شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول مفصلية في إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني. إذ لم تقتصر تداعياتها على الداخل الإيراني، بل امتدت إلى الإقليم عبر استراتيجية قائمة على تصدير الثورة وبناء شبكات نفوذ محلية. وفي لبنان، تجلّى هذا التوجه بشكل واضح من خلال نشوء حزب الله، الذي بدأ كحركة مقاومة خلال اجتياح العام 1982، قبل أن يتحول إلى فاعل سياسي وعسكري مؤثر داخلياً، ولا سيما غداة التحرير في العام 2000. ومنذ انتخاب أول مجلس نيابي بعد ولادة اتفاق الطائف تمثل حزب الله في البرلمان، وما أن انتهى زمن الوصاية السورية عام 2005، حتى كان الحزب يحجز مقعاً ثابتاً في التمثيل الوزاري، من دون أن يخل ذلك بارتباطه العضوي بالمحور الإقليمي الذي تقوده طهران.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، سواء في إطار الصراع الإيراني–الأميركي أو في سياق العلاقات الإيرانية–الخليجية، بات لبنان يتأثر بشكل مباشر بكل تحول في موازين القوى. فكل تصعيد أو تهدئة في الإقليم ينعكس سريعًا على الداخل اللبناني، من خلال إعادة تشكيل التحالفات السياسية أو تأجيج التوترات الطائفية. وبهذا المعنى، لم يعد لبنان مجرد متلقٍ للأحداث، بل أصبح مرآة تعكس صراعات الإقليم وتعقيداته، حيث تتداخل العوامل المحلية مع التأثيرات الخارجية بصورة متشابكة ومعقدة.
غير أن هذا التداخل لم يقتصر على المستوى السياسي، بل امتد إلى المجال الإعلامي والخطاب العام. فقد لعب الإعلام، سواء التقليدي أو الرقمي، دورًا محوريًا في تكريس الانقسامات، من خلال تبنّي روايات متباينة حول دور إيران وحزب الله في لبنان. ففي حين ركزت منصات التواصل ووسائل الإعلام الموالية لمحور المقاومة على إبراز دور الحزب كقوة حماية وردع، صوّرت وسائل إعلام ومنصات أخرى الحزب باعتباره أداة إيرانية تهدد سيادة الدولة وتُورّطها في صراعات إقليمية. هذا التباين في الخطاب لم يسهم فقط في نقل وجهات نظر مختلفة، بل أعاد إنتاج الانقسام الطائفي على مستوى الرأي العام ولا سيما الشبابي، حيث باتت المواقف السياسية ترتبط بشكل وثيق بالانتماءات الهوياتية، فضلاً عن تضخم الخطاب التحريضي في الفضاء الرقمي بوضوح، كما في الشارع ولو بطريقة كامنة إلى حد ما.
على صعيد آخر، انعكس هذا الاستقطاب الحاد على أداء مؤسسات الدولة، التي بدت في كثير من الأحيان عاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية. فقد أدى تداخل العوامل الداخلية والخارجية إلى إضعاف فعالية المؤسسات السياسية، وعدا عن تجارب الفراغ الرئاسي المتكررة منذ انتهاء ولاية إميل لحود (2007) وصولاً إلى انتهاء ولاية ميشال عون (2022)، أصبح البرلمان والحكومة عرضة لتجاذبات لا تقتصر على قضايا داخلية بل تتأثر بلعبة المحاور الإقليمية. انعكس ذلك سلبًا على مسار الإصلاحات الاقتصادية، التي تعثرت بفعل الخلافات السياسية، ما ساهم في تفاقم الأزمات الاجتماعية والخدماتية. وبهذا، تحوّلت الدولة من إطار جامع لإدارة الشأن العام إلى ساحة تتجلى فيها تناقضات الصراع الإقليمي.
في هذا الإطار، يبرز سلاح حزب الله كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل في الداخل اللبناني. فبعد أن كان يُنظر إليه في سياق مقاومة الاحتلال والدفاع عن البلاد، أصبح محل نقاش سياسي حاد، يتجاوز البعد الدفاعي ليشمل دوره في الإقليم. إذ يرى البعض أن هذا السلاح يشكل عنصر قوة وردع، في حين يعتبره آخرون أداة نفوذ إقليمي تستخدمها إيران لتعزيز موقعها الاستراتيجي. هذا الانقسام حول طبيعة السلاح ووظيفته يعكس في جوهره الخلاف الأوسع حول موقع لبنان في الصراع الإقليمي، وحدود سيادته الوطنية.
وفي المقابل، تستفيد أطراف إقليمية ودولية من هذا الواقع المعقد لتحقيق أهدافها. فإيران تعتمد على شبكة حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله، لتعزيز نفوذها في المنطقة، سواء من خلال الدعم السياسي أو العسكري. في حين تسعى الولايات المتحدة ودول الخليج إلى الحد من هذا النفوذ، عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على القوى المرتبطة بطهران. أما إسرائيل، فتتعامل مع وجود حزب الله وسلاحه كعامل تهديد من جهة، وكذريعة لإدارة سياساتها الأمنية تجاه لبنان من جهة أخرى، مستفيدة من أي ضعف داخلي أو انقسام سياسي.
انطلاقًا من ذلك، يرتبط مستقبل لبنان بشكل وثيق بمآلات الصراع الإقليمي، لا سيما ما يتعلق بموقع إيران ودورها. ففي حال تمكنت طهران من تعزيز موقعها الاستراتيجي إذا تمكنت من إبرام تسوية مع الأميركيين تُنهي الحرب الحالية، فإن ذلك سينعكس على الداخل اللبناني من خلال تعزيز نفوذ حزب الله وتوسيع هامش تأثيره في القرار السياسي. أما في حال تراجع النفوذ الإيراني إقليمياً، فقد يفتح ذلك المجال أمام إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، وربما إعادة تقييم دور الحزب وموقعه ضمن الدولة. وبين هذين السيناريوهين، يبقى لبنان أسير تناقضات تعكس هشاشة بنيته السياسية.. وما يزيد الطين بلة أن تدفع تناقضات الإقليم إلى تحميل لبنان ما لا قدرة له على احتماله (نموذج ترحيل السفير الإيراني في بيروت، الأمر الذي لم تعتمده أي دولة عربية أخرى ولا سيما دول الخليج).
مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد اللبناني في كونه مجرد انعكاس للصراعات الإقليمية، إذ يبقى للعامل الداخلي دور حاسم في تحديد المسار المستقبلي. فاستمرار الانقسامات الطائفية، وتوظيفها في الصراعات السياسية، يحدّ من قدرة الدولة على استعادة دورها، ويجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية. وفي المقابل، يشكل تعزيز مفهوم المواطنة وبناء مؤسسات فعالة خطوة أساسية نحو تقليص هذا التأثير، وإعادة توجيه السياسة اللبنانية نحو أولويات داخلية.
في المحصلة، لم يعد بالإمكان فصل ديناميات لبنان الداخلية عن سياقات الصراع الإقليمي الكبير. في ظل هذا الواقع، يصبح الحفاظ على الاستقرار والسيادة مرهونًا بقدرة اللبنانيين على إعادة بناء دولتهم، وتجاوز الانقسامات التي تكشف هشاشتهم. وبينما تستمر الصراعات في الإقليم، يبقى التحدي الأساسي أمام لبنان هو الانتقال من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل، عبر صياغة رؤية وطنية جامعة تضع المصالح الوطنية اللبنانية العليا فوق أية اعتبارات خارجية.
