«عقدة هرمز”.. هل تفتح باب التسوية بين واشنطن وطهران؟

يصعب التعويل على تصريح الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بأن الحرب على إيران توشك أن تصل إلى نهايتها. بحكم طبيعة تصريحاته، التي لا يتوقف عن إطلاقها بمعدلات تفوق أية قدرة على المتابعة، فإنها تبدو مربكة. يقول الشيء وعكسه في الوقت نفسه. تصريحاته المتناقضة استدعت التساؤل عبر الميديا، أو داخل الكونجرس، عما إذا كان يعاني من حالة عدم اتزان نفسي وعقلي؛ لكن هذه المرة، الحسابات تختلف.

تتبدى، خلال أيام أو ساعات، فرصة جديدة وملموسة للتوصل إلى تسوية ما، مؤقتة بطبيعتها، على خلفية اتفاق إيراني ــ عُماني لتنظيم قواعد المرور في مضيق هرمز.

كان تأخر الإعلان عن هذا الاتفاق، رغم الانتهاء من التوافق على كل بنوده وتفاصيله، تعبيرًا صريحًا عن تداخل اللاعب الأمريكي في اعتماده، حتى يكون مدخلًا لتهدئة قابلة للتمدد إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس في نوفمبر المقبل.

الاتفاق الآن، حتى لو كان مؤقتًا، يدخل في حسابات الانتخابات الوشيكة، خشية خسارتها وتقلص نفوذ البيت الأبيض داخل الكونجرس، لكنه ليس العامل الوحيد.

ومن حيث حقائق الميدان، هناك إخفاق في حسم الحرب، التي أنهكت الاقتصاد العالمي بأزمة طاقة مستحكمة امتدت تأثيراتها السلبية إلى صلب الاقتصاد الأمريكي.

حسب ما هو منسوب إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، فإنه لا يرى أية فرصة لحسم الحرب.

«الطيران لن يحسم الحرب».

هذه حقيقة.

إذا كان التدخل البري مستبعدًا لتكاليفه الباهظة، فإن كسب الحرب مهمة مستحيلة تمامًا.

هذه حقيقة أخرى.

وقد نشأت أوضاع عسكرية مستجدة، في ظل تسريبات متواترة عن نفاد الذخيرة، أو خشية نفادها إذا تمددت الحرب أو اتسعت.

«ترامب» نفى بنفسه هذه التسريبات، لكن يبدو أن لها أساسًا يرجح صحتها.

وبنص تصريح قلق له: «تسريبات نفاد الذخيرة تقوي من سعي إيران لامتلاك سلاح نووي».

أمام كل هذه التعقيدات الملغمة، فإن هناك الآن مسارين لحركة الحوادث، لا ثالث لهما في أي مدى منظور.

الأول، التوصل إلى تسوية ما لوقف النزيف الأمريكي الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي قبيل انتخابات الخريف.

هذا يعني رفع الحصار عن موانئ إيران، وتخفيض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وضخ مليارات الدولارات في خزائنها شبه الخاوية من ودائعها المجمدة في البنوك الغربية.

بتلخيص ما، فإن ذلك هو الثمن الاقتصادي والاستراتيجي لإعادة فتح مضيق هرمز وفق الاتفاق الإيراني ــ العُماني المنتظر.

والثاني، تشديد الضغوط الاقتصادية مع عدم إغلاق باب التفاوض.

بصياغة أخرى، البقاء في المربع الحالي ذاته، بكل جوانبه وتكاليفه وآثاره السلبية على فرص الجمهوريين في الانتخابات الوشيكة.

إنها سياسة الضغوط القصوى، التي لم تفلح في زعزعة الموقف الإيراني على مسارات التفاوض الخلفية.

الأزمة الحقيقية تكاد تتلخص في فجوات الثقة الواسعة بين الجانبين، التي تمنع التقدم إلى الأمام أو التوصل إلى أية تسوية مستدامة.

يستلفت النظر ــ هنا ــ أن الاتفاقات التي وقعتها الولايات المتحدة، كـ«مذكرة التفاهم» مع الإيرانيين، أو رعتها بالإشراف المباشر، كـ«خطة ترامب» للسلام في غزة و«اتفاقية الإطار» اللبنانية ــ الإسرائيلية، خضعت جميعها لحرب التفسيرات.

تعطلت «مذكرة التفاهم» على خلفية التنصل من التزامات البند الخامس، الخاصة بإعادة فتح مضيق هرمز.

وأخفقت «خطة السلام في غزة» على خلفية التحلل الإسرائيلي من أي التزام بالانسحاب من الأراضي المنصوص عليها في الخطة.

وتعرضت «اتفاقية الإطار» إلى انتهاك شبه كامل لأي استحقاق يفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

بدا الدور الإسرائيلي ضاغطًا على الجانب الأمريكي للتحلل من «مذكرة التفاهم»، باعتبار أنها تفضي إلى تمكين إيران من تحقيق نصر استراتيجي، فيما كان مباشرًا في الاستحقاقين الفلسطيني واللبناني.

في الملفات المفتوحة الثلاثة، بدا الرئيس الأمريكي شبه عاجز عن أي حسم أمام سؤال حرج يتردد صداه داخل المجتمع الأمريكي: أيهما يقود الآخر.. «ترامب» أم «نتنياهو»؟

السؤال، بحمولاته السياسية المتفجرة، يصطدم بفرص التوصل إلى تسوية مؤقتة على خلفية الاتفاق الإيراني ــ العُماني المنتظر بشأن مضيق هرمز.

لم يكن ذلك المضيق، البالغ الأهمية الاستراتيجية في نقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، من أهداف الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، لكنه تحول بعدها إلى العقدة الرئيسية في حسابات الحرب والتفاوض.

في الحرب، اكتشف الإيرانيون أهمية المضيق الفائقة، وأنه الورقة الرئيسية التي يمتلكونها للضغط على أعصاب الولايات المتحدة ومصالحها.

ومع الفشل الأمريكي الذريع في فك عقدة هرمز، أخذ «ترامب» يلوح، مرة بعد أخرى، بأن الإيرانيين سيدفعون ثمنًا باهظًا، وأن قدراتهم ستُدمر بالكامل، قبل أن يتراجع عن تهديداته في كل مرة، بذريعة أن الإيرانيين ودولًا أخرى طلبوا منه ذلك التراجع لإعطاء فرصة للتفاوض.

وبتعبير متحدٍّ لـ«محمد باقر قاليباف»، رئيس البرلمان الإيراني: «إذا مُنعت إيران من تصدير نفطها، فسوف يحدث الأمر نفسه لدول المنطقة كلها».

هكذا تتبدى أمام فرصة التهدئة المؤقتة، على خلفية الاتفاق الإيراني ــ العُماني، وبتداخل أمريكي، عقدتان على جانبي الصراع.

الأولى، أمريكية، تتمثل في الارتباك الظاهر في مركز صناعة القرار، الذي تغيب عنه أية مؤسسية، ويتحكم فيه عدد محدود للغاية من أصدقاء الرئيس وأصهاره!

والثانية، إيرانية، تتمثل في غياب المرشد «مجتبى خامنئي» عن أي حضور عام أو دور مؤثر يقتضيه منصبه.

إقرأ على موقع 180  فلسطين.. والدور الوظيفي للبرجوازيات العربية

تتعدد التفسيرات لهذا الغياب، لكنه يفضي عمليًا إلى تساؤلات طبيعية ومشروعة: من يصنع القرار السياسي بشأن الحرب والتفاوض؟

وبتعبير لافت للانتباه لمسؤول إيراني نشرته، قبل فترة، وكالة «تسنيم»: «أمريكا تخشى الحرب وإيران تخشى التسوية».

أمريكيًا، فإن الحرب مكلفة وفوق أية طاقة على التحمل، وإيرانيًا، فإن التسوية قد تحرم البلد من ثمار صموده وتضحياته.

قد تحدث تسوية مؤقتة لشهرين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز بصفقة متبادلة، وقد يمتدان لشهرين آخرين قبل صدام آخر متوقع بشأن المشروع النووي، الذريعة الأساسية للحرب على إيران.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  من يستسلم للإستبداد.. يستسلم لإسرائيل!