الوقت.. سلاح إيران الصامت!

يمكن لأي مراقب موضوعي أن يُلاحظ أن السلوك الإيراني في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية لا يبدو عشوائياً، بل يستند إلى تصور استراتيجي واضح يضع “عامل الوقت”، أي الاستنزاف، في موقع مركزي، باعتباره أداة يمكن أن تعادل أو تحدّ من أثر التفوق العسكري الأميركي-الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يمكن توصيف المواجهة بوصفها تفاعلاً بين نمطين: نمط يعتمد على التفوق التكنولوجي والسعي إلى الحسم السريع، وآخر يرتكز على الصمود طويل الأمد والاستنزاف التدريجي للخصم.

أولاً؛ فلسفة “الحرب الطويلة”
تستند العقيدة العسكرية الإيرانية إلى تراكمات تاريخية وتجارب قاسية تركت أثراً عميقاً في بنية التفكير الاستراتيجي. ومن أبرز هذه التجارب الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، والتي استمرت ثماني سنوات، وشملت إلى جانب المواجهات التقليدية ما عُرف بـ“حرب المدن”، حيث تعرضت مدن رئيسية مثل طهران وتبريز وأصفهان لهجمات صاروخية متكررة.

وقد أسهمت هذه التجربة في ترسيخ قناعة لدى صانع القرار الإيراني بأن القدرة على التحمل والاستمرارية (Endurance) تمثل عاملاً حاسماً يتقدم على مفهوم الحسم السريع. وفي المقابل، تنطلق بعض التقديرات الإيرانية من أن المجتمعات الغربية، وخصوصاً في زمن “دولة الرفاهية”، قد تواجه صعوبات في تحمل كلفة الحروب الطويلة، سواء على مستوى الاقتصاد أو الاستقرار الداخلي. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى الوقت بوصفه عاملاً ضاغطًا على الطرف الذي يسعى إلى تحقيق نتائج سريعة لتبرير عملياته أمام الرأي العام وتجنب تداعيات سياسية داخلية.

ثانياً؛ صدمة البداية مقابل استمرارية الاستنزاف
تشير المعطيات الأولية إلى أن المرحلة الأولى من المواجهة، وخصوصاً في الأسبوع الأول، شهدت تفوقاً عملياتياً للطرف المهاجم، تمثل في استهداف بنى تحتية عسكرية، ومخازن صواريخ، ومنشآت مرتبطة بالطائرات المسيّرة، إضافة إلى استهداف المرشد الأعلى وقيادات عسكرية وأمنية بارزة.

ومع ذلك، فإن هذا التفوق الأولي، الذي يمكن توصيفه كإنجاز تكتيكي، يميل بطبيعته إلى التراجع مع مرور الوقت. ففي الأدبيات العسكرية، تتلاشى آثار “الصدمة الأولى” تدريجياً لتفسح المجال أمام مرحلة التكيف وإعادة التنظيم. وفي هذا الإطار، تشير التقديرات إلى أن إيران وضعت سيناريوهات بديلة مسبقاً، تشمل آليات لتعويض القيادات بسرعة، وإعادة توزيع القدرات العسكرية في منشآت محصنة، بما في ذلك الأنفاق والبنى التحتية تحت الأرض، الأمر الذي يسمح لها بالحفاظ على قدرة رد مستمرة برغم فداحة خسائر الضربة الأولى.

ثالثاً؛ إشكالية الأهداف المتحركة
أحد أبرز التحديات في الجانب الأميركي يتمثل في مسألة تحديد الأهداف النهائية للعملية العسكرية. إذ تتراوح التصورات بين أهداف متعددة، مثل اسقاط النظام، تغيير سلوك النظام، أو تقليص قدراته العسكرية، أو استهداف برنامجه النووي والصاروخي وأذرعته إلخ..

هذا التعدد في الأهداف، في حال عدم ضبطه ضمن إطار استراتيجي واضح، قد ينعكس على قدرة المؤسسة العسكرية على قياس التقدم الميداني وتحديد معايير النجاح. كما أن غياب وضوح الهدف قد يساهم في إرباك النقاش الداخلي، سواء داخل المؤسسات السياسية أو في الرأي العام، ويؤثر على استمرارية الدعم للعملية العسكرية.

رابعاً؛ محدودية التحالفات وتعقيدات مضيق هرمز
على مستوى التحالفات، يبدو أن نطاق الانخراط الدولي ما يزال محدوداً مقارنة بنماذج سابقة، ما يضع عبئاً أكبر على الأطراف المشاركة مباشرة في العمليات. وقد انعكس ذلك في الجهود الديبلوماسية اللاحقة لحشد دعم أوسع، خصوصاً في ما يتعلق بحماية الملاحة البحرية أو الانخراط في الحملة البرية.

في مضيق هرمز، لم يقتصر التأثير على الإجراءات العسكرية المباشرة، بل شمل أيضاً الأبعاد الاقتصادية، حيث أدى ارتفاع أقساط التأمين على السفن إلى تراجع حركة الشحن، ما يشير إلى أن تعطيل الممرات الحيوية يُمكن أن يتحقق عبر أدوات غير عسكرية مباشرة. وفي الوقت نفسه، فإن إعادة نشر القوات من مناطق بعيدة، مثل شرق آسيا، تطرح تحديات زمنية ولوجستية تعكس طبيعة الانتشار العسكري العالمي وتعقيداته.

خامساً؛ جغرافيا الحرب والامتداد الإقليمي
لا تقتصر المواجهة على المجال المباشر، بل تمتد إلى البعد الجيوسياسي الأوسع. فالجغرافيا الإيرانية، بطبيعتها الواسعة وتضاريسها المعقدة، تحدّ من خيارات العمليات البرية التقليدية واسعة النطاق. وفي المقابل، تعتمد إيران على توسيع نطاق التفاعل عبر بيئات إقليمية متعددة، ما يؤدي إلى تشتيت الموارد لدى الخصوم، ويفرض عليهم إدارة عدة مسارح عمليات في آن واحد.

سادساً؛ الطاقة كعامل ضغط في الاقتصاد العالمي
يمثل قطاع الطاقة أحد أبرز الأبعاد غير المباشرة للصراع. فالتوتر في منطقة الخليج، التي تعد ممراً حيوياً لإمدادات النفط وسلاسل التوريد (الهيليوم واليوريا وغيرهما من مواد ومعادن)، ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية، وبخاصة على الاقتصادات الكبرى. وفي هذا السياق، قد يؤدي استمرار التوتر إلى ضغوط اقتصادية تدفع بعض الدول إلى تبني مواقف تدعم التهدئة واحتواء التصعيد.

سابعاً؛ الحرب النفسية وتماسك الجبهة الداخلية
يُعدّ البعد الداخلي عاملاً مؤثراً في مسار النزاع. ففي الحالة الإيرانية، قد يسهم الضغط الخارجي في تعزيز التماسك الداخلي على أسس وطنية. وفي المقابل، تواجه الساحة الأميركية نقاشاً داخلياً مستمراً حول كلفة الحرب وأهدافها، حيث يشكل الرأي العام، إلى جانب المؤسسات السياسية، عاملاً ضاغطاً في تحديد مدى الاستمرار في العمليات، وبخاصة في غياب نتائج حاسمة على المدى القصير.

إقرأ على موقع 180  يتساءلون عن المسئول.. أمريكا أم ترامب؟

ثامناً؛ التكنولوجيا في مواجهة أنماط التكيف اللامركزي
تعكس طبيعة المواجهة تبايناً بين الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة، وبين تبني أساليب أكثر مرونة تقوم على الانتشار والتوزع. فإعادة تنظيم الهياكل القيادية، واستخدام شبكات اتصال بديلة، وتفكيك القدرات العسكرية إلى وحدات أصغر، كلها عوامل قد تحدّ من فعالية الضربات الدقيقة، وتسهم في إطالة أمد الصراع.

في الخلاصة؛ تشير المعطيات إلى أن النتائج الأولية لأي مواجهة قد لا تكون كافية لتحديد مسارها النهائي. فبينما يمكن أن تحقق العمليات السريعة مكاسب تكتيكية، يبقى الحسم على المدى الطويل مرتبطاً بعوامل مثل القدرة على التكيف، ووضوح الأهداف، وإدارة الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا الإطار، يظل عامل الوقت عنصراً مركزياً قد يعيد تشكيل توازنات القوة خلال مسار الصراع، ويجعل مآلاته مفتوحة على أكثر من احتمال.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  كل الأيام للمرأة لو تُدرك نفسها.. أولاً