من العنقاء إلى الواقع: كيف تُنتج المجتمعات قدرتها على الصمود؟

لطالما أتقنت بيئة المقاومة في لبنان فنّ امتطاء التحولات الطارئة وركوب الرياح اللّاهبة كطائر العنقاء؛ أسطورة تتحدث عن أصعب اللحظات التي يمكن أن يواجهها الطائر، وهي لحظة الاشتعال الكلّي، لكنه يدرك بفطرته، في تلك اللحظة، أنّ الاشتعال يطال بالضرورة أماكن الضعف، ما يعني أنها ليست علامة النهاية، وعليه ألا يدع روحه تطالها النيران، بل أن يجعلها مشتعلة وخلّاقة وولّادة طاقة.

في الأساطير العربية، توصف العنقاء بأنها طائر قوي وجميل ويحمل ملامح بشرية، إلا أنّها أسطورة حيكت من الخيال، بينما لو أتينا على أسطورة بيئة المقاومة فهي حقيقة من الواقع المُعاش، لم تأتِ من مخيلة الروائيين، بل هي نتاج ثقافة مشتركة وتراث مشترك تناقلته الأجيال، مع فارق أنها لم تقف عند سردية واحدة وزمن واحد من الاحتراق الكلّي الجماعي؛ إنها مسيرة طويلة كان شرط الحياة لأتباعها أن يمتحنهم بالقسوة والنيران ليمنحهم القوة، وهذا الربط في بعده الإنساني يشير إلى اختيار المواجهة وتفضيل الاحتراق على أن يُعاد رسم الملامح الأصلية.

غالباً ما تُبتكر الأساطير لتحكي إما عن معاناة إنسانية أو بطولات تحققت، وأحيانًا تحتاج مرحلة زمنية لوصفها وإنصافها؛ كحال بيئة المقاومة التي تواجه الاحتراق من الداخل والخارج، وما برحت تقاوم لتنأى بنفسها وهي متكئة على تراثها الإنساني الكبير.

في حرب سُمّيت “العصف المأكول”؛ حربٌ فُرضت على البيئة لكنها رضيت بها لأجل إعادة رسم توازن القوى، وأقبلت عليها وهي تعرف أنها حرب مع دول تفتقد للقيم الروحية مع طغيان المصالح، وأن هناك أثماناً باهظة ستُدفع لا محالة؛ نزحت مفترشة الشوارع والأرصفة وملاعب المدارس، وسكنت في بيوت مكتظّة وأماكن غير رحبة، واستُهدفت بالصواريخ في أماكن نزوحها، والصمود هنا احتراق، ولكن في قلب القوة. والمفارقة أنّني عندما كنت أسأل البعض عن أحوالهم ومكان نزوحهم، كنت ألمس الخجل منهم في الإجابة؛ فهم أبناء العزة والعيش الكريم وأصحاب البيوت الجميلة والدافئة.

بالنسبة لهؤلاء النازحين عن أماكن جذورهم، لم تعد الحرب قصة حياة أو موت، أو كم عدد الشهداء الذين يسقطون يوميًا، أو البيوت التي هُدمت، أو كم من الأمتار سيتقدّم بها العدو على أرضهم، كل ما يهم البيئة روح المقاومة التي قامت من جديد بعد الاحتراق الذي أصابها طوال خمسة عشر شهرًا أعقبت انتهاء “حرب الإسناد”.

لم يألف طائر العنقاء أن يُجرح أو ينزف أو يتألم طويلًا، بل اعتاد القيام مسرعًا، حاله كحال هذه البيئة؛ فمنذ “جريمة البيجرات”، وبعدها سلسلة الاغتيالات ولا سيما اغتيال السيد حسن نصرالله، تشعر هذه البيئة بالقهر والغل، ناهيك عن اعتداءات يومية. أبناؤها يُحرقون في الشوارع والساحات وأمام أعين أمهاتهم وآبائهم وأطفالهم ونسائهم، ومنهم من يستأذن مُسيّرة العدو أن تغتاله بعد أن يُغادر منزل أهله أو عائلته.

قد نجد في الأمر فلسفة، وأن هذه البيئة محكومة بعقيدة كربلائية، وأن المسألة لا تحتمل تحليلًا ما وراء الطبيعة البشرية، إلا أن الحقيقة المثبتة أن لهذه البيئة خصائص استثنائية متعددة بجوهرها، رسّخها قائد استثنائي، غائب بالجسد وحاضر بالروح والمعنى، يشاركهم المصير نفسه كما لو كان موجودًا معهم في ساحة الحرب بوجه عدو متغوّل ظنًّا منه أن البيئة ستُقهر عند تغييب قائدها.

السلوك ذاته لم يتغير بغياب الفارس الأصيل، وكثيرة هي العبارات التي تشير إلى حضور السيد بروحه في بيئة تقارع الموت لحظة بلحظة، وتتناقل المشاركات على مواقع التواصل وغيرها، وكأن السيد شريك الميدان، مقاطع تتناقلها الصفحات من خطب تستثير في النفس العنفوان حين تشتد اللحظة، يشرف بصمت على سير المعركة، يؤكد على ثبات الخطوة وحق البقاء ووعد النصر. نستعيد عباراته التي تلوذ بالنفس بعيدًا، وكأنها تشحذ حاجاتنا الروحية والعاطفية فيُشبعها بطيفه المنبعث.

وإذا كان عالم الاجتماع غوستاف لوبون، في قراءته لسلوك الجماهير، اشترط لقيام أي جمهور وجود قيادة، ما يسمح بإطلاق عمليات التماهي؛ فالبشر بطبيعتها تبحث عن مثالها “مثال الأنا”، تجسدها سلطة مزودة بإرادة قوية، وهي لا يمكن أن تتصرف بتماسك وانضباط وتصميم إلا بوجود تلك القيادة “الأنا المثالية الجمعية” التي تنأى بالمخاطر نحو بر الأمان وتصنع النبض في وقت الركود.

وبناء عليه، فإن البشر، أفرادًا أم جماعات، من الصعب عليهم المضي دون إشباع الحاجات من المشاعر العاطفية؛ فنحن نحتاج تلك المكنونات التي يثيرها الطرف القوي ويخرجها من خلجاتها لتوظيفها خارج المدى النفسي. الأمر ذاته في مشاعر الغضب التي تتطلب مسوغات إثارة لفضها من الداخل وتحصين النفس بمقارعة العدو بها.

ويسري ذلك على بيئة المقاومة التي لم تتأثر بغياب الأصل، ولم تظهر عجزًا برغم جمر الأحزان، ونراها تمضي بنفس الزخم، يتقاسم أفرادها المشاعر والقرارات والتضحيات والأدوار والجهوزية، وهي بواعث غابت عن شروط وضعها الدارسون، تتطلب حضور القائد المحرّك، الذي مضى على غيابه عام ونصف العام، ولم تتغير المشهدية التعبوية لهذه البيئة، لكأن محركها حيٌّ يرزق. ولا ينتقص هذا النص حرفًا من الدور التاريخي الإستثنائي الذي يلعبه سماحة الشيخ نعيم قاسم، بعزيمة وثبات، فهو صاحب العقل الراجح والخطاب الواثق والموقف الصلب..

إقرأ على موقع 180  أيام سعيدة في حياتي

في الختام، أعود إلى “العنقاء”؛

حتى في أشد لحظات الاحتراق، لم تستكن هذه البيئة، وكل فرد فيها سائسٌ وراعٍ. تعاضدٌ قلّ مثيله، النساء تتدبّر حال أسرها، وأمهات تؤجل حزنها وطقوس الحداد، وزوجات تُخفي فقدها، ولم تعد كربلاء واقعةً تُروى، بل حقيقة نعايشها؛ الشباب يتقدمون بثبات نحو الشهادة واحدًا تلو الآخر، كأصحاب الحسين في معركة كربلاء، نحو الاحتراق الكلّي، لتنبعث في أجساد الآخرين حياة، ويحلق الطائر من جديد.

قد يكون لوبون وغيره لامسوا جوانب لجماعات عايشوها، كما يُذكر، إلا أن ما غاب عنه سيرورة متكاملة من مسيرة طويلة، ولأنني حتى اللحظة لم أجد ما يشير إلى الفروقات الجماهيرية عند الدارسين في هذا المجال، بل إن أغلبهم أضاء على فعل المحرّك الفذ، وبعضهم عمّم مفهوم “الرعيّة”، إلا أن ما بيّنته هذه البيئة، حاضنة المقاومة، غاب عن نظر هؤلاء الدارسين، ما يخولنا ذكرها وإنصافها كأمثولة من الأساطير.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  عن فدرالية الكورونا وشوبنهاور