لبنان في مواجهة سلام الإذعان.. دروس الثمانينيات حاضرة

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُدفع فيها لبنان إلى توقيع اتفاق قسري تحت ترهيب السلاح من إسرائيل؛ ففي عام (1982) احتلت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية بيروت. اهتزت المنطقة العربية تحت وطأة الصدمة. خرجت تظاهرات شعبية غاضبة من الأزهر الشريف، كأن مصر تستعيد ذاكرتها وإرث المقاومة فيها أثناء العدوان الثلاثي، وصرخة «جمال عبد الناصر» تدوي من فوق منبره: «سنقاتل ولن نستسلم أبدًا».

لم ترفع بيروت الرايات البيضاء، بل أعلنت المقاومة.

دوى الرصاص في شارع الحمراء، فيما كان الجنود الإسرائيليون يتصورون أنهم في نزهة.

قادت المقاومة قوى وتيارات قومية ويسارية، لم يكن حزب الله قد نشأ بعد.

في (14) أيلول/سبتمبر 1982 اغتيل الرئيس «بشير الجميل» قبل أن يتولى مهامه.

نُسف مقر حزب الكتائب بمنطقة الأشرفية، الذي كان يُعقد فيه وقتها اجتماع لقياداته يتباحثون في الخطوات المقبلة في ظل إملاءات سلطة الاحتلال.

في أيار/مايو (1983) صادق مجلس النواب اللبناني على اتفاق سلام مع إسرائيل اعتبرته قوى وتيارات وطنية من مختلف الطوائف صلحًا مخزيًا تحت حصار الدبابات.

أُنشئت في بعلبك «الجبهة الوطنية للإنقاذ»، التي ضمت: الرئيس الأسبق «سليمان فرنجية»، ورؤساء الوزراء السابقين «تقي الدين الصلح» و«سليم الحص» و«رشيد كرامي»، وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي «وليد جنبلاط»، وزعيم حركة «أمل» «نبيه بري»، والمفتي «حسن خالد»، والنائب الناصري «نجاح واكيم».

بقوة الإرادة الشعبية سقط الاتفاق القسري سريعًا في (1984).

درس التاريخ ماثل في المشهد اللبناني المستجد.

لا يمكن أن يتأسس سلام على ترهيب وتقتيل واستباحة قلب بيروت ومناطق لبنانية أخرى.

حدثت الجريمة المروعة صباح اليوم التالي لإعلان هدنة لأسبوعين، تُجرى خلالها مفاوضات بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الوفدين الأميركي والإيراني.

سقط مئات الشهداء والمصابين، وهُدمت بنايات دون هدف سياسي، باستثناء الترويع.

كانت هذه هي المرة الأولى التي تُستهدف فيها بيروت كلها، بكل مناطقها وطوائفها، دون تمييز.

وبرغم ادعاءات الجيش الإسرائيلي عن استهداف تمركزات لحزب الله، فإن العدوان الوحشي بدا انتقاميًا أكثر من أي شيء آخر.

كان ذلك خروجًا عن قواعد اشتباك ظلت تعمل باستمرار على حصر العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية، قاعدة حزب الله الاجتماعية والسياسية، دون مناطق العاصمة الأخرى.

في حرب تموز/يوليو (2006) لم يكن مستعصيًا أن تدرك، وأنت تطل على شوارع بيروت شبه الخالية، معنى تهديد زعيم حزب الله الراحل «حسن نصرالله» بقصف تل أبيب عاصمة إسرائيل، إذا ما قصفت الأخيرة عاصمة بلاده.

إذا ما طُرح سؤال: لماذا لا تُقصف تل أبيب، فيما بيروت تُقصف يوميًا؟ فقد كانت الإجابة ماثلة أمامنا.

انصبّ القصف الإسرائيلي إلى درجة التهديم الكامل على الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله، أما عمق العاصمة بجسوره وشوارعه وبيوته فلم يصبه أذى كبير، وما زال على حاله الذي كنا نعرفه قبل حرب تموز.

كأن «نصرالله» أراد – بالضبط – أن يحمي عمق البيوت من التدمير باستخدام سلاح الردع.

كانت تلك سياسة منضبطة قصدت الحفاظ على الوحدة الوطنية الداخلية وتخفيف الضغوط على الشركاء في الوطن، أفضت إلى موافقة دون تحفظ على ما أعلنته الحكومة من بنود لحل الأزمة.

هكذا وافق حزب الله على نشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب، لنزع أية ذرائع في الداخل اللبناني لإثارة فتن داخلية، حتى لا تحصد إسرائيل بالفتن ما عجزت عن أن تحصده بالسلاح.

قواعد الاشتباك انتهكت الآن بفداحة، وأصبح كل شيء مستباحًا.

على مدى شهور طويلة دأبت السلطة الحالية في لبنان على طلب التفاوض المباشر مع إسرائيل، دون أن تأبه الأخيرة لها.

لم يكن في وارد رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» أن يستجيب هذه المرة لذلك الطلب، متصورًا أن الفصل بين جبهتي إيران ولبنان يساعده في مشروع بناء منطقة أمنية داخل الجنوب اللبناني بذريعة حفظ أمن الشمال الإسرائيلي.

فشلت إسرائيل بالشراكة مع الولايات المتحدة في إنجاز أي من أهدافها المعلنة، فلم يسقط النظام الإيراني ولا يتقوض مشروعه النووي والباليستي.

تعول الآن على إفشال مفاوضات إسلام آباد حتى لا تحصد طهران أثمانًا سياسية واستراتيجية ومالية تضفي عليها صورة المنتصر.

كما فشلت استخباراتيًا في توقع مفاجأة حزب الله بإعادة بناء قوته الصاروخية على النحو الذي بدا واضحًا وجليًا في المواجهات الأخيرة.

حشدت خمس فرق عسكرية لإتمام المهمة في الجنوب، دون أن تحسم المعركة البرية.

تبنت سياسة الأرض المحروقة ونسف الجسور، دون أن يبدو لبنان في وارد الاستسلام.

قصفت السراي الحكومي في النبطية، واستشهد ثلاثة عشر عاملًا فيه.

كانت تلك رسالة ترهيب لرؤوس السلطة بداعي الحفاظ على حياتها مقابل سلام الإذعان وفق الشروط الإسرائيلية، أول بنوده وأخطرها: نزع سلاح المقاومة.

غض «ترامب» بصره عن المجازر الإسرائيلية في لبنان.

لكنه وجد نفسه أمام ضغط إيراني: إما أن يكون لبنان مشمولًا بوقف إطلاق النار، كما نص الاتفاق حسب تأكيد الوسيط الباكستاني، وإما التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ورقة الضغط الرئيسية في يدها.

حسب نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس، فإن هناك «سوء تفاهم».

عندما بدا أن إيران على وشك أن تحسم هذه النقطة، أوعز «ترامب» إلى «نتنياهو» بقبول التفاوض، على أن يبدأ فورًا في مقر وزارة الخارجية الأميركية بالتزامن مع مفاوضات إسلام آباد.

إقرأ على موقع 180  هيل يُلزم لبنان بمعادلة هوف الحدودية.. والمرسوم "إلى الجارور"!

هذا جانب في الصورة، لكنه لا يعكس جميع جوانبها.

تريد الحكومة اللبنانية أن تؤكد حقها السيادي في التفاوض باسم بلادها، وألا تفوض إيران هذه المهمة.

بالمقابل تدرك إسرائيل أن الطرف المقابل لها هو حزب الله، لا الحكومة.

كما تدرك أنه فوق طاقة الحكومة نزع سلاح حزب الله بالقوة.

اللجوء إلى القوة مشروع حرب أهلية تحرض عليه إسرائيل.

من حق الحكومة اللبنانية أن تبسط سيادتها على أراضيها، لكن دون استسلام لبلطجة القوة المتوحشة، أو تهاون في استعادة أراضيها المحتلة.

يحتاج لبنان إلى مقاربات أخرى لتأكيد سيادته على قراره ومصيره، ليس من بينها سلام الإذعان.

الفشل مؤكد هذه المرة كما حدث قبل ثلاثة وأربعين عامًا.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  سليم الحص.. يا ضميرنا الحي