وعندما حاول الجانب “الإسرائيلي” التملص من هذا البند، ومارس عربدته الحربية المعتادة، ضرب المفاوض الإيراني يده على الطاولة، ولوّح بإقفال مضيق هرمز وأوقف مفاوضات سويسرا، ما أجبر الأميركي على الانصياع للاتفاق وإلزام حليفه “الإسرائيلي” التقيد به بصورة جدية.
أمام هذا الموقف الإيراني، لا بد لأي مراقب من إجراء مقارنة بسيطة بين ما فعله الأميركي في ملف المفاوضات المتعلقة بلبنان وما فعله الإيراني. كما بات من الضروري أن يعيد أهل السلطة السياسية في لبنان، رئاسة وحكومة، النظر في مجمل تعاملهم مع ملف المفاوضات المباشرة.
ففي 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، منح الأميركي حليفه “الإسرائيلي” حرية الحركة في لبنان، براً وبحراً وجواً، خلافاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وافق عليه الطرفان. لكن التحالف الأميركي “الإسرائيلي” حوّل الاتفاق إلى وقف إطلاق نار أحادي الجانب، فاستباحت الطائرات الحربية “الإسرائيلية” لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، بغارات لم تميز بين مدني وعسكري، وكانت حصيلة خمسة عشر شهراً من هذه الاستباحة قرابة 500 شهيد و1500 جريح.
وجاء العدوان الأميركي “الإسرائيلي” المفاجئ على إيران، في نهاية شباط/فبراير 2026، في خضم مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة كانت توصف بالايجابية. تلقت إيران في الساعات الأولى من العدوان ضربة قاسية تمثلت باغتيال مرشدها الإمام علي الخامنئي، إلى جانب أربعين من قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني ومؤسسات الدولة.
اغتنمت المقاومة اللبنانية الفرصة، وما هي إلا ساعات حتى دخلت على خط المواجهة بإطلاق ستة صواريخ باتجاه المستعمرات الصهيونية الشمالية، محددة أسباب دخولها بثلاثة عناوين: الانتقام لاغتيال الخامنئي، إسناد إيران، وإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة تمنع العودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس، أي الاستنزاف الذي سبق تاريخ انخراط المقاومة في المواجهة إلى جانب إيران.
راهنت الولايات المتحدة و “إسرائيل” على هزيمة إيران وسقوطها خلال أيام أو، في أبعد تقدير، خلال أسابيع قليلة. ووصل الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حد الإعلان عبر وسائل الإعلام أنه هو من سيعين المرشد الجديد لإيران، فيما كان رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو يعتبر أن إنهاء المقاومة في لبنان بات مسألة وقت وان جيشه سيصنع شرق اوسط جديد تحت هيمنته.
وفي الداخل اللبناني، راهنت قوى سياسية لبنانية، ومعها فريق وازن داخل السلطة، على هزيمة إيران وسقوطها، باعتبار أن ذلك سيعني، وفق تقديرهم، هزيمة المقاومة واستسلامها. وفي هذا السياق، سارعت الحكومة الى تجريم عمل المقاومة واعتباره “خارجاً عن القانون”، فيما أطلق الرئيس اللبناني جوزاف عون مبادرته الداعية إلى مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” من دون موافقة مكون لبناني كبير، إلا أن رعونة نتنياهو، واقتناعه بإمكان هزيمة إيران، دفعاه إلى رفض المبادرة في البداية.
غير أن إيران صمدت، وانتخبت مرشداً جديداً، وعينت مسؤولين وقادة جدداً لا تعرفهم الولايات المتحدة ولا “إسرائيل”، قبل أن تنتقل بهدوء وصبر إلى الهجوم المضاد. فشنت حملة صاروخية مركزة استهدفت القواعد الأميركية في دول الخليج، وأخرى أشد وطأة على قلب الكيان، من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه.
وقوبل الهجوم الإيراني المضاد برد أميركي “إسرائيلي” عنيف استهدف منشآت عسكرية، كما طال منشآت مدنية وبنى تحتية. فردت إيران بقصف منشآت مدنية في فلسطين المحتلة وفي بعض دول الخليج، قائلة إن جنوداً أميركيين فروا من قواعدهم المدمرة ولجأوا إليها.
استشعر الأميركيون سريعاً عقم الانخراط في حرب مفتوحة ضد إيران، فأوعزوا إلى “إسرائيل” بقبول مبادرة عون، وأصروا على أن تُعقد المفاوضات المباشرة بينهما في واشنطن وبرعايتهم الحصرية، أي بما يعني عملياً الاستفراد بلبنان. وعندما حاولت فرنسا الدخول على خط هذه المفاوضات، أعلن نتنياهو رفضه ذلك، معتبراً أن باريس لن تكون وسيطاً نزيهاً. إثر ذلك، طلب ترامب من عون زيارة البيت الأبيض ولقاء نتنياهو برعايته، وهو ما تهيب عون الإقدام عليه بعد اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وتواصلت الغارات الجوية الأميركية و”الإسرائيلية” على إيران، فيما واصلت طهران إطلاق صواريخها بأنواع وقدرات مختلفة على “إسرائيل”، وعلى الأميركيين في دول الخليج، واعلنت اقفال مضيق هرمز، واشارت إلى احتمال إغلاق مضيق باب المندب أيضاً.
وفي الوقت نفسه، شق الجيش “الإسرائيلي” طريقه بصعوبة داخل الأراضي اللبنانية من ثلاثة محاور: في القطاع الغربي من الناقورة باتجاه شمع والبياضة، وفي القطاع الأوسط باتجاه حولا وبليدا وعيترون، وفي القطاع الشرقي باتجاه الطيبة ومركبا، سعياً للوصول إلى نهر الليطاني أولاً، ثم تجاوزه غرباً باتجاه قلعة الشقيف وبلدات أرنون وكفرتبنيت.
وكما صمدت إيران في مواجهة أميركا، القوة العسكرية الأعظم في العالم، صمدت المقاومة في لبنان في مواجهة “إسرائيل”، القوة العسكرية الأكبر في الشرق الأوسط. ودفع هذا الصمود الإدارة الأميركية إلى التعجيل بانعقاد المفاوضات اللبنانية ـ “الإسرائيلية”، ومحاولة تقييد لبنان باتفاقات تستند إلى ميزان قوى يفترض انتصار التحالف الأميركي ـ “الإسرائيلي” وهزيمة إيران والمقاومة اللبنانية.
وبرغم تشديد الرئيس عون على رفض الذهاب الى المفاوضات تحت النار، فإنه أرسل مبعوثيه إلى المفاوضات المباشرة فيما كانت آلة الحرب الاسرائيلية تطحن قرى الجنوب اللبناني ومدنه، وبعد ساعات من الجلسة الأولى للمفاوضات في واشنطن شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية 160 غارة خلال دقائق معدودة على مناطق لبنانية مختلفة، بينها العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، ما أدى إلى سقوط أكثر من 300 شهيد و1200 جريح. وفي الميدان، واصل الجيش “الإسرائيلي” تقدمه جنوباً ببطء، نتيجة المقاومة البطولية التي واجهها، فيما شكل استخدام المسيّرات الانقضاضية من المقاومة مفاجأة ميدانية بارزة، إذ أخذت تحصد الضباط والجنود “الإسرائيليين”، وحولتهم، بحسب توصيف الإعلام “الإسرائيلي”، إلى «بط في ميدان الرماية».
ومع اقفال إيران لمضيق هرمز، رد الأميركيون بإعلان حصار بحري كامل عليها، لتدخل المواجهة مرحلة جديدة من لعبة عض الأصابع. وبدأ الاقتصاد العالمي يئن تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط والغاز الذي بدوره أدى إلى رفع أسعار كافة السلع الاستهلاكية، فيما أخذ التضخم يتصاعد في الولايات المتحدة وأوروبا. وبدا أن الإيرانيين، المعتادين على ظروف اقتصادية قاسية، أكثر قدرة على تحمل تبعات هذه المواجهة الاقتصادية، في حين تفتقر المجتمعات الغربية إلى القدرة نفسها على الصمود أمام أكلافها.
وأمام هذا المشهد، بات واضحاً للإدارة الأميركية أنها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مواصلة الحرب والزج بقواتها البرية في إيران، وإما الإقرار بفشل تحقيق أهداف العدوان والإسراع في إنهائه والانتقال إلى التسوية مهما كان الثمن.
ولأن واشنطن تدرك أن التدخل البري قد يتحول إلى كارثة عسكرية واقتصادية، فقد اختارت الخيار الثاني من دون تردد، وسعت إلى إنجازه بسرعة. والتقط الجانب الإيراني هذه الرغبة الأميركية الجامحة في التسوية، وبدأ بطرح شروطه، وفي مقدمها وقف الحرب “الإسرائيلية” على لبنان وفرض انسحاب “إسرائيلي” كامل من أراضيه.
إذاً، في مقابل انحياز أميركي فاضح للجانب “الإسرائيلي”، سواء على المستوى العسكري، بحسب ما قاله نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من أن تسعين في المئة من الأسلحة والذخائر “الإسرائيلية” ممولة من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، أو على المستوى السياسي عبر دفع عون وسلام إلى مفاوضات مباشرة غير متكافئة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، بعد الجولة الرابعة من المفاوضات، أن الطرفين اتفقا على وقف إطلاق النار في لبنان، مع «إعطاء حرية الحركة لإسرائيل للدفاع عن نفسها»، أي، بمعنى آخر، وقف إطلاق نار من جانب لبنان فقط. وهو ما رفضته المقاومة وحليفها رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توقيع مذكرة التفاهم إلكترونياً وفق الشروط الإيرانية، قبل أن يوقعها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالطريقة نفسها. ومع دخول التفاهم الأميركي ـ الإيراني حيز التنفيذ، حاول الجانب “الإسرائيلي” مجدداً تجاوز البند الأول من المذكرة، عبر مواصلة هجماته داخل الأراضي اللبنانية، ولا سيما باتجاه تلال علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية. تصدت له المقاومة ميدانياً، فيما تصدت إيران دبلوماسياً بوقف المفاوضات وإعادة إقفال مضيق هرمز، بعدما كانت قد أعادت فتحه مع بدء تنفيذ التفاهم، وأرجأت انطلاق مفاوضات سويسرا إلى حين التزام “إسرائيل” بوقف إطلاق النار.
وهكذا انتهت المغامرة الأميركية ـ “الإسرائيلية” في كل من إيران ولبنان إلى الفشل الذريع. وحاول ترامب التعويض عن هذا الفشل بسلسلة مواقف مثيرة للاستغراب، إذ اعتبر أنه نجح في فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل العدوان على إيران، ولم تكن طهران تتقاضى أي رسوم على السفن العابرة فيه، خلافاً لما قد يحصل لاحقاً.
أمام هذا الواقع، يمكن القول إن التكامل بين بطولات المقاومة في الميدان وصلابة الموقف الدبلوماسي الإيراني في الدفاع عن لبنان حققا ما لا يستطيع عون وسلام تجاهله أو تجاوزه، بل حوّلا المفاوضات المباشرة في واشنطن إلى لزوم ما لا يلزم. فمهما تكن النتائج التي قد تتمخض عنها هذه المفاوضات، لن يكون في مقدور أي طرف تنفيذها ما لم تحظَ بقبول المقاومة اللبنانية المسنودة من إيران.
وإذا كان جوزاف عون يفكر فعلاً بمستقبله السياسي كرئيس لكل لبنان، فقد بات لزاماً عليه، بوصفه ضابطاً سابقاً، إنهاء مهزلة المفاوضات المباشرة في واشنطن. فقد أثبتت نتائج المعركة، في نظر أصحاب هذا التوجه، عقم الرهان على “الصديق الأميركي”، في مقابل صحة الرهان على الحليف الإيراني، بعدما أدى دخول المقاومة الحرب إلى جانب طهران إلى إصرار الأخيرة على وضع لبنان على طاولة المفاوضات الفعلية من موقع قوة، خلافاً لطاولة واشنطن التي وضعت لبنان في موقع الضعيف المستسلم.
كما بات على عون أن يعيد النظر في سلسلة المواقف التي أطلقها ضد المقاومة وقياداتها وبيئتها، وضد ايران نفسها (قرار وزارة الخارجية اللبنانية طرد السفير الايراني في لبنان واعتباره غير مرغوب فيه) وهي مواقف تبدو، في الحد الأدنى، غير مقدرة لحجم التضحيات التي قدمتها هذه المقاومة وبيئتها دفاعاً عن سيادة لبنان.
وإذا أراد عون أن يلعب ورقة سياسية ذكية، ووفقا لموقفه القائل “لا أحد يفاوض عن لبنان” فبإمكانه المطالبة بأن يكون لبنان طرفاً في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي ترعاها إسلام آباد، وما جرى في سويسرا يصب في هذا الاتجاه من خلال تشكيل لجنة تشرف على آلية وقف النار بمشاركة لبنان الرسمي وقطر وباكستان وإيران والولايات المتحدة.
وعلى أي حال، فإن البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، وإن كان يعني في ظاهره وقف العدوان “الإسرائيلي” على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء “الخط الأزرق”، فإنه ينطوي، في باطنه، على اعتراف أميركي واضح بالنفوذ الإيراني في لبنان، وبالدور الإيراني في رعاية لبنان السيد الحر المستقل، خلافاً للسرديات الأميركية و”الإسرائيلية” التي سادت خلال السنوات الماضية. واذا كان هذا الاعتراف بالنفوذ الإيراني في لبنان الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن إيران فماذا سيكون الموقف من نفوذ ايران في المنطقة المجاورة لحدودها والتي معظم دولها حليفة للولايات المتحدة الأميركية؟
