انشغل الوسط السياسي والاعلامي في لبنان بكلام ترامب حول تواصل إدارته مع حزب الله، والأكثر ترجيحاً أن الإدارة الأميركية لم تتحدث مع الحزب مباشرة، بل عبر القناة التقليدية المعروفة والمتمثلة في رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أو عبر الإيرانيين سواء مباشرة أو من خلال أحد الوسطاء المشتركين (قطر أو سلطنة عمان أو باكستان أو مصر أو السعودية).
ولعل المعنى السياسي الأهم أن واشنطن، ومن خلال مثل هذا الاعلان، تكسر علناً وبلسان رئيسها واحدة من قواعد السياسة الأميركية التقليدية: عدم الاعتراف بالحزب طرفاً تفاوضياً مباشراً، لا سيما وأنها تفرض عليه عقوبات منذ عقود من الزمن وتتهمه بسلسلة من الأعمال التي طالت سفارتها في بيروت ومقر المارينز الأميركيين وخطف الرهائن إلخ..
وكان الأمين العام الأسبق لحزب الله السيد حسن نصرالله قد كشف في ربيع العام 2018 أن مندوباً يحمل الجنسية الأميركية من أصل لبناني (جورج نادر) زاره بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وكان مرسلاً بشكل شخصي من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وأبلغه بأن واشنطن لديها رغبة في دخول حزب الله في الحكومة، وأن تمنحه مليارات الدولارات ليعيد إعمار الجنوب والبقاع، وأن تشطبه عن لوائح الإرهاب وتطلق أسراه مقابل شرطين؛ الأول، أن نعمل مع الأميركيين؛ والثاني، أن نتخلى عن المقاومة.
غير أن الأهم من الشكل في ما أعلنه ترامب هو الدلالة؛ فالرئيس الأميركي لا يقول فقط إنه «تحدث»؛ بل يقول إن الحزب تعهد بعدم اطلاق النار على إسرائيل، وإن الأخيرة تعهدت، في المقابل، بعدم استهداف العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. بهذا المعنى، يعترف عملياً بأن مفتاح التهدئة في لبنان لا يمر عبر الدولة اللبنانية وحدها، ولا عبر الضغط العسكري الإسرائيلي وحده، بل عبر مخاطبة القوة الفعلية القادرة على إطلاق النار أو وقفه، أي حزب الله، وبالتالي يكون الاعتراف الميداني الواقعي متناقضاً مع عدم الاعتراف القانوني.
وكان ترامب قد أمر شريكه نتنياهو، يوم الإثنين الماضي، بعدم التعرّض لبيروت، وذلك عقب اتصال “مثمر للغاية” معه. وحسب ترامب نفسه على موقع “Truth Social”، فإن نتنياهو “أعاد قواته” المتوجهة إلى بيروت!
وتشير الوقائع إلى أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء قرار ترامب بمنع نتنياهو من قصف بيروت وضاحيتها الجنوبية: تجنب تصعيد إقليمي، حماية المفاوضات مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. وكان من شأن هجوم إسرائيلي كبير على بيروت أن يُفجّر هذه العملية، بعدما هدّدت طهران بوقف المحادثات بسبب الحملة الإسرائيلية المدمرة التي تستهدف لبنان. وفي الوقت نفسه، حذّر “مقر خاتم الأنبياء”، الناطق باسم “القيادة القتاليَّة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية” من أن أي استهداف لبيروت والضاحية سيقابل برد إيراني على المستوطنات الشمالية.
وتشي تصريحات ترامب بأنه لم يكن يريد لا وقف المفاوضات مع الإيرانيين ولا أن ينخرط في حملة عسكرية جديدة ضد إيران بسبب قرار إسرائيل توسيع عمليتها العسكرية في لبنان باستهداف العاصمة والضاحية. وهذا يعني أن ترامب يُريد للمفاوضات أن تستمر ولا يريد العودة إلى خيار المواجهة العسكرية.
واستناداً إلى موقع “أكسيوس”، فإن الرئيس الأميركي “كان غاضباً جداً” من نتنياهو نتيجة تهديداته ضد بيروت، وهو قال له هاتفياً: “أنت مجنون كل الناس تكره إسرائيل الآن”. وكان هدف ترامب فرض “تكويعة” على القوات الإسرائيلية وهي في طريقها نحو العاصمة اللبنانية، خصوصاً أن الصحف الإسرائيلية الموالية للحكومة وصفت ذلك بأنه “اقتراح سيئ” يُقدّم “شيكاً على بياض لحزب الله”.
وفُهم من اتصال ترامب بنتنياهو أن الأمر يتعلق بعدم التعرض لبيروت الآن، وليس بوقف الحرب على لبنان التي يمكن أن تصبح في نظر الولايات المتحدة شرارة حريق شامل في الشرق الأوسط.
واللافت للانتباه أن نتنياهو، وبعد مضي أقل من 48 ساعة على هذا الاتصال بينه وبين رئيس الولايات المتحدة، لم ينف التسريبات التي قال بعضها إنه اتهمه بـ”الجنون”، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي لقناة “سي إن بي سي” الأميركية إنه لن يخوض في تفاصيل الاتصال، لكنه أشار إلى أنه “أحياناً حتى في العائلات تحدث خلافات تكتيكية”!
ولا شك في أن العامل الخفي الذي دفع ترامب إلى التحرك ولجم نتنياهو، هو التهديد الإيراني بوقف التفاوض وفتح جبهات أخرى في الحرب لردع الهجوم الإسرائيلي على لبنان، الأمر الذي تفاعل معه الرئيس الأميركي قائلاً “إن المحادثات تتواصل بوتيرة سريعة مع إيران”. وهذا يمكن ترجمته إيرانياً كالآتي: إذا تعرضتم للبنان فإننا نوقف المحادثات حول البرنامج النووي ومضيق هرمز. ويرد ترامب: Ok لتستمر المحادثات. وهكذا تصبح حماية بيروت هي الثمن الذي يتعين دفعه أميركياً لكي تبقى طهران على طاولة المحادثات.
وعندما يقول ترامب إنه أجرى “اتصالاً جيداً جداً” مع ممثلين لحزب الله، فإنه يعني إيران من دون أن يفصح أن لديها المفتاح الأول وهو التصعيد، والمفتاح الثاني وهو التهدئة. فهي تختار التصعيد عندما تترك حزب الله يقصف إسرائيل، وتلجأ إلى إغلاق مضيق هرمز.. وعندما تضرب إسرائيل بيروت، تُهدّد إيران بحرب إقليمية. أما لناحية مفتاح التهدئة، فإن إيران تطلب من حزب الله ضبط النفس. وهنا يأمر ترامب شريكه نتنياهو بعدم التعرض لبيروت!
وإذ جنحت إيران أخيراً نحو خيار ضبط النفس، فقد أتاحت لترامب أن يفرض التراجع المذل على نتنياهو لا سيما بعد مجاهرته علناً باستعداد جيشه لقصف العاصمة اللبنانية.
ويبقى أن “الضغط الإيراني” لا يكون بالصواريخ فحسب بل بوضع ترامب أمام الخيار الآتي: “يُمكننا إشعال المنطقة أو الذهاب إلى الحوار” وقد اختار ترامب الحوار ولذلك أمر نتنياهو بالتراجع.
والحقيقة أن إيران هي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تؤذي ترامب الآن، وذلك بإغلاق مضيق هرمز الذي يرفع سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 8 دولارات، وتالياً يجعل ترامب يخسر الانتخابات النصفية للكونغرس، فضلاً عن إعادة تفعيل إيران برنامجها النووي الذي يؤدي إلى ربط ترامب بصورة الفشل الديبلوماسي. كما أن فتح جبهة حرب ثالثة بعد غزة وأوكرانيا، يمثل كابوساً استراتيجياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بدليل تصويت مجلس النواب الأميركي، بالأغلبية، لصالح قرار غير مُلزم يحد من صلاحيات ترامب في موضوع الحرب مع إيران.
في المحصلة، يريد ترامب تهدئة جبهة لبنان كي لا تعرقل فرص تفاهمه مع إيران. وما تصريحه المتكرر بشأن الحديث مع حزب الله إلا إشارة لمن يقول إن الحزب أصبح خارج المعادلة أو يمكن تجاوزه بقرار لبناني داخلي أو بضغط خارجي فقط. لكن في الوقت نفسه يضع الموقف الأميركي المستجد الحزب أمام اختبار حاسم: ما دام يُخاطَب كطرف قادر على إعطاء تعهدات، فسيُحمَّل أيضاً مسؤولية سياسية عن الالتزام بها أو خرقها، وتكفي هنا الإشارة إلى تزامن موقف ترامب مع جولة المفاوضات التي كانت تجري بين لبنان وإسرائيل في العاصمة واشنطن برعاية الأميركيين؛ ذلك أن من يفاوض على الطاولة (الدولة اللبنانية) لا كلمة حاسمة له في الميدان بينما من يتحكم بالميدان بات قادراً على التواصل سياسياً مع الأميركيين، بواسطة الإيرانيين، وهذا يعني بلغة ترامب الصفقوية، أن إدارته انتقلت من سياسة العزل الكامل للحزب إلى سياسة التفاوض مع الأمر الواقع، وهذا لا يمنح حزب الله شرعية أميركية، لكنه يمنحه اعترافاً سياسياً بوظيفته المقررة في معادلة الحرب والسلم في لبنان.
ويمكن أن نتصوّر أن نزاعاً بين إسرائيل وحزب الله وحده، لا يُقلق ترامب كثيراً، لكن الصورة تختلف مع حرب بين إسرائيل وإيران زائد أزمة نفطية زائد حرب عالمية. وثمة من يقول في العواصم الغربية أنه تم إنقاذ بيروت ليس بفضل القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، بل لأن طهران تمكنت من التلويح بإشعال النار بالسجادة الديبلوماسية لترامب.
