأبرز موهبة مكافئةً مستقلةً، وفي السينما العالمية نماذج عدة على غرار كيرك ومايكل دوجلاس، وأكثر منها في المصرية حتى ليصعب إحصاؤه؛ وتقفز للذاكرة أسماءٌ تألقت وانتهجت دروبًا مختلفة في الأداء؛ السعدني والفيشاوي وصالح، أثبت جميعهم جدارته بوراثة الأب؛ بل وتفوَّق بعض المرات.
***
إذا كان الفنُّ موهبةً خالصة تدعِّمها بعضُ العوامل المساعدة، فالوراثة في عالم الطب والأطباء ظاهرةٌ لافتة للانتباه، والجد والاجتهاد في الدراسة الشاقة يصاحبهما في هذه الحال دعم على كثير المستويات، يمضي الابن في طريقه وقد سبقه إلى الدرب الوعر من خبر شعابه وألفها؛ يجعلها مُمهدة، يهون الصعاب ويفتح المغاليق. يستقي الولد المعرفة بسهولة، يتلقى التوصيات المعتادة عند أداء الاختبارات، ويتوَّج في النهاية بإمكانات لا تتوفر لآخرين من خارج المهنة. يعتمد على الاسم المشهور والسمعة الطيبة ما وجدا، ويحظى بضمانات العمل في مكان مرموق.
***
لا عجب أن يكونَ الولد على درب أبيه؛ لكن الأمر لا يسير دومًا على هذا المنوال، فمن الأولاد من حاولوا الوصول لمكانة آبائهم؛ لكنهم أخفقوا على طول الدرب ولم يصيبوا القدر المطلوب من النجاح، أصبح بعضهم نسخًا باهتة على أقصى تقدير، وبدوا أقلَّ حظًا وأدنى عطاءً. ربما كانت ابنتا الفنانة ماجدة وفاتن حمامة ضمن من جربوا ولم يوفَّقوا؛ قامت كل منهما بالمشاركة في بعض الأفلام؛ لكنها لم تحرز النجومية ولم تنل وهجَها.
***

يحدث في بعض الأحيان أن تتراجع السلاسل التجارية والمطاعم التي اكتسبت على مدار الأعوام والعقود ثقة الزبائن؛ عن مستواها، حتى ليظنوا أن ثمة خطب قد أصاب أصحابها الأصليين، وكثيرًا ما يتبين صدقُ الظن؛ إذ يغيب المالك الأصلي عن الدنيا، ويبدو أداء الوارثين أقلّ من المتوقع، بعضهم لا يأبه للجودة، وبعض آخر يريد التجديد ويهجر الأصول، وتكون النتيجة حينذاك حسرة كبرى لقدامى الزبائن إذ يدركوا أنهم لن يستعيدوا ما انقضى، واندهاش من الجدد إذ لا يرون ما يكفي لجذبهم ولا يفهمون كيف ينافس من تخطاه الزمان؛ أقطابَ ورموز العصر الحديث. طبقت شهرة محلات جروبي الآفاق؛ ثم توارى بريقه وتحول إلى أطلال من الزمن الجميل، لا يفهم سرَّه جيل يفضل الوجبات السريعة والابتكارات الأكثر تعقيدًا؛ بينما يقصده عشاق الماضي والباحثون عن بصيص الحنين، لا يأبهون لما انتابه من تغيرات ويتشبثون بما حفظت الذاكرة.
***
إذا أتى في إحدى اللحظات من يُسيء لميراث عتيد، ويهيل التراب على مجد رفيع؛ قال الناس مُمتعِضين: “يخلق من ظهر العالم فاسد“، وتكتمل الصُّورة الحكيمة بتحميل الفاسد عواقب أفعاله وبنفي مسئولية الانحدار والتدني عن صاحب الميراث إذ يزيد: ”كل واحد متعلق من عرقوبه“. على كل حال؛ أكم من أسماء حملت الشعلة ولمعت وأضاءت؛ فكانت خير خلف لخير سلف، فيما أساءت أخرى للسُّمعة الطيبة ودفعت الناس للترحُّم على الماضي.
***
في مسلك الشخصيات العامة والسَّاسة ما يحمل بدوره لمحات الوراثة وبصماتها. اتَّسمت فترتا حكم بوش الأب وبوش الابن بتشابهات عدة مع أخذ مُعامِل الذكاء في الحسبان؛ بيد أن الرجلين مثلا في الوقت ذاته غمة تمنى الكثيرون في أنحاء المنطقة انزياحها، وعلى دينهما أصحاب مناصب وسلطات في مناطق أخرى من العالم، تنتقل من يد إلى وريثتها دون عوائق، والحق أن العصب لا يمثل الرابط الوحيد الذي يستنسخ نمط الحكم؛ فثمة روابط أخرى أقوى وأمضى تأثيرًا. في سياق مختلف، يرث المرء بعض الخصال بفعل التربية والبيئة والانتماء؛ الحسّ الإنسانيّ، الغريزة التي تأنف الظلم، الشجاعة في مواجهة المخاطر. لا تترك ابنة المدرب الشهير بيب جوارديولا مناسبة؛ إلا وأعلنت دعمها للقضية الفلسطينية، ولا ينفك الأب يتحدث في كل مناسبة عن مناصرته لها.
***
يقال ما ظهرت الموروثات الضاربة في العمق، أصيلة الجذور: “العِرق يمد لسابع جد”، والمعنى أن ما لم يظهر من صفات في الأب؛ ورثه الولد ولا شك من أجداده. القولة صادقة لكنها ليست من الحتميات، وفي شعوب أسيا -ولتكن الصين مثالا- من عُرِف أجدادهم بقصر القامة، ثم تغلب الأحفاد بالعلم على الصفة السائدة، وطالوا ونافسوا أممًا لأبنائها طول فارع. على كلٍ تبقى مسألة الوراثة بطبيعتها المادية والمجازية مثار بحث وفحص وجدال.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
