من مواجهة الاحتلال إلى إدارة نتائجه: قراءة في خطاب زياد ماجد

في مقالٍ نُشر في القدس العربي بعنوان: »ماذا لو استمرّ احتلال إسرائيل لشريط حدودي في لبنان؟ «، يُقدّم زياد ماجد قراءة للمأزق اللبناني الراهن في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتمال تحوّل الاحتلال الجديد في الجنوب إلى واقع طويل الأمد.

ينطلق مقال زياد ماجد، وعلى الرغم من احتوائه على ملاحظات مهمّة تتعلّق بمخاطر الاحتلال وتداعياته، من مقاربة سياسية تثير أسئلة جوهرية. فمن خلال تتبّع بنية النص ومفاهيمه الأساسية، يبدو أن مركز التحليل ينتقل تدريجياً من الاحتلال بوصفه التناقض الرئيسي الذي يفرض نفسه على الواقع اللبناني، إلى التركيز على أزمة الدولة والانقسام الداخلي وعلاقة حزب الله بالسلطة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية، تتناول ما يقوله النص وما يغفله في آن واحد، وتبحث في موقع الاستعمار والإمبريالية والبنية الطبقية ضمن تفسيره للأزمة اللبنانية.

كما أن المقال يتناول الاحتلال الإسرائيلي الراهن بوصفه معطىً سياسياً وعسكرياً قائماً، من دون ربطه بالسياق التاريخي للصراع العربي ـ الإسرائيلي عموماً، واللبناني ـ الإسرائيلي خصوصاً. فاحتلال أجزاء من الجنوب ليس حادثة منفصلة عن مسار طويل من الاعتداءات والحروب ومحاولات فرض الوقائع بالقوة. ومن دون هذا البعد التاريخي يصبح الاحتلال مجرد أزمة راهنة ينبغي إدارتها، لا تجلياً مستمراً لمشروع استعماري أشمل.

يمكن قراءة نص زياد ماجد بوصفه محاولة لتجاوز الخطاب الرسمي اللبناني والخطاب المقاوم في آن واحد، لكنه يبقى محكوماً بعدد من الافتراضات الإيديولوجية التي تستحق التفكيك.

أولاً: أين يضع التناقض الرئيسي؟

السؤال الأول هو: ما هو التناقض الرئيسي الذي يحكم المشهد؟

النص يبدأ من الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي والعدوان المستمر، لكنه سرعان ما يعيد توزيع المسؤولية بين ثلاثة أطراف: إسرائيل، حزب الله، السلطة اللبنانية. هنا يبرز سؤال بديهي: هل يمكن وضع قوة احتلال استعمارية تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً في مستوى واحد مع قوى محلية تختلف حول كيفية التعاطي مع العدوان التدميري ومواجهة الاحتلال؟

فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد طرف في نزاع متكافئ بين قوتين متماثلتين، بل هو علاقة هيمنة مادية. وعندما تصبح المشكلة الأساسية في النص هي “عجز الأطراف اللبنانية عن الاتفاق”، فإن مركز الثقل ينتقل من البنية الاستعمارية إلى الأزمة الداخلية اللبنانية. بمعنى آخر، ينتقل التحليل من سؤال: ما هي الأهداف الاستراتيجية للعدوان وكيف يُنتج الاحتلال الأزمة؟ إلى سؤال: كيف يتعاطى “اللبنانيون” مع الأزمة التي أنتجها الاحتلال؟

وإذا كان تحديد التناقض الرئيسي هو نقطة الانطلاق في أي تحليل سياسي، فإن السؤال التالي يتعلق بالأداة التي يقترحها الكاتب لمعالجة هذا التناقض، أي الدولة اللبنانية نفسها.

ثانياً: مفهوم الدولة

يستخدم النص بصورة متكررة مفردات: الدولة، السيادة، حصر السلاح، الجيش وما إلى ذلك.

يصعب النظر إلى الدولة بوصفها كياناً محايداً يقف فوق التناقضات الطبقية والاجتماعية، بل هي تُعرَّف بوصفها جهازاً يعكس توازنات القوى الطبقية، الاجتماعية والسياسية، وتتحدد وظيفتها بإنتاج، وإعادة إنتاج هيمنة الطبقة المسيطرة. كما أن اختزال أزمة الدولة اللبنانية بمسألة سلاح حزب الله يتجاهل حقيقة تاريخية أساسية، وهي أن ضعف الدولة وعجزها عن التنمية المتوازنة وعن حماية مواطنيها وعن فرض سيادتها على كامل أراضيها يسبق ظهور الحزب بسنوات طويلة، ويرتبط بطبيعة النظام الطائفي والاقتصاد الريعي وشبكات الزبائنية السياسية أكثر مما يرتبط بوجود قوة مسلحة بعينها.

لذلك يبرز السؤال: هل الأزمة ناتجة عن وجود سلاح خارج الدولة؟ أم عن طبيعة الدولة نفسها، وعجزها البنيوي، وارتهانها المالي والسياسي للخارج؟

النص يميل إلى اعتبار الدولة إطاراً جاهزاً يمكن إعادة بنائه إذا زالت العوائق السياسية، بينما في الواقع فإن الدولة اللبنانية نفسها نتاج تاريخ من البنية الطائفية والبرجوازية الريعية والتبعية للخارج، وبالتالي فإن المشكلة أعمق من مجرد استعادة احتكار العنف المشروع.

كما أن مفهوم السيادة نفسه يحتاج إلى تدقيق. فالسيادة لا تختزل في احتكار الدولة لوسائل العنف، بل تشمل أيضاً القدرة على اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي بصورة مستقلة، وحماية الموارد الوطنية من الضغوط الخارجية. ومن هذا المنظور، فإن النقاش حول السلاح لا يمكن فصله عن النقاش حول التبعية الاقتصادية والمالية وعن موقع لبنان في شبكة العلاقات الإقليمية والدولية.

ثالثاً: العلاقة مع الإمبريالية الأميركية

يعترف الكاتب بأن الاتفاق “فرضته إسرائيل بمساعدة واشنطن”، لكنه لا يذهب بعيداً في تحليل طبيعة الدور الأميركي. الولايات المتحدة ليست وسيطاً منحازاً فحسب، بل تمثل مركزاً إمبريالياً يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية. لذلك فإن الحديث عن “مفاوضات برعاية أميركية أحادية” يبقى ناقصاً من دون السؤال: ما هي المصالح الطبقية والاقتصادية والجيوسياسية التي تجعل واشنطن تدعم استمرار التفوق الإسرائيلي؟ وهل المشروع الصهيوني منفصل عن الخطة الاستراتيجية الأميركية لإعادة صياغة العالم عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً؟

النص يكتفي بوصف الانحياز الأميركي، لكنه لا يربطه ببنية النظام الرأسمالي العالمي والإمبريالية المعاصرة. لا تبدو الولايات المتحدة في المقال سوى راعٍ منحاز للمفاوضات، بينما يظهر الواقع أنها طرف مباشر في إنتاج ميزان القوى القائم وفي إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للمنطقة، سواء عبر الدعم العسكري غير المحدود لإسرائيل أو عبر استخدام أدوات الضغط المالي والاقتصادي والدبلوماسي على لبنان وباقي الدول العربية.

كما أن الدعوات إلى الحياد في ظل الاحتلال تطرح إشكالية جوهرية. فالحياد بين المحتل والواقع تحت الاحتلال ليس موقفاً متوازناً بالضرورة، بل قد يتحول عملياً إلى قبول بالأمر الواقع الذي يفرضه ميزان القوة القائم. ولذلك فإن أي نقاش حول السيادة أو بناء الدولة يفقد جزءاً من معناه إذا جرى فصله عن مسألة التحرر من الاحتلال ومقاومة نتائجه.

إقرأ على موقع 180  مدينة عكا.. هل تعود لبنانية؟

رابعاً: نقد حزب الله

ينتقد الكاتب حزب الله باعتباره: مرتبطاً بإيران، ينتظر نتائج التفاوض الأميركي الإيراني، ويراهن على حرب استنزاف. وهنا توجد نقطة قوة ونقطة ضعف. أنه يرفض اختزال الحزب إلى مجرد “مقاومة وطنية” منفصلة عن حسابات إقليمية، وهذا صحيح، فالصراع مترابط في ظل العولمة الإمبريالية، ولكنه بالمقابل يقترب أحياناً من اختزال الحزب إلى أداة إيرانية. في الواقع، فإن الحزب يمثل ظاهرة أكثر تعقيداً: هو جزء من محور إقليمي تقوده إيران، لكنه أيضاً تعبير عن قاعدة اجتماعية حقيقية داخل شرائح واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية، كما أنه نشأ تاريخياً في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإن تفسير سلوكه كله بالإرادة الإيرانية يغفل جذوره الاجتماعية المحلية.

خامساً: غياب التحليل الطبقي

الكاتب يتحدث عن: اللبنانيين، الرأي العام، السلطة، الدولة وما إلى ذلك.

لكن أين الطبقات الاجتماعية؟ ماذا عن البرجوازية المصرفية، الرأسمال العقاري والريعي، شبكات الزبائنية الطائفية، مصالح كبار المستفيدين من الاقتصاد اللبناني. وكأن المجتمع اللبناني كتلة واحدة تواجه الاحتلال والأزمة. في حين أن السؤال: من يدفع ثمن الحرب؟ ومن هي الشرائح الأكثر اندفاعة لتنفيذ شروط واشنطن وتل أبيب؟ ولماذا تنظر بعض القوى السياسية اللبنانية إلى التحولات الإقليمية وما تعتبره هزيمة للمقاومة بوصفها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية وتحقيق مكاسب سياسية طائفية؟

إن تغييب هذه الأسئلة يجعل الصراع يبدو وكأنه خلاف بين مواقف سياسية متنافسة، بينما هو في جانب منه أيضاً صراع بين مصالح اجتماعية واقتصادية مختلفة تسعى كل منها إلى فرض رؤيتها لمستقبل لبنان وموقعه في الإقليم.

سادساً: النزعة الإنسانية والحدود السياسية

أقوى أجزاء النص هي تلك المتعلقة بالمدنيين المهجّرين وبالآثار الاجتماعية والاقتصادية للاحتلال.

فالكاتب يرفض التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة عسكرية، ويذكّر بأن هناك: مئات آلاف المهجّرين، أزمة زراعية، مخاطر على المياه، وتفككاً اجتماعياً. وهذا جانب ينسجم جزئياً مع الحس المادي للتاريخ، لأنه ينقل النقاش من الشعارات إلى حياة الناس الملموسة. لكن النص يتوقف عند حدود الوصف الإنساني، ولا يطوّر تحليلاً طبقياً لهذه التداعيات.

في الخلاصة، يمكن القول إن النص يقع في منطقة وسطى بين الليبرالية السياسية والنقد السيادي الوطني.

فهو:

  • يرفض الاحتلال الإسرائيلي بوضوح.
  • ينتقد الارتهان للولايات المتحدة.
  • يرفض في الوقت نفسه منطق المقاومة غير الخاضعة للدولة.

بالمقابل، يعاني النص من نقاط ضعف:

  1. تمييع التناقض الرئيسي بين الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال عبر توزيع المسؤولية بالتساوي تقريباً بين الأطراف.
  2. التعامل مع الدولة اللبنانية كإطار محايد بدلاً من تحليل طبيعتها الطبقية والطائفية.
  3. غياب تحليل الإمبريالية بوصفها بنية عالمية لا مجرد انحياز أميركي.
  4. اختزال حزب الله أحياناً إلى امتداد للسياسة الإيرانية.
  5. الغياب شبه الكامل للتحليل الطبقي ولعلاقات الإنتاج والمصالح الاقتصادية داخل لبنان.

نحو مقاربة مختلفة

إذا كان من السهل نقد أوهام “الحسم العسكري” من جهة، وأوهام “الاستسلام الواقعي” من جهة أخرى، فإن السؤال الأهم يبقى: ما البديل؟

البديل لا يكمن في تجاهل اختلال موازين القوى ولا في تحويله إلى قدر تاريخي دائم. كما لا يكمن في اختزال قضية الجنوب إلى ملف أمني أو تقني يتعلق بالسلاح فقط. فالمدخل الواقعي يبدأ من اعتبار إنهاء الاحتلال ووقف العدوان أولوية وطنية جامعة، ومن بناء أوسع جبهة سياسية وشعبية للدفاع عن حق اللبنانيين في أرضهم وسيادتهم، بالتوازي مع فتح نقاش داخلي حول استراتيجية دفاع وطني تُبنى على التوافق الشعبي لا على الإملاءات الخارجية.

كذلك فإن أي مشروع جدي لبناء الدولة لا يمكن فصله عن مواجهة البنية الاقتصادية الريعية والطائفية التي أوصلت لبنان إلى أزمته الحالية. فالدولة لا تُبنى فقط عبر حصر السلاح، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد المنتج، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ومواجهة شبكات الاحتكار والفساد والتبعية المالية للخارج. أما الدولة التي تُختزل وظيفتها في تنفيذ الشروط الأمنية المطلوبة اميركياً وإسرائيلياً، فلن تكون دولة سيادة واستقلال، بل مجرد جهاز لإدارة التوازنات التي يفرضها المنتصر.

إن حساسية المقاربة التي يعرضها الأستاذ زياد ماجد لا تكمن في نقده لحزب الله أو لممارسات السلطة اللبنانية، فهذه قضايا مشروعة للنقاش، بل في نقطة الانطلاق التي يعتمدها لفهم الأزمة اللبنانية. فبينما تنطلق مقاربته من سؤال الدولة والسلاح والانقسام الداخلي، وتنتهي عملياً إلى نقل مركز النقاش من سؤال الاحتلال وكيفية مواجهته إلى سؤال إدارة نتائج الاحتلال والتكيّف معها، في حين تنطلق هذه القراءة من اعتبار أن الاحتلال والعلاقة الإمبريالية التي تحميه يشكلان التناقض الرئيسي الذي يعيد إنتاج بقية التناقضات. ومن هنا يكمن جوهر الخلاف: فالأزمة اللبنانية لا تبدو مجرد أزمة دولة وسلاح أو انقسام داخلي، بل هي أيضاً، وإلى حد بعيد، نتاج علاقة هيمنة استعمارية وإمبريالية ما زالت تتحكم بمسار الصراع وتفرض شروطه على لبنان والمنطقة. لذلك فإن السؤال المركزي ليس كيفية إدارة نتائج الاحتلال أو التكيّف مع موازين القوى التي فرضها، بل كيفية مواجهة الاحتلال نفسه وشروط الهيمنة التي يستند إليها.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ديفيد أغناتيوس: نصرالله يختار مصيره بنفسه