مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، بما يتجاوز بكثير التوقعات الأولية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتزايد المؤشرات على سعيه لإيجاد مخرج ديبلوماسي، بالتوازي مع استمراره في التلويح بتصعيد النزاع. وفي هذا السياق، عكست تصريحاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الخميس) حالة من التردد في مقاربة الملف، إذ وصف المسؤولين الإيرانيين بأنهم “مختلفون للغاية” و”غريبون”، وادعى أنهم يسعون إلى إبرام اتفاق، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة أن “يتعاملوا بجدّية أكبر” في المرحلة المقبلة.
وما تزال هوية الجهة التي تقود قنوات التواصل مع طهران داخل إدارة ترامب غير واضحة، في ظلّ تعدّد الأسماء المطروحة وتداخل الأدوار. ففي إشارة إلى توزيع الملف على أكثر من فريق، أعلن ترامب (الثلاثاء) أن كلاً من نائبه جي. دي. فانس، ووزير خارجيته ماركو روبيو، سينضمان إلى مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف ومستشاره جاريد كوشنر، في أي مسار تفاوضي محتمل. وأضاف أن “عدداً من المسؤولين يتولون العمل على ملف التفاوض مع إيران”.
ويُذكر أن فانس معروف بمواقفه السابقة المعارضة للتدخل الأميركي في الشرق الأوسط عموماً، وفي إيران خصوصاً، في حين يُعدّ روبيو من المتشدّدين حيال الجمهورية الإسلامية، وقد دافع علناً عن قرار ترامب شنّ الحرب الحالية، وكذلك عن سياساته التصعيدية السابقة.
وتعكس هذه الخلطة من المبعوثين (صديق، وقريب، وصاحب توجه حمائمي، وآخر من الصقور) الأسلوب الارتجالي الذي يتبعه ترامب في إدارة الشؤون الخارجية، فضلاً عن ازدرائه بالديبلوماسيين المهنيين وما يرافق عملهم من إجراءات مؤسسية معقّدة. وتزداد الصورة غموضاً بفعل تصريحات ترامب المتدفقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأمام الكاميرات، حيث يُعلن مواقف ثم ما يلبث أن يناقضها أو يتراجع عنها، أو في أفضل الأحوال يُعدّلها.
وقد وضع هذا الارتباك في إدارة الملف الإيراني – من حيث تعدّد المفاوضين، وتضارب الأدوار، وتصريحات ترامب المتناقضة بشأن الحرب والتفاوض – الثقة التي عبّر عنها مسؤولو الإدارة في بدايات تحركاتهم في هذا الخصوص موضع اختبار.
من جهة ثانية، رفضت طهران علناً وبشكل رسمي مقترح وقف إطلاق نار من 15 بنداً طرحته واشنطن، لكنها تدرس سراً إمكانية عقد لقاء مع مفاوضين أميركيين لم تُكشف هويتهم في باكستان خلال الأيام المقبلة.
وفي تقييمه للأداء الدبلوماسي، اعتبر دانيال كيرتزر، السفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، أن مقاربة ترامب تجاه إيران تمثل إخفاقاً، مشيراً إلى أن الرئيس يبدو غير واضح حتى الآن بشأن أهدافه. وقال: “ترامب يقول إنه يريد خفض التصعيد، لكن هل يعرف فعلاً ما الذي يعنيه ذلك؟”، مضيفاً أن المطالب الـ15 التي قدّمها إلى طهران “غير واقعية، وغير قابلة للتفاوض من الأساس، لأنها تعني عملياً أن تتخلى إيران عن كل شيء، وهو أمر مستحيل وغير مقبول”.
كما انتقد كيرتزر تهميش كوادر السلك الدبلوماسي المهنيين، وتقليص الوظائف الأساسية في صنع القرار، وإسناد ملف الشرق الأوسط إلى شخصيات مثل ويتكوف وكوشنر، وهما من ذوي الخبرة في مجال العقارات، لكنهما لا يمتلكان خلفية مهنية في الشؤون الدولية، ما حرم الإدارة الأميركية من فرق خبراء مؤهلين قادرين على تقديم المشورة السليمة والدعم الاستراتيجي اللازم لإدارة الأزمة.
ولا يقتصر هذا القلق على الداخل الأميركي، إذ يرى عدد من الدبلوماسيين الأجانب أن الآلة الدبلوماسية الأميركية تعاني من خلل واضح. فقد كتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مجلة “ذي إيكونوميست” أن “الولايات المتحدة فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”، متسائلاً: “ماذا يمكن لأصدقاء أميركا أن يفعلوا لمساعدتها على الخروج من هذا المأزق غير المرغوب فيه؟”.
وفي هذا السياق، سعت دول عدة، من بينها عُمان ومصر وباكستان، إلى التوسط لإطلاق مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران. ويندرج في هذا السياق اجتماع وزراء خارجية باكستان وتركيا ومصر والسعودية في إسلام أباد أمس (الأحد).
كما أثار مراقبون تساؤلات حول ما إذا كان ترامب قد أضاع فرصة لتجنب الحرب عندما أوفد ويتكوف وكوشنر إلى جنيف (أواخر شباط/فبراير) لإجراء مفاوضات أخيرة مع إيران بشأن برنامجها النووي والصاروخي، إذ يرى منتقدون أنهما لم يمتلكا الخبرة الكافية، وتعجّلا في استنتاج أن طهران غير مستعدة للتوصل إلى اتفاق.
وفي هذا الإطار، قال جايك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس جو بايدن، إن لقاء جنيف شابه سوء إدارة، مضيفاً أن إيران قدّمت عرضاً كان يمكن أن يسهم في حل المسألة النووية إلى حد كبير، “لكن مفاوضينا لم يفهموا ما عُرض عليهم، وتجاهلوه، ومضوا نحو خيار الهجوم العسكري”.
ورفض مسؤولو إدارة ترامب هذا الطرح، مؤكدين أن طهران رفضت الاستجابة لمطالب أساسية، من بينها التخلي كلياً عن تخصيب اليورانيوم. إلا أن الشكوك تتزايد بشأن كفاءة المقاربة الديبلوماسية لهذه الإدارة، لا سيما في قدرتها على استخدام أدوات السياسة بفعالية. فقد انتقد وزير الدفاع الأسبق جيمس ماتيس هذا التوجه قائلاً: “إن الاستهداف التكتيكي للأهداف لا يُغني عن ضرورة وجود استراتيجية واضحة”، مشيراً إلى أن استخدام أدوات الدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات الدولية لا يزال غير محدد المعالم، مما يترك الإدارة من دون رؤية واضحة للتعامل مع الأزمة الإيرانية.
ومن السمات اللافتة للانتباه في نهج ترامب تقليص دور وزارة الخارجية ووزيرها ماركو روبيو، الذي قلّص زياراته الخارجية مقارنة بأسلافه، مكتفياً بإجراء اتصالات هاتفية، في وقت اعتاد فيه وزراء الخارجية الأميركيون التحرك ميدانياً خلال الأزمات لبناء الثقة واكتساب فهم مباشر للأوضاع.
ويرى المفاوض الأميركي السابق في شؤون الشرق الأوسط، آرون ديفيد ميلر، أن هذا النهج يشكّل “انحرافاً كبيراً عن الأعراف والمنطق”. ويشير إلى أن تهميش وزير الخارجية، وعدم اضطلاعه بدور قيادي في إدارة أخطر أزمة خارجية تواجهها الولايات المتحدة، يعكس خللاً في عملية صنع القرار، ويفتح المجال أمام طهران لاختيار المسؤولين الأميركيين الذين تفضّل التفاوض معهم، مستفيدة من غياب هيكل تفاوضي واضح ومتماسك.
كما أثارت تفاصيل إحاطة إعلامية قدمتها الإدارة في بداية الحرب تساؤلات إضافية، إذ شارك ويتكوف وكوشنر في محادثات جنيف إلى جانب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، من دون حضور خبراء تقنيين أميركيين. وأبدى مسؤول أميركي استغرابه من تمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم، برغم أن هذا الموقف معلن منذ عقوده، قائلاً إنه اطّلع على المقترح الإيراني واعتبره “مريباً”، وهو التقييم الذي نُقل إلى ترامب، قبل أن يقرّر الأخير تنفيذ الضربة العسكرية في اليوم التالي.
– ترجمة بتصرف عن “نيويورك تايمز“.
(*) مايكل كراولي، مراسل ” نيويورك تايمز” في وزارة الخارجية الأميركية.
