المصلحة الوطنية العليا في لبنان: من إدارة التوازنات إلى مشروع بناء الدولة

في حياة الأمم لحظات تكشف فيها الأزمات حدود السياسة اليومية وتعيد طرح الأسئلة التأسيسية المتعلقة بمعنى الجماعة ومصيرها. ففي مثل هذه اللحظات لا يعود الخلاف حول الحكومات والتحالفات وموازين القوى هو القضية الأهم، بل يصبح السؤال: ما المرجعية التي تمنح الدولة شرعيتها وقدرتها على الاستمرار؟

من هذه الزاوية، تكتسب اللحظة اللبنانية الراهنة معناها الأعمق. فالأزمة التي يعيشها لبنان ليست مجرد أزمة حكم أو إدارة، بل أزمة تتصل بغياب مرجعية وطنية جامعة قادرة على تنظيم الاختلافات داخل إطار مشترك. وقد أعادت الحروب والأزمات طرح أسئلة الهوية والمواطنة والانتماء، غير أن التحدّي الأعمق يتمثل في تحديد المرجعية الوطنية القادرة على تحويل هذه الأسئلة إلى مشروع دولة.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن التعددية لا تتحول إلى قوة بنّاءة إلا عندما تستند إلى توافق على القيم والغايات المشتركة. فالدول لا تقوم فقط على ما يختلف حوله مواطنوها، بل على ما يتفقون أن يبقى فوق الخلاف. وكما ترى حنّة أرندت، تكمن قوة السياسة في تحويل التعددية إلى عالم مشترك لا في إلغائها.

من هنا ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن المأزق اللبناني لا يعود فقط إلى ضعف المؤسسات أو اختلال التوازنات أو سوء الإدارة، بل إلى غياب تصور جامع للمصلحة الوطنية العليا يجعل من الدولة إطاراً للمصلحة المشتركة، ومن التعددية مصدر غنى، ومن التنافس السياسي وسيلة لبناء الوطن لا لاستنزافه.

وعلى هذا الأساس، لا يناقش هذا المقال تفاصيل الأزمات اللبنانية بقدر ما يتناول السؤال الذي يقف خلفها جميعاً: كيف تتشكل المصلحة الوطنية العليا؟ وما الشروط التي تجعل التوافق عليها ممكناً؟ وكيف تتحول من فكرة نظرية إلى مشروع وطني يجد حامليه وقواه الاجتماعية القادرة على تحويله إلى دولة قوية وعادلة؟

وإذا كان غياب التوافق على المصلحة الوطنية العليا يمثل أحد الجذور العميقة للأزمة اللبنانية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا أخفقت النخب اللبنانية في إنتاج هذا التوافق رغم مرور أكثر من قرن على قيام الدولة الحديثة؟

لا يتعلق الأمر بنقص في الكفاءات أو الأفكار بقدر ما يتعلق بالشروط التاريخية والسياسية التي تشكلت داخلها الدولة اللبنانية. ففهم الإخفاق يقتضي الانتقال من نقد الأشخاص إلى تحليل البنية التي جعلت إنتاج توافق وطني جامع مهمة شديدة التعقيد.

الدولة والأمة والعقد الاجتماعي

في هذا السياق، يربط عالم الاجتماع والفيلسوف إرنست غيلنر استقرار الدولة الحديثة بقدرتها على إنتاج هوية وطنية تتجاوز الانتماءات الأولية، بينما يرى بندكت أندرسون، أحد أبرز الباحثين في القومية، أن الأمة تقوم على شعور مشترك بالانتماء يتخطى الروابط المحلية والطائفية.

غير أن التجربة اللبنانية جاءت فيها الدولة قبل اكتمال تشكل الأمة السياسية الجامعة، فظلّت الولاءات الطائفية والمذهبية والمحلية الراسخة تنازع الانتماء الوطني موقعه المرجعي، الأمر الذي عزز الانقسامات الجزئية على حساب المرجعية الوطنية المشتركة.

غير أن المشكلة لم تكن في غياب الأفكار. فمنذ نشوء الكيان اللبناني ظهرت مشاريع متعددة تناولت قضايا الدولة والمواطنة والإصلاح والتنمية والهوية والعلاقات الخارجية، لكن النخب عجزت عن تحويلها إلى أرضية وطنية مشتركة، لأنها بقيت أسيرة الحسابات الفئوية وتوازنات الجماعات. وهكذا تحولت السياسة من ساحة لبناء التوافق الوطني إلى ساحة لإدارة التنافس على النفوذ.

وقد سعى بعض الباحثين إلى تفسير المأزق اللبناني انطلاقاً من عامل واحد، غير أن الأزمة هي حصيلة تفاعل عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة. لذلك لا يكمن المخرج في تفسير أحادي أو معالجة جزئية، بل في بناء مرجعية وطنية جامعة تنظم هذه التناقضات داخل مشروع مشترك.

ومن هنا تبرز أهمية فكرة العقد الاجتماعي كما صاغها جان جاك روسو وطورها لاحقاً جون رولز. فاستقرار الدول لا يقوم على اتفاق كامل بين مواطنيها، بل على توافق حول المبادئ الأساسية التي تنظّم اختلافاتهم. وعندما يغيب هذا التوافق يمتد الخلاف إلى معنى الدولة والمصلحة الوطنية نفسها.

وتؤكد تجارب دول عديدة أهمية هذا النوع من التوافق التأسيسي. فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تستعد استقرارها بالازدهار الاقتصادي وحده، بل ببناء إجماع جديد حول الديموقراطية والدولة الدستورية. وكذلك نجحت إسبانيا، بعد مرحلة فرانكو، في الانتقال إلى نظام ديموقراطي عبر توافق وطني واسع حول قواعد الحياة السياسية. أما جنوب أفريقيا، فقد استطاعت تجاوز إرث الفصل العنصري من خلال بناء إطار جامع حوّل الانقسام التاريخي إلى مشروع وطني مشترك.

وتكشف هذه التجارب أن استقرار الدول لا يقوم على غياب الاختلافات، بل على وجود مرجعية مشتركة تنظّمها وتمنحها أفقاً جامعاً.

وما يجمع بين هذه التجارب، على اختلاف ظروفها التاريخية، أنها لم تخرج من أزماتها عبر انتصار فئة على أخرى، بل عبر بناء توافق جديد حول المبادئ التي ينبغي أن تبقى فوق الانقسامات السياسية والاجتماعية. فالدولة المستقرة لا تنشأ من إلغاء التعددية، بل من تحويلها إلى إطار مشترك يسمح بإدارة الاختلاف ضمن مشروع وطني جامع.

وهذا ما تكشفه التجربة اللبنانية، حيث لم تقتصر الخلافات على السياسات والخيارات العامة، بل طاولت أحياناً فهم السيادة وموقع لبنان الإقليمي وأولويات الدولة. وعندما يغيب الاتفاق على المبادئ المؤسسة، تتحول السياسة من إدارة للاختلاف إلى إدارة للصراع، ويصبح كل استحقاق مناسبة جديدة للنزاع حول قواعده وأولوياته.

وفي هذا المعنى لا تكون الأزمة أزمة سياسات فحسب، بل أزمة مرجعية تحدد ما الذي ينبغي أن تتجه إليه هذه السياسات أصلاً. فاختلاف الوسائل يمكن أن يكون مصدر غنى، أما الاختلاف حول الغايات المؤسسة للدولة فيهدد بتحويل السياسة إلى صراع مفتوح على معنى الكيان نفسه.

لذلك لا يتعلق التحدي اللبناني بإصلاح المؤسسات وحده، بل بإعادة بناء التوافق حول المبادئ التي تشكل جوهر المصلحة الوطنية العليا. فالدول لا تُبنى بالمؤسسات فقط، بل بالاتفاق على الغاية التي وجدت هذه المؤسسات من أجلها.

مرجعية بمستويات متعددة

ولعل أحد أوجه الأزمة اللبنانية أن لحظات التوافق الوطني الكبرى، من الميثاق الوطني إلى اتفاق الطائف، بقيت مرتبطة بتسويات تاريخية وظروف استثنائية، من دون أن تتحول إلى مرجعية مستقرة تحظى بإجماع دائم حول أسس الدولة وغاياتها المشتركة.

إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام .. خلافة النبي وأولوية الأقارب (14)

ومن هنا يمكن الوصول إلى خلاصة أساسية: لم تفشل النخب اللبنانية في إنتاج الأفكار بقدر ما فشلت في إنتاج إجماع وطني حولها. فالمشكلة ليست نقصاً في المشاريع، بل غياب المرجعية المشتركة الجامعة القادرة على تحويلها إلى مشروع وطني جامع.

لا يمكن اختزال المصلحة الوطنية العليا في أيديولوجيا أو برنامج حزبي أو مصلحة فئة أو جماعة، كما أنها ليست تسوية ظرفية أو انعكاساً لموازين قوى مؤقتة. إنها الإطار الذي تلتقي داخله الجماعة الوطنية حول منظومة من القيم الجامعة، والمسلّمات المؤسسة للدولة، والأهداف الاستراتيجية المشتركة.

فالمصلحة الوطنية العليا لا تلغي التعددية السياسية ولا تحل محلها، بل تحدد المجال الذي تتحرك داخله. فهي لا تجيب عن كل الأسئلة السياسية، بل عن السؤال الذي يسبقها جميعاً: ما الذي ينبغي أن يبقى خارج التفاوض والصراع لأنه يشكل الأساس المشترك لوجود الدولة واستمرارها؟

وإذا كانت الأيديولوجيات والتيارات السياسية تختلف في الإجابة عن سؤال: كيف ينبغي أن نُحكم؟ فإن المصلحة الوطنية العليا تنتمي إلى مستوى أعمق من السياسة اليومية، لأنها تجيب عن سؤال سابق على السياسة نفسها: ما الذي ينبغي أن يبقى مشتركاً بين اللبنانيين مهما اختلفت خياراتهم ورؤاهم ومصالحهم؟

وتقوم هذه المرجعية على ثلاثة مستويات مترابطة: القيم الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها المواطنة والحرية والعدالة والمساواة واحترام التنوع وتغليب المصلحة العامة؛ المسلّمات المؤسسة للدولة، وفي طليعتها وحدة لبنان وأولوية الدولة والسلم الأهلي وسيادة القانون واحترام الدستور وحماية السيادة الوطنية؛ والأهداف الاستراتيجية المشتركة، كقيام دولة قوية وعادلة، وبناء مؤسسات فعالة، وتحقيق التنمية المستدامة، وتكافؤ الفرص، وتطوير التعليم والإدارة والإنتاج، ورفع مستوى حياة المواطنين.

ولا تكمن أهمية هذه المستويات في مضمونها فحسب، بل في قدرتها على توفير إطار مشترك تنتظم داخله الاختلافات وتُحدَّد من خلاله أولويات الدولة والمجتمع.

وقد ذهب بعض السياسيين والباحثين إلى اعتبار أن جوهر الأزمة اللبنانية يكمن في غياب هوية وطنية جامعة. غير أن الهوية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء دولة مستقرة، لأن المجتمعات لا تتماسك بما تتفق عليه حول الماضي فحسب، بل بما تتوافق عليه من غايات مشتركة للمستقبل. ولذلك لا يكفي أن نتفق على من نكون، بل على ما الذي نريد بناءه معاً، وعلى الاتجاه الذي نريد أن تسير نحوه جماعتنا الوطنية، والمعنى الذي يمنح عيشنا المشترك غايته ومبرره.

ومن هنا لا تُختزل هذه المرجعية في قضية واحدة أو هدف واحد، لأنها تمثل الإطار الجامع الذي ينظم أولويات الدولة والمجتمع ويمنع تحول الاختلاف السياسي إلى نزاع حول أسسهما وغاياتهما. وهي ليست بديلاً من السياسة، بل الشرط الذي يجعلها ممكنة ومنتجة داخل مشروع وطني مشترك.

الكتلة التاريخية

غير أن مثل هذا التوافق لا يتولد من الشعارات، بل من شروط تاريخية واجتماعية وسياسية تسمح بتكوين رؤية مشتركة للمصلحة العامة. ويتمثل أبرزها في إدراك وجود مصير وطني مشترك، وقيام دولة مرجعية تنظّم التنوع وتحمي الصالح العام، والتوافق على قواعد الحياة السياسية، ووجود نخب وقوى اجتماعية قادرة على إنتاج رؤية جامعة، وتحقيق توازن مستقر بين الوحدة والتعددية.

غير أن التوافق الفكري لا يكفي وحده لصناعة التحول التاريخي. فالأفكار لا تصنع التاريخ لمجرد صحتها، بل عندما تنجح في تنظيم القوى الاجتماعية والسياسية حولها. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من الفكرة إلى «الكتلة التاريخية»، أي التقاء قوى اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة حول رؤية مشتركة وتحويلها إلى قوة فاعلة في المجتمع والدولة.

ولا تكتسب هذه الرؤية فاعليتها الحقيقية إلا عندما تجد تجسيدها المؤسسي في دولة تجعل القانون مرجعيتها، والمصلحة العامة معياراً لسياساتها، والمواطنة أساساً للعلاقة بين أبنائها. وعندها يتحول التنافس السياسي من صراع على الدولة إلى تنافس على خدمتها وتطويرها.

وهكذا لا يكتمل المشروع بصياغته الفكرية أو بالتوافق عليه فقط، بل بتحويله إلى دولة تستمد شرعيتها من العدالة، وقوتها من القانون، وغايتها من خدمة الصالح العام.

وفي الحالة اللبنانية تحديداً، يمر هذا المسار عبر بلورة عقد اجتماعي جديد يترجم هذه الرؤية إلى مبادئ جامعة وقواعد مستقرة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد بناء المعنى الوطني المشترك، ويرسخ وعياً جامعاً يجعل من الانتماء إلى لبنان ومصيره المشترك مرجعية تعلو على الانقسامات والولاءات الجزئية.

ويقودنا ذلك إلى استنتاج أساسي: أن مستقبل لبنان يبقى رهناً بقدرته على بناء معنى وطني مشترك تنتظم حوله الدولة والمجتمع.

وتزداد أهمية هذا التحدي في لبنان اليوم بفعل تراكم أزمات متزامنة مست جوانب الحياة كافة، من الانهيار الاقتصادي وتراجع الثقة بالمؤسسات إلى اتساع الهجرة واستمرار الانقسامات السياسية. فكلما ضعفت المرجعيات الجامعة، ازدادت قدرة الأزمات على تفكيك المجتمع والدولة معاً. لذلك لم تعد الحاجة إلى توافق وطني جامع مسألة سياسية فحسب، بل باتت شرطاً ضرورياً لحماية الاستقرار وإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بالمستقبل.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يعد في وسع اللبنانيين تأجيله: ما الذي ينبغي أن يبقى مشتركاً بينهم مهما اختلفت خياراتهم السياسية وانتماءاتهم المتعددة؟ وما هي المبادئ والغايات التي تستحق أن ترتقي إلى مستوى المصلحة الوطنية العليا؟

ولذلك تبدو المهمة المطروحة اليوم في إطلاق حوار وطني جدي حول الأسس القادرة على بلورة هذا المعنى المشترك وترجمته إلى دولة مستقرة وعادلة.

فربما لا يبدأ مستقبل لبنان من سؤال: «من يحكم؟»، بل من سؤال أعمق: أي لبنان نريد أن نبني معاً، ولأجل أي وطن نريد أن نحكم ونختلف ونتنافس ونتشارك المصير؟

وهنا تبدأ المهمة الحقيقية.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام .. خلافة النبي وأولوية الأقارب (14)