إسرائيل شاحاك.. حين تتحوّل المعاناة إلى معنى

اقتبست عنوان هذه المقالة من عبارة الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا بخصوص العنصرية التي عانى منها بلده ما يزيد عن قرنين من الزمن، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري، ففي 21 آذار/مارس 1960، ارتكبت السلطات العنصرية الحاكمة مذبحة شاربيل (جنوب أفريقيا) التي راح ضحيّتها 69 شخصًا.

أقرّت منظمة الأمم المتحدة الاحتفال باليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري في العام 1979، وفي العام 1965 أقرّت الجمعية العامة في الدورة العشرين الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؛ لكن هل انتهت العنصرية؟ وماذا تسمّى القوانين والإجراءات والتدابير التي تقوم بها إسرائيل في فلسطين المحتلة؟ ناهيك عن حرب الإبادة على غزّة وعمليات الإجلاء والاستيطان في الضفة والحرب على لبنان واحتلال أراضٍ سورية جديدة؟

منذ سنوات وأنا أستعيد ما كتبه البروفيسور إسرائيل شاحاك (المولود في بولونيا في العام 1933 والمتوفي في القدس في العام 2001) بخصوص العنصرية الصهيونية، علمًا بأنه أحد الناجين الذين استطاعوا الهرب من معسكرات الاعتقال النازية، ووصل إلى فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخدم في الجيش، ولذلك لا يستطيع أن يزايد أحد عليه، فقد عانى ما عانى من الهولوكوست التي تعرّض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية، كما لا يستطيع أحد أن يتهّمه بمعاداة السامية.

ولأنه يمتلك ضميرًا يقظًا وإنسانية طافحة وخَبِرَ ما تنطوي عليه الصهيونية وممارسات إسرائيل العنصرية من تجاوز لأبسط الحقوق الإنسانية، فإنه قرّر الانخراط في النضال المشّرف ضدّ العنصرية، وقد قادته رحلة البحث والاستقصاء في طبيعة الدولة الإسرائيلية كما يقول المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد بحق زميله المفكّر اليهودي إلى كشف ذلك وفضح زيف “الدولة الديموقراطية الرائعة” و”المعجزة التي تستحقّ الدعم والحماية غير المشروطة”.

يقول شاحاك أن إسرائيل دولة فريدة من نوعها في العالم من حيث الأعذار التي تُساق لصالحها، فضلًا عن ستار الدخان الأيديولوجي وسيل الدعاية وتشويه الحقائق وتحويرها، وعلى عكس الكثير ممن يبررون أعمالها، فإنه لا يسمح لفظائع المحرقة النازية تسويغ ما فعلته إسرائيل بالفلسطينيين باسم “الشعب اليهودي”، فالمعاناة واحدة، وهي ليست حصرًا على مجموعة واحدة من الضحايا.

لقد حذّر شاحاك اليهود بالآتي: إن التاريخ المروّع لمعاداة السامية الذي عانوا منه لا يخوّلهم الحق في أن يفعلوا ما يرغبون فعله لمجرّد أنهم ذاقوا المرارة، ولهذه الأسباب شنّت القوى الصهيونية المتنفذة حملة شعواء ضدّه، لأنه حاول تقويض الأساس الأخلاقي لقوانين إسرائيل وممارساتها العنصرية.

 يقول إدوارد سعيد في تقييمه لدور شاحاك (مقدمة كتاب إسرائيل شاحاك: الديانة اليهودية وتاريخ اليهود – وطأة 3000 عام، ترجمة رضى سلمان، شركة المطبوعات، بيروت، ط4، 1997) “ما كنت أستطيع أن أفعل ما فعلته من دون أوراق شاحاك، وبالطبع من دون قدوته كباحث عن الحقيقة والمعرفة والعدالة… فأنا مَدين له بدين هائل من العرفان بالجميل…”، ويستطرد في ذكر سجاياه بالقول “إنه من أكثر الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي تبحرًا بالعلم ومعرفة الموسيقى والأدب وعلم الاجتماع وفي التاريخ… ولكنه يتفوّق على الكثيرين غيره كعالم في اليهودية”.

ولعلّ مثل هذه الأطروحات التي يدعو إليها شاحاك لا تخصّ نقض انحياز الغرب الأعمى لعنصرية الممارسات الإسرائيلية، بل أنه يضع وهم بعض العرب إزاء السلام المزعوم مع إسرائيل في الميزان، ويكشف على نحو فاضح مشاريعها المستترة والمخفية بالتمدّد “من النيل إلى الفرات”، وهو ما عبّر عنه سفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي عن دعمه لها في نطاق تصريحات لا تمتلك الحد الأدنى من اللياقة والكياسة، فضلًا عن القوانين والأعراف الديبلوماسية.

إن مناسبة اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري مهمة جدًا ليس للإقرار النظري بخطورة العنصرية وانتماء أفكارها إلى الماضي، وأنها رجعية واستعلائية ولا إنسانية بالمطلق، فضلًا عن تعارضها مع قيم حقوق الإنسان (كما جاء في مؤتمر ديربن 2001، الذي تشرّفت بحضوره)، بل لربط النظرية بالممارسة، والعمل على تطبيق ما جاء في قرار الأمم المتحدة بالواقع الذي عاشته غزّة وبقية الأراضي الفلسطينية خلال حرب الإبادة، التي هي جريمة مكتملة الأركان المادية والمعنوية.

لم تعد مقاربة جريمة العنصرية من زاوية الصراعات الدولية بصورة تجريدية، فذلك هو منطق الخطاب الفكري الصهيوني المدعوم من جانب القوى الإمبريالية، لأن الشرعية السياسية والأخلاقية والإنسانية والمشروعية القانونية الدولية تقتضي اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حدّ للعنصرية في كلّ مكان وبالخصوص في فلسطين، والاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، وذلك هو جوهر الصراع.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "البيجر" الآمن لم يعد.. آمناً
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  المسألة الأمازيغية بين التهميش والتفكيك: قراءة في إعلان “دولة القبائل”