فصل الدين عن المجتمع أولى من فصل الدين عن الدولة

قضى الغرب قروناً طويلة يناضل من أجل فصل الدين عن الدولة، من أجل تثبيت قواعد الدولة. يسمون ذلك علمانية. يحتاج العرب الى فصل الدين عن المجتمع من أجل الهدف ذاته، وهو تثبيت قواعد الدولة. لا يعني ذلك محاولة إلغاء الدين. لا يمكن إلغاء الدين. الدين فطرة. كأنه غريزة. كل ثقافة مبرمجة دينياً بما يشبه برمجة الـDNA في البيولوجيا. لكن من الممكن تغيير أو تطوّر الصيغة الدينية أو وظيفة الدين. وهذا ما يحصل تلقائياً. فهل يمكن التدخّل في هذه العملية شبه الطبيعية.

تغيرت الصيغة الدينية عند العرب خلال العقود الأخيرة. ساد نوع من الأصولية ذات الأصل الوهابي. بعد أن كان الاهتمام بأمور الدنيا أكثر بكثير، صار الاهتمام بحصر الحياة بين المقدس والحرام أكثر شيوعاً. صارت العلاقة مع السماء ذات أولوية على العلاقة مع الأرض. لم تعد الأرض والعمل المنتج فيها طريقاً الى السماء. صار الخلاص الى السماء أولوية أولى بغض النظر عن العمل والإنتاج وصلاح أمور الدنيا. كأن الدنيا خرجت من الوعي أو جرى التعويض عن العمل بهبة من السماء. هبة النفط الكامن تحت الأرض. لم يعد العمل ضرورياً. صارت الطقوس الدينية هي الأولى، بما لا يتوافق مع تعاليم النبي والقرآن. بالأحرى، جرى تفسير القرآن والحديث النبوي على نحو جديد. ضاق مجال العقل. تراجع الوعي. لم تعد السياسة أولوية أولى. السياسة علاقة بين البشر لإدارة شؤون المجتمع. ذلك يتطلّب الحوار والنقاش والتسويات بين الناس. صارت العلاقة مع السماء عن طريق طقوس الصلاة والصوم والحج وغيرها، أجدى من العلاقة مع الناس. فقد الإنسان الكثير من أهميته مع هذا التطوّر. كما جعل الرأسمال الإنسان عنصراً من عناصر الإنتاج، وسيلة لإنتاج الربح، صار الإنسان حسب السلفية وسيلة للخلاص.  في الحالتين، هو يُفترض أن يخدم سلطة سياسية.

تزايد الفقراء وتراكم الثروات

 في عهد النيوليبرالية، التي سادت منذ أواخر السبعينيات، لم يعد الإنسان معتبرا لدى النظام الليبرالي العالمي بل صار محتقراً. هذه واحدة من نتائج التحوّل من الليبرالية الى النيوليبرالية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

مع صعود النيوليبرالية، إعتبرت الرأسمالية، منذ بداية التسعينيات، أنها انتصرت نهائياً. وأنها، بامتلاكها الرأسمال للاستثمار، هي مصدر نمو المجتمعات حول العالم؛ هي مصدر الإنتاج بل الخلق في هذه المجتمعات. لم يكن الأمر أكثر من نقل الصناعات التي تتطلّب أيد عاملة كثيرة العدد وقليلة الأجور الى أسيا وبقية العالم الثالث. تزامن ذلك مع ضرب النقابات العمالية في الغرب وتدمير الأحزاب اليسارية، وصعود اليمين المتطرّف. تمتعت الرأسمالية بأن صارمتاحاً لها أعداد متزايدة من العمال ذوي الأجور المتدنية. في الوقت نفسه، توقفت أجور العمال وبقية العاملين في الغرب عن النمو. تزايدت الفجوة بين الطبقات. تزايد عدد الفقراء وتراكمت ثروات هائلة بأيدي قلة من الناس. الأرقام مذهلة. لا يقل أهمية عن ذلك أنه كان، وما يزال، للنيوليبرالية برنامج اجتماعي ايديولوجي.

دول العالم الثالث، أو ما كان العالم الثالث الذي صار عاشراً، قامت بدورها في ضبط العمال وقمعهم وإبقاء أجورهم متدنية لمصلحة النظام الرأسمالي العالمي. بالطبع، كان تكليف دول العالم الثالث بهذه المهمة تعدياً على سيادتها. ما كسبته بالاستقلال خسرته بالتبعية واضطهاد شعوبها لمصلحة الرأسمالية العالمية. وهذا اعتبر خطأ الجانب الأساسي أو الوحيد لما سُمي العولمة. الجوانب الأخرى الايديولوجية والاجتماعية لم تنل حقها بالبحث والتمحيص.

لم يكن صدفة أنه في أوج انتصار الرأسمالية العالمية، وانتشار النيوليبرالية، صارت هذه قدس الأقداس عند النخب الثقافية، التي صارت تصلي وراء محراب الخصخصة. حتى الذين كانوا يساريين، شيوعيين أو ماركسيين أو اشتراكيين، صاروا ينظرون للخصخصة والتمييز بين القطاع العالم والقطاع الخاص، واعتبار القطاع الخاص ذي خاصيات تتعلّق بالفعالية والفساد لا يتمتع بها القطاع العام. كل ذلك تبرير كي يتملّك الرأسمال الأملاك العامة. ذلك تملّك بسلخ المشاعات، أو ما تبقى منها، سواء تم تعويض بالمثل العادل أو غير العادل. المهم أن سلخ الملكية العامة من الدولة، أو بالأحرى من الجمهور، مؤداه التراكم ولو بأساليب بدائية. لا ننسى أن الرأسمالية في الأساس قد تشكلت بالتراكم البدائي. إن لم نقل بالسرقة والنهب. ولو أدى ذلك الى تدمير الدولة، أي الانتظام العام. نشر الفوضى في العالم هو مآل النيوليبرالية، ان لم يكن هدفها. تحمي نفسها بالفوضى.

المهم أن لا ينظر الناس الى مصالحهم وأن ينتظروا الخلاص في السماء. المهم أن لا ينتظموا في تنظيمات طبقية، نقابية أو غيرها، للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف معيشتهم. يكفيهم “الأنا” التي توكد الهوية. هؤلاء يتمسكون بالله وشريعته، ولا تهمهم هذه الدنيا. وهؤلاء لا يهمهم الشعب ومصيره ولا يهمهم هذا الحاضر. مطالبهم موجهة الى السماء أو الى مقولة مجهولة هي الشعب

تأكيد الذات وإثارة النعرات

تزامن ذلك مع صعود وانتشار “سياسات الهوية”؛ تأكيد الذات الثقافية في مواجهة الدولة؛ إثارة النعرات الدينية والإثنية (القومية) في وجه الدولة (الانتظام العام). لم يكن الحديث عن صراع الحضارات إلا برنامجاً للفوضى. برنامج افترض خطأً أن الثقافات كيانات مغلقة، وأنها في تناحر دائم، مع إغفال أن الذين قُتلوا على مر التاريخ في الصراعات داخل الثقافات أكثر بكثير من الذين قتلوا نتيجة الصراعات بين الثقافات المزعوم أنها وحدات مغلقة ذات جوهر أبدي لكل منها.

كان ضرورياً التلاعب بالإثنيات والهويات الدينية. الدين أكثر رسوخاً في المجتمع من الإثنية. يثير العواطف بأسرع مما يتصوّر المتصورون. هو ما يشبه الغريزة الفعلية؛ هو الفطرة.  إثارة الفوضى كانت، وما تزال تتطلّب، الاهتمام بالآخرة أكثر منها بالدنيا، على أن تترك الدنيا لأصحاب المال والمصالح (النيوليبرالية) والاهتمام بالهوية على أساس أن الناس في عصر القوميات، ومنذ القرن التاسع عشر، يريدون تأكيد الهوية. تأكيد الهوية (إثنياً) ضد الدولة، ودينياً (لمصلحة الله والشريعة). المهم أن لا ينظر الناس الى مصالحهم وأن ينتظروا الخلاص في السماء. المهم أن لا ينتظموا في تنظيمات طبقية، نقابية أو غيرها، للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف معيشتهم. يكفيهم “الأنا” التي توكد الهوية. هؤلاء يتمسكون بالله وشريعته، ولا تهمهم هذه الدنيا. وهؤلاء لا يهمهم الشعب ومصيره ولا يهمهم هذا الحاضر. مطالبهم موجهة الى السماء أو الى مقولة مجهولة هي الشعب. اعتقدوا وهماً أنهم يؤكدون ذاتهم؛ في واقع الأمر كان أرباب النيوليبرالية، وما يزالون، يحكمون العالم.

إتحاد الطغيان والقوميات والدين

طبعاً، دولنا استبدادية. واستلم شؤون الدين ورثة الأنبياء. تم بناء مساجد وتكيات أكثر مما مضى في التاريخ كله؛ وتُركت شؤون الاثنيات ليوم الحشر، دون دمجها بالدولة بعد أن كانت مندمجة بالمجتمع. وليكن دعمها في بلداننا أو البلدان المجاورة باسم الاشتراكية حيناً والديمقراطية حيناً آخر. شعار وحدة الأمة مرفوع، يحفظه الله والقائد الى الأبد. لا خوف على المجتمع. لا خوف على الأمة. أليست الأمة كياناً ميتافيزيقياً فوق الغيوم؟ أليس المؤكد أنه يتجلى أحياناً؟ سوف يتجلى. الحزب الواحد، هو بطريقة سرية، الوسيط الردحي بين الشعب والأمة. الشعب على الأرض والأمة في السماء. اتحدت سماوات الطغيان والقوميات والدين. جميعهم نهلوا من مفردات ومصطلحات (وأموال النفط) الدين الذي لا ينضب تراثه ولا نفطه. طبعا، كلامولوجيا العداء للامبريالية، حوفظ عليها، وارتفع صوتها. العداء للامبريالية ثقافياً لا سياسياً. تحالف سياسي وفكري مع القوى الامبريالية وأتباعها في بلدان العرب، وعداء تام للثقافة الغربية، ثقافة العالم. فليبق المجتمع مغلقاً، وليبق مجتراً للتراث. حتى تعلّم اللغة الأجنبية ممنوع لمنع إمكانية الترجمة. حتى مراكز الأبحاث ممنوعة لإلغاء التساؤل والشك حول الحاضر. هذا الاستبداد لا يستمر، ولا يكتب له الاستمرار دون مجتمع مغلق يدور على نفسه. يتغنى بأمجاده. يرفع السلف الصالح لمستوى القداسة. يؤكد على المجتمع أن يكون في مستوى السلف الصالح؛ يريد العيش حسب السلف الصالح، لاستعادة ماض لم يوجد أصلاً، واختراع تقاليد جديدة، وتدمير التقاليد التاريخية، والاعتراف بالماضي لسحق التاريخ. يريدون إبقاء الماضي في دائرة الأوهام وإلغاء التاريخ لمنع التطوّر. الماضي صورة ثابتة. التاريخ بحث مستمر. سؤال، وشك، وإعادة ترتيب ما حدث، إن حدث في الماضي والحاضر. الماضي يؤكد السلفية، التاريخ ينسف الحاضر. عقل مفرغ من السؤال. هذا هو مطلب الاستبداد والسلفية. وهذا هو المذهب الديني النفطي. التعلّم بالذاكرة. أصحاب المنظمات غير الحكومية مسرورون. يريدون الحفاظ على الذاكرة والطبيعة. ربما لم يُزرع في التاريخ من الأنصاب قدر ما زُرع في عهد الاستبداد والسلفية. أنصاب الطبيعة وأنصاب الدين وجهان لعملة واحدة. الواحد منهما يعكس الآخر في المرآة. الحياة، حياة الجنس البشري، جزء من الطبيعة. الطبيعة يقرر الله بدايتها ونهايتها وما يجري بين البداية والنهاية. إذن مهما فعل الإنسان، لا يمكنه القضاء على الطبيعة، وهذا من شأن الله. لا يأبه النيوليبراليون للطبيعة، وذلك لأسباب تتعلّق بالتطوير العقاري. كما لا يأبه أصحاب الدين للطبيعة لأنها تتعلّق بقرار إلهي. الله والرأسمال متحالفان فيما يتعلّق بالطبيعة، وفيما يتعلّق بمصير الجنس البشري، وإن اختلفا حول نظرية الخلق من العدم أو تطورية داروين.

ماذا يريد الله؟

دخلت النيوليبرالية (الرأسمالية) في أعماق الدين الذي صار في طليعة المبررين وضد تأثير الإنسان في البيئة، ونهاية الطبيعة، ونهاية الجنس البشري الذي يقرره الله وحده. خلال ذلك، تستطيع الرأسمالية في نظرهم أن تفعل ما تشاء. وهي لا تشاء سوى الربح، على حساب تدمير البيئة وإمكانية استمرار الحياة البشرية.

لدى كل الأديان ما يشبه الأشعرية. ليس فقط عند السنة والشيعة، بل الأديان الأخرى جميعاً. هي التي قررت وتقرر (ولا تستطيع غير ذلك) أن كل ما يحدث على الأرض تقرره المشيئة الإلهية. التطرّف الديني في كل أنحاء العالم جرّد العِلم، بدفع من الرأسمالية العالمية، من كل فهم للطبيعة ومن أثر الأفعال البشرية في الطبيعة. زمن إمكانية نهاية البشرية على يد الرأسمالية. الدين بجميع أشكاله ومذاهبه يحالف الرأسمالية ضد العلم والاستنتاجات العلمية والمخبرية التي تنذر بالشؤم؛ هو يشارك الرأسمالية في تفاؤلها: هي لجني الأرباح في تدمير البيئة، والدين يعبر عن حبه واحترامه للذات الإلهية. المشكلة أننا نعرف ماذا تريد الرأسمالية. فهل نعرف ماذا يريد الله؟ ورثة  الأنبياء يعرفون ربما.

السياسة تحمي الديمقراطية

في سبيل استقامة الدولة، استدعى الأمر فصل الدين عن الدولة، وعن السياسة، دون نجاح يذكر في كثير من المجتمعات. أما ما يتعلّق باستمرار الجنس البشري، فالأمر يستدعي فصل الدين عن المجتمع.

في البلدان العربية يستدعي الأمر إزالة هذه الصيغة الدينية السلفية التي تحتقر الحياة بالمقدس والحرام. وفي كل أنحاء العالم، يستدعي الأمر إزالة صيغة دينية تعمل لصالح الرأسمالية في تدمير الطبيعة، والبيئة البشرية، والمصير الإنساني. لم يعد بالإمكان التسامح مع صيغة دينية تتواطأ على نهاية البشرية، بحجة أن الخلق قرره الله وكذلك النهاية يقررها الله، ولا دخل للانسان في تقرير مصيره.

الدين فطرة. هو في الأساس ضرورة لتفسير كون كان عسيراً فهمه عند الشعوب القديمة والحديثة. لا يمكن اقتلاع فكرة الله من ذهن أي فرد. لكن هناك فرق بين أن يكون الدين جماعيا ويشكّل فريقاً سياسياً ذا تأثير كبير على عقول وأفئدة الكثير من الناس (ضد العلم)، وأن يكون فردياً محصوراً بالايمان أي بالعلاقة بين الفرد والله.

في سبيل بقاء البشرية، وفي سبيل بقاء العرب، الذين تعاني مجتمعاتهم من مزاج ديني جماعي خانق لا بدّ من أن تنفتح بنية المؤسسات الدينية، وأن تتفكك قبضتها على المجتمع، وأن تعود السياسة فتصير المواطنية ممكنة. المواطنة هي علاقة مباشرة بين الدولة والفرد، الذي لا يصير مواطناً دون هذه العلاقة، ولا يصير مشاركاً في أمور الدولة إلا عبر ضميره بغض النظر عن المؤسسات الدينية التي توجهه في هذا الاتجاه أو ذاك. السياسة تحمي الديمقراطية، لا العكس. الديمقراطية الحقة تقضي بأن يكون الدين واحداً من العناصر التي تقرر رأي الفرد. ربما كان الايمان مستحوذاً على كل شخصه لكن إذا أراد الناس أن يكون موقفهم مؤسساً على العمل الحديث لا على الإيمان والعقيدة، فعليهم أن ينتظموا في تنظيمات سياسية ذات برامج سياسية تتعلّق بأمور الناس المعيشية، وبمصير البلد والدولة. لا يمنع ذلك أن تكون خلفية المشارك دينية، وأن تزدهر المؤسسات الدينية.

يقبض الدين على المجتمعات حول العالم كتبرير لما تفعله البورجوازية الكبرى، ولتبرير النيوليبرالية. حتى فيما يتعلّق بالاحتباس الحراري وخطورة الأمر على الجنس البشري، يعتقد أصحاب الدين أن المسألة التي تتعلّق بالمصير البشري تتناقض مع نظرية الخلق. الله الذي خلق الكون في لحظة تاريخية هو وحده الذي يستطيع انهاءه ولا دخل للجنس البشري بذلك. وذلك بمثابة ترخيص للرأسمال الكبير، أو الصغير، أن يفعل بالطبيعة كما يشاء. وهو لا يفعل شيئاً إلا في سبيل الربح. فليكن الربح على حساب مصير البشرية.

الصيغة الأساسية للقراءة الدينية التي تعتمد تفسير الكتب المقدسة تفسيراً حرفيا لا تستطيع إلا أن تعتقد بالخلق الإلهي، كما المصير الإلهي. لكن هذه الصيغة الدينية هي التي تسيطر في شتى أنحاء العالم، وهي أساس الفاشية والحروب الإثنية الانفصالية. هي التي تقبض على المجتمعات.

لذلك فإن التوصل الى مجتمع سياسي لم يعد يقتصر على النضال من أجل فصل الدين عن الدولة، بل فصل الدين عن المجتمع.

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download