الزعامة أم الأحزاب.. أين يقف السنّة من العمل الحزبي اللبناني؟

منذ قيام دولة لبنان الكبير في العام 1920، بدت تجربة العمل الحزبي عند المسلمين السنّة مختلفة عن باقي الطوائف اللبنانية. فالسنّة، بخلاف الطوائف التي بنت أحزابًا عقائدية أو تنظيمات مغلقة، ظلّوا أقرب إلى الزعامة التقليدية اللبنانوية أكثر من اقترابهم من فكرة النواة الحزبية الصلبة. وهكذا تنقلوا من تجارب آل الصلح وسلام وكرامي في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى تجربة آل الحريري في مرحلة ما بعد الطائف، مروراً بتجارب طغى عليها العنوان القومي من دون اغفال ظاهرة الإسلام السياسي بمسمياتها العديدة (جماعة، أحباش إلخ..).

بين العروبة واللبنانية؛ بين الدولة والمحيط؛ بين الزعامة المحلية والزعامة القومية؛ تتنقّل تجارب المسلمين السنة من الناصرية والقومية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إلى الإسلام السياسي المحدود التأثير، ثم إلى الحريرية السياسية التي أعادت بناء “السنّية اللبنانية” بعد اتفاق الطائف، وصولًا إلى “النموذج” الذي يُراد تشكيله حاليًا، وهو يبتغي العودة إلى تجربة البيوتات السياسية لا الزعامة السنية المركزية، غير أن هذا المسار، في مواجهة الظاهرة الحريرية، بقي هشًّا، وأدخل المسلمين السنّة في مرحلة فراغ غير مسبوقة، كشفت عن أزمة عميقة تتجاوز غياب القيادة إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الدور السنّي نفسه داخل الدولة.

ظاهرة الأعيان

منذ نشأة النظام اللبناني وتبلور قواعده الدستورية والعرفية، تموضع السنّة عادةً في موقع الشريك المؤسِّس ضمن السلطة، لا في موقع جماعةٍ تسعى إلى تثبيت حضورها من خارج الدولة عبر حزب منظّم. وقد أتاح هذا التموضع حضورًا مبكرًا نسبيًا في البرلمان والحكومة والإدارة، وأعطى النخب السنّية هامشًا عمليًا للتأثير في القرار عبر آليات التفاوض داخل النظام. وفي المقابل، ساهم هذا المسار نفسه في تقليص الدافع نحو بناء تنظيمات حزبية صلبة تحمل مشروعًا طويل الأمد مستقلًا عن الدولة، إذ بدا التمثيل السياسي، في مراحل عديدة، ممكنًا من خلال أدوات السلطة القائمة، لا عبر إنشاء مؤسسات حزبية موازية لها.

وبالانتقال من الدولة إلى المجال الاجتماعي، تظهر ملامح إضافية تفسّر محدودية التحوّل الحزبي. فالبيئة السنّية، كما تبلورت تاريخيًا في المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا، اتسمت بكونها فضاءً مدينيًا مفتوحًا تُنتج فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية شبكات تأثير تُدار غالبًا عبر وسطاء محليين، نواب، وزراء، أعيان، ونخب مهنية ونقابية. ومن ثمّ، غالبًا ما فضّلت شرائح من هذه النخب أساليب العمل السياسي المرنة القائمة على إدارة المصالح والخدمات، بدل الانضباط التنظيمي الذي تفترضه الأحزاب الحديثة. على أساس ذلك، ظلّ الانخراط السياسي السني يميل إلى العمل البرلماني والحكومي والنقابي، وإلى التحالفات الانتخابية المتبدلة، أكثر من ميله إلى بناء تنظيمات هرمية صارمة تتجاوز الأشخاص إلى مؤسسة مستقلة بذاتها.

وعندما اتجه جزء من الفاعلين السنّة إلى العمل السياسي ضمن أطر تتجاوز لبنان، بدا هذا الاتجاه متسقًا مع طبيعة المرحلة الإقليمية ومع حيوية الخطاب القومي العربي. ففي تلك الحقبة، لم تُطرح قضايا كالعروبة وفلسطين بوصفها ملفات خارجية فحسب، بل بوصفها محددات أساسية للهوية السياسية لدى شرائح واسعة، ما جعل الانخراط في حركات قومية أو يسارية عابرة للحدود خيارًا ذا جاذبية عالية. وبالنتيجة، استُثمرت طاقات سياسية وتنظيمية في فضاءات أوسع من الإطار الوطني، الأمر الذي ساهم في إرجاء سؤال بناء حزب سنّي لبناني مستقل ذي مشروع داخلي واضح. وإذ لا يمكن اختزال المشهد في اتجاه واحد، فإن الأثر العام كان يتمثل في تعدد المرجعيات وتنوع القنوات السياسية بدل تراكم مؤسسات حزبية محلية طويلة النفس.

من هنا، يمكن النظر إلى غياب حزب سنّي جامع قبل الحرب الأهلية على أنه نتيجة تداخل عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية، أكثر مما هو نتيجة “ضعف سياسي” بمعناه المباشر أو حصيلة إقصاءٍ ممنهج بالضرورة. فطالما بقيت الدولة إطارًا قابلًا للاشتغال السياسي ومجالًا متاحًا للتفاوض على الحصة والموقع، ظلّت فكرة الحزب-بوصفه أداة لتنظيم الجماعة خارج الدولة-أقل إلحاحًا لدى قطاعات من النخبة. وبذلك، ترسّخ نمط سياسي يقوم على إدارة التوازنات داخل النظام، لا على إنتاج أيديولوجيات حزبية مغلقة أو بناء مؤسسات تنظيمية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الدولة.

الحرب الأهلية.. والطائف

غير أن الحرب الأهلية شكّلت نقطة تحوّل أعادت تعريف العلاقة بين الطائفة والحزب والسلطة. فمع تفكك مؤسسات الدولة وتصاعد العنف، صارت القدرة على السيطرة الميدانية وتوفير الحماية معيارًا للإستمرار السياسي والاجتماعي. وفي هذا السياق، استطاعت قوى وطوائف أخرى بناء أحزاب ذات بنى عسكرية وخدماتية، ملأت فراغ الدولة وقدّمت نفسها إطارًا بديلًا للتمثيل والحماية في آن. ومع مرور الوقت، راكمت هذه الأحزاب ذاكرة جماعية وتنظيمًا داخليًا وشبكات رعاية، ما منحها قدرة أكبر على فرض خطابٍ موحّدٍ وإدارة جمهورٍ متماسك نسبيًا.

أما الوسط السنّي خلال الحرب، فبقي مشهده أكثر تشتتًا وتعددًا. وبرغم ظهور مجموعات وتنظيمات وشخصيات سنّية مناطقية، بأدوار متفاوتة، فإن ذلك لم يفضِ عادةً إلى تكوّن بنية حزبية جامعة ذات عقيدة داخلية ثابتة قادرة على احتكار التمثيل أو توحيد القرار. كما تداخلت خيارات عدد من الفاعلين مع محاور إقليمية وحسابات ظرفية، ما زاد من مرونة التموضع لكنه حدّ من إمكانية بناء إطارٍ مؤسسي طويل الأمد. وبذلك، وبالمقارنة مع تجارب أخرى، بدت الحرب-على قسوتها-أقرب إلى لحظة تآكل في الدور السياسي السنّي من دون أن يصحبها تعويض تنظيمي بحزب متماسك يخرج من الحرب كمرجعية داخلية جامعة.

إقرأ على موقع 180  أي رابط بين عرقلة حكومة سلام.. وتأجيل الإنسحاب الإسرائيلي؟

ومع نهاية الحرب وولادة اتفاق الطائف، عاد مركز الثقل تدريجيًا إلى الدولة ومؤسساتها، لكن الفراغ الحزبي لم يُملأ بتأسيس أحزاب سنّية مؤسساتية بقدر ما جرى تعويضه بنموذج الزعامة الفردية.

في هذا النموذج، لم يعد الحزب وسيطًا بين الجماعة والدولة، بل حلّ الزعيم محلّه بوصفه ممثلًا مباشرًا للطائفة أو لجزء واسع منها، وقادرًا على التفاوض باسمها وتأمين حصتها ضمن السلطة. وقد ساعدت طبيعة النظام بعد الطائف، بتوازناته الدقيقة وحاجته المستمرة إلى التسويات، على ترسيخ هذا النمط الذي يكافئ الفاعل القادر على إدارة التحالفات بسرعة، وعلى جمع الموارد والوساطات، وعلى تقديم ضمانات لخصومه وحلفائه في الوقت نفسه.

الزعامة الحريرية

في هذا السياق، برز رفيق الحريري بوصفه التعبير الأوضح عن الزعامة السنّية في مرحلة ما بعد الحرب، جامعًا بين موارد اقتصادية ومنظومة خدماتية وإعلامية وشبكة علاقات داخلية وخارجية. ومع أن “تيار المستقبل” تحوّل لاحقًا إلى الإطار السياسي الأكثر حضورًا في التمثيل السنّي، إلا أن تحوّله إلى حزب مؤسساتي بالمعنى التقليدي ظل محدودًا، إذ بقيت فاعليته مرتبطة إلى حد كبير بالشخص وبشبكة علاقات ومراكز نفوذ أكثر من ارتباطها ببنية تنظيمية مستقلة ذات آليات تداول ومحاسبة. وبعد اغتيال رفيق الحريري، انتقلت الزعامة إلى سعد الحريري، ما عزّز منطق الاستمرارية العائلية، وأسهم في إبقاء سؤال المؤسسة الحزبية معلّقًا أمام ثقل “القيادة الفردية” وما تولّده من ولاءات وشبكات.

ولا يبدو تعثّر العمل الحزبي هنا مسألة “إرادة” فحسب، إذ تتداخل عوامل بنيوية عدة: فالنظام الطائفي، كما أعاد الطائف إنتاجه، يميل إلى تشجيع تمثيل الطوائف عبر أفراد نافذين أكثر مما يشجع بناء أحزاب برامجية عابرة؛ كما أن تشابك السياسة مع الاقتصاد والخدمات في لبنان يجعل الشبكات الزبائنية قناةً فعالة للتعبئة الانتخابية، وهي قناة تعمل بسهولة ضمن منطق الزعامة. ويضاف إلى ذلك أثر التوازنات الخارجية والإقليمية التي كثيرًا ما ضيّقت هامش الاستقلالية أمام القوى المحلية، فضلًا عن محدودية دور مؤسسات وسيطة مستقلة-كالأحزاب الحديثة والنقابات القوية ومنظمات المجتمع المدني ذات التأثير-في تشكيل حياة سياسية مؤسساتية مستدامة.

وقد أنتج نموذج الزعامة الفردية آثارًا متعارضة على مستوى التمثيل السنّي. فمن جهة، وفّر عنوانًا تفاوضيًا واضحًا ضمن السلطة، وسهّل اتخاذ القرار في لحظات مفصلية، وسمح بتعبئة سريعة عند الحاجة. ومن جهة أخرى، ساهم في إضعاف المؤسساتية الداخلية، وربط النفوذ السياسي بشخص الزعيم وشبكاته، ما حدّ من ديناميات التداول الديموقراطي ومن قدرة القواعد على التأثير في القرار الحزبي. وفي انعكاس ذلك على الأجيال الشابة، غالبًا ما تبدو المشاركة السياسية المنظّمة محدودة القنوات حين تغيب الأحزاب ذات البرامج الواضحة والآليات الشفافة، فتتقدم الوساطة الشخصية على الانخراط المؤسسي، وتتحول السياسة إلى موسم انتخابي أو إلى اصطفاف ظرفي أكثر منها مسارًا طويل الأمد. وفي المقابل، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مساحات بديلة للمشاركة عبر الإعلام والمبادرات المدنية والمنصات الرقمية، غير أن قدرتها على التحول إلى تمثيل سياسي مستقر ما تزال مشروطة بحدود النظام نفسه وبمدى إمكان إنتاج أطر تنظيمية قابلة للاستمرار.

في المحصلة، تُبيّن التجربة السنّية في لبنان أن التمثيل السياسي لا يرتبط بالضرورة بوجود حزب مؤسساتي جامع، إذ يمكن أن يتحقق عبر الدولة أو عبر الزعامة والشبكات. إلا أن فعالية هذا النمط، مهما بدت عالية في إدارة التوازنات، تبقى محدودة في إنتاج مشروع سياسي متماسك قابل للاستمرار خارج الأشخاص واللحظات. ومن هنا، يبدو أن سؤال بناء عمل حزبي سنّي مؤسساتي لا ينفصل عن تحولات أعمق في البنية السياسية اللبنانية، طبيعة النظام الطائفي، القانون الانتخابي، وقدرة المجتمع على توليد مؤسسات وسيطة تضمن المشاركة والمحاسبة وتُخفّف من الاعتماد على الفرد بوصفه مركز التمثيل الوحيد.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "الجوع التّطبيعيّ" لدى بعض اللّبنانيّين.. كيف نُفسّره؟