منذ نشأته، قام لبنان على توازن طوائف لم تعش يومًا في عزلة عن امتداداتها الخارجية. وعليه، بدت الرعايات الإقليمية والدولية للطوائف وزعاماتها وأحزابها منسجمة مع ما يمكن تسميته “العرف السياسي اللبناني”، حيث لم تُعدّ انتقاصًا من وطنية أي زعيم أو جماعة، بل مكوّنًا من مكوّنات النظام السياسي نفسه. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين شيعة لبنان وإيران، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، كإحدى الركائز التي أسهمت في إعادة تشكيل موقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري.
غير أن هذه العلاقة عادت إلى واجهة الجدل في ظل التوتر المتصاعد بين السلطة الرسمية اللبنانية – بمؤسساتها التنفيذية – والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما رافق ذلك من قرارات وإجراءات، كمنع هبوط الطيران الإيراني في مطار بيروت، وتزايد الاستدعاءات الدبلوماسية، وصولًا إلى طرح مسألة طرد السفير الإيراني. وهنا يبرز سؤال إشكالي مركزي: هل يمكن فك هذه العلاقة تحت عنوان السيادة، من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف موقع الشيعة داخل الدولة اللبنانية، وإعادة إنتاج حالة انكشافهم، في ظل غياب دولة قادرة على توفير بدائل حماية وإنصاف وتنمية، خصوصًا في سياق حرب وجودية تطالهم بدرجة كبيرة على المستويات البشرية والاقتصادية؟
الرعاية الخارجية.. قضية بنيوية!
لم يعرف لبنان الحديث طوائف منقطعة عن الخارج، بل إن نشأة الكيان ذاته اقترنت بتداخل وثيق بين الداخل والخارج. فقد ارتبطت الطوائف الكبرى بعلاقات سياسية ودبلوماسية مع قوى إقليمية ودولية، واكتسبت من خلالها جزءًا من وزنها وتأثيرها. ولم يُنظر إلى هذه العلاقات دائمًا بوصفها انتهاكًا للسيادة، بل كثيرًا ما اعتُبرت عنصرًا ملازمًا لطبيعة النظام اللبناني.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الشيعة اللبنانيين كانوا من آخر الطوائف التي دخلت في منظومة التحالفات الإقليمية والدولية، مقارنة بغيرهم. وقد برزت علاقتهم بسوريا ثم بإيران، خصوصًا بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كتحول نوعي في موقعهم داخل المعادلة اللبنانية. ومن هنا، فإن إدانة علاقة طائفة واحدة براعٍ خارجي، مع التغاضي عن علاقات مماثلة لطوائف أخرى، تعكس في كثير من الأحيان انتقائية سياسية أكثر مما تعبّر عن التزام مبدئي بمفهوم السيادة.
الشيعة من الهامش إلى الفاعلية
تكتسب الحالة الشيعية خصوصيتها من كونها جاءت متأخرة نسبيًا إلى منطق الرعاية الإقليمية. فقد عانى الشيعة تاريخيًا من ضعف التمثيل السياسي، واختلال في التنمية، وغياب عمق خارجي داعم. وعندما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، لم تُستقبل في الأوساط الشيعية اللبنانية بوصفها حدثًا إقليميًا عابرًا، بل كتحول تاريخي فتح آفاقًا جديدة للحماية والتمكين.
فقد مثّلت هذه الثورة، لدى شرائح واسعة، انتقالًا رمزيًا وفعليًا من الهامش إلى مركز الفعل، عبر توفير دعم سياسي ومالي وعسكري، إلى جانب تقديم نموذج مرجعي ديني وسياسي. ومن ثم، تحوّلت العلاقة مع إيران، في الوجدان الشيعي، إلى ما يتجاوز التحالف السياسي التقليدي، لتغدو أحد مرتكزات النهوض لشيعة لبنان والمنطقة.
الدعم الإيراني بأبعاد متعددة
غالبًا ما يجري اختزال العلاقة بين إيران وشيعة لبنان في بعدها العسكري، إلا أن هذا التوصيف يبقى قاصرًا. صحيح أن دعم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي شكّل عنصرًا تأسيسيًا في هذه العلاقة، منذ العام 1982 حتى يومنا هذا، خصوصًا في ظل عجز الدولة اللبنانية عن القيام بوظائفها الدفاعية، إلا أن الدور الإيراني امتد إلى مجالات أوسع شملت الأبعاد الاجتماعية والصحية والتربوية والتنظيمية، من دون إغفال البعد الديني، فمرجعية التقليد تُعدُ ركناً أساسياً في العقيدة والفقه الشيعي الإثني عشري، وتشكل العلاقة بين شيعة لبنان ومراجع التقليد ارتباطاً دينياً وتنظيمياً وثيقاً، يمتد تاريخياً وجغرافياً إلى مراكز الحوزات العلمية والدينية الكبرى، لا سيما في النجف الأشرف بالعراق وقم في إيران.
وعليه، لا يُمكن النظر إلى هذه العلاقة من منظور السلاح أو حزب الله أو حركة أمل؛ فأي قراءة متوازنة لصعود الشيعة في العقود الأخيرة ينبغي ألا تُرجع هذا التحول إلى عامل واحد، وإن كان من الصعب تصور هذا الصعود بالشكل الذي تحقق من دون هذا الدعم المتعدد الأبعاد.
سابقة الثمانينيات
تُظهر التجربة التاريخية أن العلاقة بين لبنان وإيران لم تكن مستقرة على الدوام لا سيما بعد سقوط الشاه محمد رضا بهلوي وولادة الجمهورية الإسلامية. ففي أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وفي ذروة الصراع على هوية لبنان وتموضعه الإقليمي، وتحت تأثير محادثات السلام بين لبنان وإسرائيل واتفاقية 17 أيار (مايو)، تصادم عهد الرئيس أمين الجميل مع إيران، وبلغ الأمر حدّ قطع العلاقات الدبلوماسية معها في أواخر عام 1983، عندما اتخذت حكومة الرئيس شفيق الوزان قراراً ترجمته وزارة الخارجية باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني وتسليمه مذكرة رسمية وإمهاله 72 ساعة للمغادرة. وبرغم خطورة القرار في ذلك الحين، لم يتحول إلى مسار دائم، فما أن تبدلت موازين القوى بعد “انتفاضة 6 شباط 1984″، حتى أُعيد فتح الأبواب بين بيروت وطهران. وتدل هذه السابقة على أن العلاقة مع إيران ليست مسألة إدارية أو دبلوماسية بحتة، بل ترتبط بتوازنات داخلية معقدة، تجعل من الصعب تثبيت أي قطيعة طويلة الأمد من دون تغير جذري في بنية النظام اللبناني نفسه.
التعويضات بوصفها مؤشرًا على عمق الرعاية
لا تمثل مسألة التعويضات محور النقاش، لكنها تشكل مؤشرًا ملموسًا على طبيعة العلاقة. فالدعم المالي الذي قُدّم بعد حرب العام 2024، والذي شمل تعويضات مباشرة للمتضررين، يعكس قدرة هذا الارتباط على التحول إلى دعم عملي في لحظات الأزمات.
وتكمن أهمية هذه المسألة في دلالتها الرمزية: إذ يظهر أن هذا الدعم لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى أدوات معيشية مباشرة، في وقت عجزت فيه الدولة اللبنانية عن القيام بدورها، وغابت مصادر دعم بديلة.
القطيعة مع إيران
في هذا السياق، لا يُنظر إلى أي توجه رسمي نحو “تقنين” العلاقة أو قطعها مع إيران بوصفه إجراءً تقنيًا، بل كخطوة تمس أحد أعمدة القوة المكتسبة لطائفة وازنة لبنانياً على مدى العقود الأربعة الماضية. وتبرز هنا إشكالية جوهرية: هل يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب من مكوّن أساسي التخلي عن عمقه الإقليمي، من دون أن تكون قادرة على تعويضه بوظائف الحماية والإنصاف والتنمية؟
إذا لم يتوافر هذا البديل، فإن خطاب السيادة قد يتحول إلى أداة إضعاف داخلي بدل أن يكون إطارًا جامعًا لإعادة بناء الدولة.
خلاصات تحليلية
في ضوء ما سبق، يمكن استخلاص ثلاث نقاط رئيسية:
- إن مفهوم السيادة في لبنان لا يمكن أن يُطبّق بانتقائية، بل يحتاج إلى معيار موحّد يشمل جميع المكونات.
- إن أي محاولة لفك الارتباط مع إيران، إذا لم تقترن ببناء دولة قوية وقادرة وعادلة، قد تؤدي إلى اختلال داخلي بدل تحقيق الاستقرار.
- إن المصلحة طويلة الأمد للشيعة تكمن في تحويل عناصر القوة إلى شرعية وطنية ومؤسساتية، بما يقلل من الارتهان لتقلبات الإقليم.
وبالتالي، فإن أي نقاش حول هذه العلاقة لا يمكن فصله عن مسألة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وقدرتها على أن تكون بديلًا فعليًا عن شبكات الحماية الخارجية.
