لم تعد اتفاقات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط تعني بالضرورة نهاية الحروب أو بداية مسار سياسي يقود إلى السلام. فالتجارب المتراكمة خلال العقود الأخيرة أظهرت أن كثيرًا من هذه الاتفاقات باتت تُستخدم كآليات لإدارة الصراع وضبط إيقاعه، لا لمعالجة أسبابه أو إنهائه بصورة نهائية. وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي والدولي، أصبح وقف إطلاق النار جزءًا من هندسة الصراع نفسه، لا محطة للخروج منه.
تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً نمطًا جديدًا من الحروب، حيث تتراجع فكرة الحسم العسكري الكامل لمصلحة إدارة التوازنات والتحكم بمستويات التصعيد. لم يعد الهدف إنهاء المواجهة بقدر ما أصبح منع انفجارها الشامل، وإبقاء الأطراف المختلفة ضمن حدود اشتباك محسوبة تخدم مصالح القوى الكبرى وتوازناتها.
وفي هذا السياق، يكتسب البيان الثلاثي الأميركي – اللبناني – الإسرائيلي أهمية تتجاوز كونه إعلانًا سياسيًا أو إطارًا أمنيًا مؤقتًا. فهو يعكس رؤية متكاملة لطبيعة المرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة، ويكشف كيف بات مفهوم الأمن يتقدم على مفاهيم السيادة والعدالة والتسوية المتوازنة.
فالبيان لا يُقرأ فقط من خلال ما تضمنه من نصوص، بل أيضًا من خلال ما تجاهله أو أغفله. ففي العلاقات الدولية غالبًا ما تكون البنود غير المكتوبة أكثر دلالة من البنود المعلنة، لأن موازين القوى لا تُقاس بالكلمات وحدها، بل بالالتزامات الفعلية وآليات التنفيذ والقدرة على فرض الوقائع السياسية والأمنية.
في المقابل، جاءت الالتزامات الإسرائيلية عامة وفضفاضة، محصورة بمفاهيم مثل دعم السلام ومتابعة التفاوض وتعزيز الأمن. ولم يتضمن البيان أي التزام واضح أو محدد بوقف الاعتداءات الإسرائيلية أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة أو إنهاء الخروقات الجوية والبحرية والبرية المستمرة.
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية. فالبيان يتحدث عن سيادة لبنان بصورة متكررة، لكنه يتجنب الربط بين هذه السيادة وبين السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والمجال الجوي. والسيادة في القانون الدولي ليست مجرد مفهوم سياسي أو إعلان معنوي، بل هي ممارسة فعلية للسلطة على كامل الإقليم الوطني. ولذلك يصبح الحديث عن سيادة كاملة من دون نص واضح يحدد الانسحاب الإسرائيلي أو إنهاء الاحتلال مسألة تثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة السيادة المقصودة وحدودها.
كما أن البيان أغفل بصورة كاملة تقريبًا الملفات الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالحرب. فلا وجود لأي التزام يتعلق بعودة السكان المهجرين إلى قراهم، ولا أي إشارة إلى إعادة الإعمار أو التعويضات أو معالجة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحرب. وكأن المطلوب هو تثبيت معادلة أمنية جديدة من دون معالجة آثار الصراع على المجتمع نفسه.
فالسلام الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الأيام التي تتوقف فيها المدافع، بل بعدد الناس الذين يعودون إلى منازلهم، وبقدرة المجتمعات على استعادة حياتها الطبيعية. أما الاقتصار على المقاربة العسكرية والأمنية فيجعل وقف إطلاق النار أقرب إلى تجميد مؤقت للنزاع منه إلى عملية سلام مستدامة.
ومن النقاط اللافتة للانتباه أيضًا طرح ما سُمّي بالمناطق التجريبية التي تخضع لسيطرة الجيش اللبناني الكاملة، وهي صيغة تبدو للوهلة الأولى داعمة لدور الدولة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة سيادية وسياسية عميقة، خصوصًا عندما تصبح فعالية هذه المناطق خاضعة للتقييم والمتابعة الأميركية والإسرائيلية. فالدولة التي تُقاس سيادتها وفق معايير خارجية تجد نفسها أمام معادلة معقدة يتداخل فيها الأمن مع النفوذ السياسي.
وهذا لا يعني استبعاد الدور الأميركي أو إنكار أهميته، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التوازن في وساطة تقوم بها دولة تُعد الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل والشريك الأساسي في دعمها السياسي والعسكري.
الأكثر دلالة في البيان هو تأكيد إسرائيل أن أمنها لا يتحقق إلا من خلال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان، وليس فقط في الجنوب. وهذا الطرح لا يقتصر على معالجة الوضع الحدودي أو تنفيذ ترتيبات مرتبطة بوقف إطلاق النار، بل يرتبط بإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بأكملها، وربط الاستقرار الداخلي بشروط أمنية مسبقة تحددها إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن هنا يبدو أن البيان يتجاوز فكرة وقف الأعمال العدائية نحو محاولة إعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي اللبناني وفق رؤية محددة لمستقبل المنطقة. فهو يقدم تصورًا مفصلًا لما ينبغي أن يفعله لبنان، لكنه لا يقدم تصورًا مماثلًا لما ينبغي أن تفعله إسرائيل. كما أنه يحدد إجراءات تنفيذية واضحة من جانب واحد، فيما تبقى الالتزامات المقابلة محكومة بعبارات عامة تفتقر إلى آليات التنفيذ والمحاسبة.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا مع غياب أي مرجعية دولية ملزمة أو جدول زمني واضح للتنفيذ. فلا تحديد لمواعيد الانسحاب، ولا لعودة السكان، ولا لإنهاء الخروقات، ولا لاستكمال التسوية النهائية. وفي علم الاستراتيجية، يشكل الزمن عنصرًا أساسيًا من عناصر القوة، لأن الالتزامات المفتوحة زمنيًا تمنح الطرف الأقوى قدرة إضافية على إدارة الصراع واستثماره سياسيًا.
لذلك، فإن جوهر البيان لا يبدو متجهًا نحو إنهاء النزاع بقدر ما يتجه نحو تنظيمه وإدارته. وهو يعكس بدقة التحول الذي يشهده الشرق الأوسط من مرحلة الحروب التقليدية إلى مرحلة الصراعات المستدامة منخفضة الحدة، حيث تُستخدم الهدن لإعادة إنتاج التوازنات، وتُستثمر اتفاقات وقف إطلاق النار كأدوات لإدارة الأزمات لا لمعالجة جذورها، وما الاشتباك الأخير بين إيران وإسرائيل بعنوان “شمال فلسطين المحتلة مقابل بيروت وضاحيتها الجنوبية” إلا نموذجاً لإدارة الوقت، بحيث يحاول كل طرف مراكمة عناصر قوة وردع لصالحه في مواجهة الطرف الآخر، إستعداداً إما للتسوية الكبرى أو تدشين فصل جديد من فصول المواجهة المستمرة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يكمن فقط في وقف النار، بل في الحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السيادة، وبين ضرورات الاستقرار وحقوق الدولة والمجتمع. فالسلام لا يُبنى على اختلال الالتزامات، ولا على تغييب العدالة، ولا على تجاهل أسباب النزاع الأساسية. والسلام المستدام يحتاج إلى التزامات متبادلة، وضمانات متوازنة، واحترام فعلي للقانون الدولي، واعتراف متساوٍ بحقوق جميع الأطراف.
أما إذا بقيت الهدنة مجرد إطار لإدارة الصراع ضمن شروط غير متكافئة، فإن المنطقة لن تكون أمام نهاية للحرب، بل أمام فصل جديد منها يُدار بأدوات سياسية ودبلوماسية بدل الأدوات العسكرية المباشرة.
