ومع ذلك، فإن وصف الاتفاق بأنه «ناتو إسلامي» يختزل بنيته المعقدة. فالدول الثلاث لا تواجه التهديدات نفسها، ولا تملك رؤية متطابقة للعالم، ولا تنتمي إلى منظومة جيوسياسية واحدة. الأهم أن التحالف لا يبدو موجهاً رسمياً ضد دولة بعينها، وإنما يسعى إلى بناء مثلث ردع يمتد من الخليج إلى بحر العرب وجنوب آسيا، وتشكّل تركيا حلقته الجغرافية والسياسية التي تصل الشرق الأوسط بأوروبا.
بهذا المعنى، تكمن أهمية التحالف في الجغرافيا التي ينتجها، السعودية في قلب الخليج والبحر الأحمر، باكستان على بحر العرب وعلى تخوم الهند وأفغانستان وإيران، وتركيا عند بوابة الشرق الأوسط نحو القوقاز والبحر الأسود وأوروبا. وهذه المواقع تمنح الاتفاق بعداً يتجاوز الدول الثلاث إلى إعادة تشكيل جزء من الخريطة الأمنية الإقليمية.
دوافع المثلث
تدخل السعودية إلى التحالف من موقع الدولة التي تمتلك الموارد والطاقة والثقل العربي والإسلامي (مكة والمدينة)، لكنها اكتشفت خلال السنوات الماضية أن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك ردع مستقل. فقد كشفت الهجمات والأزمات الإقليمية حدود الاعتماد على المظلة الأميركية عندما لا تتطابق حسابات واشنطن مع احتياجات حلفائها.
لذلك لا يبدو أن الرياض تريد استبدال الولايات المتحدة بتركيا وباكستان، بل تنويع مصادر أمنها وتقليل اعتمادها على ضامن واحد. وهي تحصل من المثلث على عناصر متكاملة، القوة العسكرية والتكنولوجيا التركية، والعمق العسكري والاستراتيجي الباكستاني، إضافة إلى مواردها المالية وموقعها وثقلها العربي والإسلامي.
أما باكستان، فتقدم العنصر الأكثر حساسية في المعادلة، الجيش الكبير والخبرة العسكرية والعمق الآسيوي، فضلاً عن كونها الدولة النووية الوحيدة في التحالف الثلاثي. وهذا لا يعني أن الاتفاق أنشأ تلقائياً مظلة نووية للسعودية أو تركيا، إذ لا ينص على ذلك صراحة، لكن وجود قوة نووية داخل ترتيب دفاعي مشترك يغير حسابات الخصوم ويضيف إلى التحالف طبقة من الردع الاستراتيجي.
في المقابل، لا تحتاج تركيا إلى حماية خارجية بالمعنى التقليدي. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك جيشاً وصناعة دفاعية متقدمة. ولذلك فإن مكسبها الأساسي سياسي واستراتيجي، تحويل قوتها العسكرية والصناعية ونفوذها الإقليمي إلى شبكة مؤسسية أوسع، والحصول على شريك اقتصادي ومالي بحجم السعودية، وشريك عسكري آسيوي بحجم باكستان.
وهذا ينسجم مع سياسة أنقرة القائمة على الموازنة المرنة بين القوى الكبرى والإقليمية. فالتحالف لا يعني خروج تركيا من الناتو أو انتقالها إلى معسكر معادٍ للغرب، بل يمنحها هامش مناورة أكبر داخل النظام الدولي والإقليمي.
مصر الغائبة
لكن فهم هذا التحالف يبقى ناقصاً من دون تفسير غياب مصر. فالقاهرة ليست دولة هامشية في معادلة الأمن العربي، هي تمتلك أكبر قوة عسكرية عربية، وتسيطر على قناة السويس، وتطل على البحرين المتوسط والأحمر، ولها تأثير مباشر في ملفات غزة وليبيا والسودان وشرق المتوسط.
والأهم أن مصر كانت حاضرة في المسار الذي سبق الصيغة الثلاثية، إذ ظهر إطار تشاوري ضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان. لذلك فإن غيابها عن اتفاق مكة لا يبدو مجرد استبعاد، بل يعكس اختلافاً في تعريف الأمن والمصلحة.
الأمن المصري مرتبط أساساً بالجغرافيا المباشرة، النيل، السودان، ليبيا، غزة، سيناء، البحر الأحمر وشرق المتوسط. ولذلك تتحفظ القاهرة على التزامات دفاع جماعي قد تفرض عليها الدخول في حرب لا تعتبرها حربها. فإذا تعرضت السعودية لهجوم إيراني، أو دخلت تركيا في مواجهة إقليمية، أو اندلعت أزمة هندية ـ باكستانية، فإن مبدأ الدفاع المشترك يمكن أن يضع مصر أمام خيارات لا تتوافق بالضرورة مع أولويات أمنها القومي.
كما أن القاهرة لا ترى إيران بالدرجة نفسها من التهديد التي تراها الرياض، ولا تريد أن تتحول إلى طرف في محور عسكري قد يُقرأ على أنه موجه ضد إسرائيل، في وقت تحافظ فيه على اتفاق السلام معها وقنواتها الأمنية والدبلوماسية.
وتضاف إلى ذلك العلاقة المصرية ـ التركية. فرغم تطور التعاون بين البلدين، فإن التقارب لا يعني تطابقاً استراتيجياً كاملاً، ولا سيما في ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط. لذلك تستطيع مصر التعاون مع تركيا والسعودية وباكستان في ملفات محددة من دون أن تصبح عضواً في تحالف دفاعي ملزم.
وقد يكون هذا هو جوهر الموقف المصري، الاحتفاظ بالاستقلال الاستراتيجي بدلاً من الانضمام إلى محور مغلق يغلب عليه الطابع الطائفي، وهو الأمر الذي لا يحبذه المصريون تاريخياً؛ فالقاهرة تستطيع أن تؤدي دور القوة الموازنة من خارج التحالف، مستفيدة من موقعها ومن قناة السويس وثقلها العربي والإفريقي.
ومن هنا يصبح غياب مصر دالاً بقدر حضور الدول الثلاث. فلو كان الهدف إنشاء «ناتو إسلامي»، لكان استبعاد القاهرة مشكلة تأسيسية. أما إذا كان الهدف بناء مثلث ردع مرن، فإن عدم انضمامها يصبح مفهوماً.
ردع متعدد
إيران هي المتغير الأكثر وضوحاً في الحسابات الأمنية للتحالف، لكن اختزاله في تحالف ضد طهران سيكون خطأ. فالسعودية تريد ردع إيران من دون العودة إلى حرب مفتوحة معها، وتركيا تجمع بين المنافسة والتعاون، بينما تحتاج باكستان إلى إدارة علاقتها مع إيران بحذر بسبب الجغرافيا والحدود. لذلك فإن المعادلة الأقرب هي ردع إيران لا محاربتها أو اسقاط نظامها أو رميها في آتون الفوضى.
الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل. فالتحالف لا يقدم نفسه كجبهة عسكرية ضدها، لكن تشكيل قوة إقليمية تضم تركيا وباكستان والسعودية يحد من إمكانية احتكار طرف واحد للتفوق العسكري في المنطقة. ومن ثم فإن أثره قد يكون ردعياً أكثر منه هجومياً.
أما الهند فتمثل الاختبار الصامت للتحالف. فباكستان ترى أمنها أساساً من خلال علاقتها مع الهند، بينما ترتبط السعودية بعلاقات اقتصادية واستراتيجية قوية مع نيودلهي، ولا تريد تركيا أن تصبح طرفاً في الصراع الهندي ـ الباكستاني. فإذا بقي الاتفاق إطاراً عاماً للردع والتعاون، يمكن إدارة هذه التناقضات؛ أما إذا فُسر باعتباره التزاماً آلياً بالدخول في أي حرب تخوضها إحدى الدول الثلاث، فستظهر هشاشته. وهنا تكمن إحدى مشكلات التحالف الأساسية، القوة المشتركة لا تعني وحدة التهديدات.
ولا ينبغي كذلك اعتبار واشنطن الخاسر المباشر من الاتفاق. فالولايات المتحدة قد تخسر احتكار وظيفة الضامن الأمني في الخليج، لكنها لا تخسر نفوذها. والأرجح أن السعودية وتركيا وباكستان تريد أن تقول لواشنطن إن لديها بدائل، وبذلك يصبح التحالف جزءاً من اتجاه أوسع نحو تنويع مصادر الأمن وتقليل الاعتماد على قوة خارجية واحدة.
اختبار التحالف
تنبع قوة المثلث من تكامل عناصره، السعودية توفر الموارد والطاقة والثقل العربي والاسلامي، تركيا توفر القوة العسكرية والتكنولوجيا والموقع الذي يصل الشرق الأوسط بأوروبا، وباكستان توفر العمق الآسيوي والخبرة العسكرية والردع النووي.
لكن هذا التكامل نفسه يخفي نقاط ضعف واضحة، اختلاف تعريف التهديد، وتباين المواقف من إيران، وتعدد العلاقات مع الولايات المتحدة، وغياب البنية المؤسسية التي تحول الإعلان السياسي إلى تحالف عسكري فعلي.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في صياغة الاتفاق، بل في ما سيأتي بعد ولادته، هل ستنشأ قيادة مشتركة؟ هل ستتوسع التدريبات وتبادل المعلومات؟ هل سيتطور التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي والصناعات العسكرية؟ والأهم، كيف ستتصرف الدول الثلاث إذا اندلعت أزمة تمس إحدى الدول من دون أن تمس الأخرى؟
لهذا تبدو تسمية «ناتو إسلامي» مبكرة. الأدق أن اتفاق مكة يمثل نواة لنظام أمني إقليمي متعدد المراكز، تتوزع فيه الأدوار بين دول تدخل في ترتيبات دفاعية مباشرة ودول، مثل مصر، تفضل الاحتفاظ بموقع القوة الموازنة من خارج المحاور.
وإذا استطاعت السعودية وتركيا وباكستان إدارة اختلافاتها، فقد يتحول المثلث إلى أحد أهم أطر الأمن الإقليمي خلال العقد المقبل. أما إذا اصطدمت مصالحها عند أول أزمة حقيقية، فقد يبقى الاتفاق إطاراً سياسياً قوياً أكثر منه تحالفاً عسكرياً قابلاً للعمل.
لكن دلالته الأوسع ستبقى قائمة، الأمن في الشرق الأوسط يتجه تدريجياً من نموذج الضامن الخارجي الواحد إلى شبكة من القوى الإقليمية وشراكات الردع المتقاطعة. وتحالف مكة هو أحد أوضح المؤشرات على هذا التحول.
